صوت

ذكرى شبح

هذا الفراش صلب للغاية وغير مريح. تحاول أن تنهض بلا جدوى، كأن طاقتها تخلت عنها دفعة واحدة. تقرر أن تسلي نفسها بتذكر كيف وصلت إلى هنا. 

كانت في فراشها المريح، ربما كان ذلك صباحًا أو قرب الظهر حين سمعت مفاتيح والدتها تلهث وهي تفتح الباب. نعم، كان اللهاث من نصيب المفاتيح لا الوالدة. 

هي تميز كل فرد من أسرتها قبل أن يدخل البيت. الأم تصعد بثقل على السلم وصوت أنفاسها يسبقها إلى الباب، أما الأخ فوقع خطواته يجعلها تتخيل أن الجاذبية تعمل لأعلى لا لأسفل يُدخل مفاتيحه في الباب بصرامة ثم يلي ذلك فترة قصيرة من الارتباك، كأنه غير متأكد إن كان يرغب بالدخول، أما الأب فلا تشعر بصوت أقدامه أبدًا، لكنها تميز صوت مفاتيحه وهي تخرج من جيبه، يدخلها بثقة ويفتح الباب بلا تردد كأنه الوحيد الراغب حقًّا بدخول البيت. 

إذن، فتحت الأم الباب فتثاءبت في فراشها ثم قفزت لتلقي نظرة. هذا غريب، تبدو الأم رشيقة للغاية، تنتقل بخفة بين المطبخ والصالة، كما أنها تدندن بلحن قديم كفت عن ترديده منذ زمن، وما بال الأكياس الورقية!! تتفحص الأكياس، فتجد نوعين من الفاكهة وليس منهما الموز، فاكهتها المفضلة. تحتج على الأم فلا تنظر إليها وتستمر بالغناء.

تتفقد الثلاجة فتجد قطعة من القرنبيط المسلوق، يبدو هذا لذيذًا، لكن أين الخلطة؟ نحتاج البيض أولًا. تنادي على الأم تطلب منها إحضار البيض، فترد من المطبخ :”أنا لن أخرج ثانيةً، كان يجب أن تذكريني”، فترد مستنكرة: “وكيف أتناول القرنبيط إذن؟”، “لو أردت تناول القرنبيط فاذهبي لشراء البيض” يلحقها صوت الأم إلى غرفتها. هي لا تريد الخروج، وعبور الشارع، ومحادثة البائع. كانت جدتها تعد القرنبيط مع صلصة الطماطم، لكن بدا لها هذا تعذيبًا نازيًّا.

تذكرها عبارة الأم بأخرى صادفتها في أحد الأفلام “لو أردت رؤية قوس قزح فعليك تقبل المطر” ترى أي فيلم كان؟! آه، نعم فيلم المحبين الشابين، يجمعهما المرض ثم يفرقهما. لم تحبه كثيرًا لكنها وجدته تعليميًّا إلى حد جيد، فكرة تقارب اثنين يعانيان نفس المرض، لا يشعر أحد منهما أنه عبء على الآخر لأن الآخر بدوره عبء مماثل، يفهمان الآلام ذاتها، وحلمهما بالتعافي واحد، وأي شيء آخر يعد تفاصيل هامشية.

هي تشاهد الأفلام كلها للهدف ذاته؛ التعلم. فهي لا تجيد فهم البشر والتعامل معهم، وهذا ما تقدمه الأفلام بالضبط. الآن، صارت تفهم كيف تبدو نظرات الحب، والخوف، والغضب، والرجاء، وازداد يقينها بأن ملامح الوجه كلها تنظر وليست العينان فقط. 

تقرر أن تتحمل عناء التواصل البشري وتخرج لشراء البيض، ترتدي معطفها، وتصفف شعرها المتناثر بيدها، تصيح وهي بالباب “سأخرج يا أمي” فلا تجد ردًّا، لكنها لا تهتم وتقرر إحضار المزيد من البيض قد تستخدمه الأم لصنع كعكة لذيذة تأكلها ليلًا مع كوب من الشاي. أين القطط الوليدة التي كانت هنا؟ ولماذا يبدو وكأن الجيران تركوا المنزل فجأةً؟ لا يهم.

آخ، يا لتلك الشمس! تشعر أنها تخترقها حتى الروح. تعبر الطريق بسهولة، ها هو البائع، تود لو لا تتكلم ويفهم من نظراتها ماذا تريد، لكن لو امتلك هو هذه القدرة فهي لا تستطيع التحديق لأعين الغرباء، لماذا يتجاهلها هذا الأحمق وهي تقف أمامه؟ الجميع يعاملونها باستخفاف كأنها غير موجودة، ربما لأنها تبدو أصغر من سنها كثيرًا. ترفع صوتها أكثر، فينتبه لها ويغيب داخل المحل للحظات ثم يعود متمتمًا وهو يمد يده لها بالكيس. تخرج وهي تؤرجح الكيس بحذر، منتشية بفكرة الطعام وجسارتها في مواجهة العالم، إنها تطير، لا ليس مجازًا، إنها تطير فعلًا، تشعر بالذعر وتصرخ، لكنها سرعان ما تعود للأرض.

صوت تهشم، لا بد أن البيض انكسر، ستغضب الأم كثيرًا، لكن لا بأس، معها المزيد من النقود وستذهب لتشتري بدلًا منه ولا داع لأن يعرف أحد شيئًا. عليها فقط أن تقوم و ….، لماذا يتجمع الناس حولها هكذا. فليساعدني أحدكم يا مزعجين، ألم تروا فتاة تسقط على الأرض من قبل؟!

حسنًا، سأعتمد على نفسي، نعم أدفع بكفي هكذا لأقف، يا للقرف! لقد وضعت يدي في كيس البيض، لا يوجد شيء دبق أكثر من هذا الزلال على ما يبدو. أين كفي الأخرى إذن؟ ها هي، تتحسس رأسي. ما هذا البلل؟ بركة ماء آسنة، رائع، لا بد أن ملابسي اتسخت وسأضطر لغسلها. لكن هذا الماء لزج وساخن، لونه أحمر قاتم وله مذاق الصدأ! دماء؟ ولم ستسيل دمائي، هذا غريب جدًّا. لا! أنا لا أقبل هذا، لا يمكنني أن أموت هنا، على بعد شارع من منزلي، لا يمكنني أن أموت الآن، لا بد أنني تأخرت، سيغضبون ويتصلون بي ليجدوا هاتفي نائمًا على السرير، ويظل هؤلاء الأغبياء هنا يقلبون كفًّا بكف ولا يتعرفني أحد. هيه، ارفع هذه الجريدة القذرة من فوقي. يربت أحدهم على كتف سائق الشاحنة المذهول قائلًا : “حصل خير، يبدو أنها أول مرة لك”.

ماذا يعني ب”حصل خير”، لا لم يحصل أي خير، سأخرب بيته. لا تحجب عني الرؤية بصفحة أخبار الفن يا مغفل، تعال هنا. لا تذهبوا، ملمس هذا الزلال مقزز للغاية، أرجوكم، أريد منديلًا مبللًا!

مريم السنيطي
طالبة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، كاتبة ومدونة مهتمة بالفلسفة والأدب.

اترك تعليقا