فن

ارتجال الجاز.. بين الحرية والنشاز

 “ربما يكون أول خطأ نقع به هو تعريف الموسيقار بصفته الموسيقية فقط، أنا إنسان يحب الموسيقى والبحث وسفير للنوايا الحسنة في الأمم المتحدة وبوذي في رؤيتي لذاتي وللعالم وقبل كل ذلك أنا إنسان، هذا كله أعبر عنه بطرق عديدة منها الموسيقى”

– عازف الجاز هيربي هانكوك

عازف الجاز هيربي هانكوك
عازف الجاز هيربي هانكوك

بين الارتجال والحياة

منذ الطفولة ونحن نتعلم التصنيف، هذا الرجل مهندس وهذه السيدة طبيبة أمّا هذا الفتى ففنان وغير ذلك من الأدوار الاجتماعية التي نقوم بوصف بعضنا البعض بها. وهذه الطريقة تختزل الإنسان تمامًا في دوره الذي يقدمه في المجتمع، كأنه لا يمكن تعريفه إلّا بالوظيفة أو الدور الاجتماعي. يبدو أن هيربي هانكوك يرى نفسه ليس مجرد عازف جاز بل يقدم نفسه كإنسان متعدد المهارات والأعمال متحديًا بذلك التصنيف التقليدي الذي يراه مجرد عازف بيانو محترف، الإنسانية تسبق كل شيء، كل مهارة وكل دور اجتماعي.

نتيجة لثقافة التصنيف، يقوم الإنسان بمجاراة دوره الاجتماعي، للطبيب كغيره نمط حياة محدد لا يجب أن يتصرف بشكل مخالف له، وهنا تكمن المشكلة، فالطبيب كالفنان إنسان يتجاوز وجوده دوره الطبي وتحتم عليه وظيفته أن يرتجل في بعض الأحيان.

يقول عازف الكمان ستيفين ماكمانوفيتش أن طبيبًا سأله بانبهار عن كيفية ارتجال قطع موسيقية لحظية دون إعداد مسبق وهو على المسرح، فلم يقدم له اجابة شافية بل تساءل عن اللحظة التي يعتبرها الطبيب ارتجالاً في الطب

وعندها أجابه بأنها لحظة الكشف عندما يمثل المريض أمامه فيبدأ بارتجال تفاصيل التعامل مع الحالة المرضية، وعندها يعقب ستيفين ماكمانوفيتش في كتابه (free play) أن الارتجال مهارة تدخل في كل شيء يوميّ لا مجرد استعراض موسيقي لمهارات العزف.

ومن هنا يمكننا القول أن التصنيفات ليست سوى وسيلة للتواصل أمّا التواصل الحقيقي يحدث بالارتجال، فلا يحضّر أيّ منّا أحاديثه اليومية بل يرتجلها لتعبّر تمامًا عمّا يشعر به أو يفكر فيه. ولكن المشكلة الأكبر تكمن في أن التصنيف يتجاوز حدوده ويجبرنا على ملاحقة الأهداف الاجتماعية.

ندّعي في بعض الأحيان بل الكثير منها أنّنا أشخاص آخرين غير ما نحن عليه حتى نقدم للمجتمع صورة مثالية لأنفسنا ولكنها ليست حقيقية كما يقول المحلل النفسي كارل يونغ، فإننا نرتدي قناعنا الاجتماعي (Persona) لسنوات طويلة دون أن نغذي الجانب الحقيقي منّا.  هكذا نظنّ أننا نعرف أنفسنا جيّدًا ولكننا نعرف قناعنا ليس إلّا.

هكذا تستمر الحياة بالقناع حتى نجد صعوبة في مجاراة ما يتطلبه المجتمع، هنا وهنا فقط تبدأ رحلتنا في البحث عن ذاتنا. نتجاوز التعريفات الصلبة ونحاول البحث في أفكارنا ومشاعرنا وأحاسيسنا عمّا نفضّله حقّا ونطمح إليه دون قيود الخارج. نبدأ بارتجال حياتنا وسط النشاز الصادر من القناع، وهكذا يرتبط الجاز بالحياة، كلاهما استكشاف للذات لا مجاراة لما يظن المجتمع أنه الواجب.                       

الارتجال الموسيقي

“الجاز هو أن تترك كل ما تعرفه لتعزف شيئًا جديدًا وليد اللحظة على المسرح”

– هيربي هانكوك

الارتجال الموسيقي هو التواصل، نتواصل باللغة في الحديث وبالسمع في الموسيقى. كل نوتة تحمل بداخلها شعور أو معلومة أو إحساس يقوم العازف بنقله بشكل مباشر لكل المستمعين. هذا المعنى التواصلي للارتجال يعبّر بعمق عن عمّا يحدث في حقيقة الأمر على المسرح. هناك على المسرح يعبّر الجميع عمّا يشعرون به ليس على مستوى فردي بل بشكل جماعي تواصلي بين كل العازفين.

يحلم كل عازف جاز بلحظة الاندماج التي تحصل له مع الفرقة، عندها كما يقول عازف الكمان ستيفين ماكمانوفيتش فإن العازف يصل لاحساس بالتوحد التام مع الأصوات الصادرة من آلته الموسيقية، يصعب وصف هذه الحالة بالكلمات على حد تعبيره ولكنه يضيف أنه يتوقف عن العزف بالطريقة التقليدية ولا يختار النغمات بعقله أبدًا بل يصبح “تابعًا مخلصًا” لما يسميها النوتة الموسيقية الأنسب، تتضاءل الاختيارات حال الارتجال في هذه الحالة لأن تواصل العازف السمعي مع فرقته ومع شعوره في اللحظة الحاضرة يفرضان عليه النوتة الموسيقية التالية فيستجيب لذلك فورًا في عزفه.

وفي أحد اللحظات المشابهة كما يصف هيربي هانكوك عندما كان يعزف البيانو مع فرقة مايلز ديفيز، وصل الجميع للنشوة الموسيقية و اندمجوا مع العزف إلى أن أتى هانكوك بكورد (chord) خاطئ تمامًا بكل المقاييس الموسيقية، لحظة كهذه كفيلة باحباط الجميع، ولكن مايلز ديفيز قام بلا أي تردد باضافة عدة نغمات للكورد الخاطئ وحوله في لحظتها لكورد صحيح في سياق جديد.

“لقد حكمت على نفسي وعزفي بينما كان مايلز مندمجًا ولم يحكم عليّ بل نظر لصوت الكورد الخاطئ على أنه كورد مفاجئ غير محسوب ودمجه مع عزفه باحترافية شديدة”
– عازف الجاز هيربي هانكوك

“النوتة الموسيقية الخاطئة ليست التي تعزفها بل النوتات التي تليها”
– مايلز ديفيز

ينطبق على الارتجال الموسيقي ما قاله مايكل انجلو عن النحت فقد كان “يحرر” منحوتاته من داخل الرخام، قبل البدء في النحت كان يرى منحوتته النهائية جاهزة في الرخامة الصماء وليس عليه سوى ازالة الرخام الزائد ليخرج عملاً فنيًا مبهرًا كتمثال داود.

كذلك الموسيقى منذ قديم الأزل تعتمد على الاتجالات ولسوء حظنا فليس هناك تسجيلات صوتية متاحة بطبيعة الحال لكبار المؤلفين الكلاسيكيين ولكنه من المعروف أن باخ وموتسارت وبيتهوفين كانوا الأعظم في الارتجال اللحظي للألحان في عصرهم. أما قواعد الموسيقى الغربية فقد جاءت لوضع أساس نظري للأصوات والإيقاعات بعد ذلك تماما كقواعد اللغات.

نرشح لك: 3 مكونات أساسية للموسيقى | سلسلة كيف نستمع للموسيقى؟

الارتجال أم التأليف؟ 

 مما سبق يمكننا استخلاص ثنائية الارتجال/التخطيط أو الحرية/القاعدة وهي الثنائية الابرز في تاريخ الفنون خاصة الموسيقى فلا توجد ارتجالة موسيقية تتخلص من القواعد ولا توجد مقطوعة كلاسيكية يتم تأليفها بلا محاولات ارتجالية.

ورحلة الجاز ليست في التخلص من القواعد الموسيقية فليس هذا هدفًا بأي شكل من الأشكال ولكن يحاول الجاز الوصول لمعادلة متوازنة ليرى العازف نفسه ويعبر عنها بالموسيقى التعبير الأنسب.

تحتوي الكثير من ألحان الجاز على مقطوعات مؤلفة مسبقا وتسمى مقطوعات الجاز الأساسية  Jazz standards ولكن لا يتم عزفها من أكثر من عازف بنفس الشكل، دائما هناك شيئا جديدا في طريقة العرض ورؤية العازف الخاصة.

الحريّة الموسيقيّة: نشاز أم رؤية؟

لكل لغة مفاهيمها و بالتالي فكلمة نشاز في اللغة المنطوقة ليست مرادفًا كاملا للنشاز في الموسيقى، فهذا المعنى السلبي الذي تحمله كلمة نشاز في اللغة المنطوقة لا يمكن التعويل عليه في فهم النشاز الموسيقي لأنه شديد العمومية والتنفير. 

تقوم الموسيقى على ثنائية التناغم/النشاز وتوحي كلمة نشاز بالنفور ولكنه عنصر أساسي في كل أنماط الموسيقى، فذلك العازف الأسمر في الجنوب الأمريكي في أواخر القرن التاسع عشر يعزف نمطًا جديدًا من الموسيقى سُمّي بالبلوز (blues) إلّا أن موسيقاه لو سمعها موتسارت لأعتبرها نشازًا، وكذلك الموسيقى العربية تحمل أبعادًا موسيقية نطرب لها ويعتبرها الغرب نشازًا.  فالنشاز ليس شيئًا مطلقًا بل يخضع للاعتبارات الاجتماعية واختلاف الثقافات الشعبية.  

نظرية الجاز المعاصر هي تقبل تدريجي للنشاز عند الغرب

في القصة السابقة لمايلز ديفيز مع هيربي هانكوك، عزف هانكوك كورد (chord) “خاطئ” كما سمّاه ولكن مايلز تعامل معه على أنّه “نشاز مقبول” يخلق توترًا موسيقيًا يمكن تسويته ببعض النغمات بعده بكل سهولة.

ولهذا يقول عازف الكمان ستيفين ماكمانوفيتش “القواعد في نظرية الموسيقى تعلمنا الكثير ولكنها لن تعلمنا الابداع والخلق الموسيقي بدقة، تشبه القواعد الموسيقية قواعد اللغة بينما الارتجال فهو مقابل التحدث في اللغة فهو المعلم الأكبر فيما يتعلق بالفنون”.

وهكذا فقد يتعمد العازف أن يضع بعدًا صوتيّا ناشزًا من أجل خلق شكل من أشكال التوتر أو الدراما في مقطوعته الموسيقية ثم يقوم بتسوية هذا التوتر بشكل سليم يمكن استحسانه. 

وبهذا فيمكننا القول أن الجاز في أساسه معتمد على الحضور الكامل للعازف، لحظة تشبه التأمل الشرقي يندمج فيها الذهن مع الفعل (العزف) حتى أن جال هالبر عازف البيانو الكبير يقول بأن الموسيقى ليست من البيانو إنه وهم بل تكمن الموسيقى في وعي العازف.

على العازف أن يقوم بالتعرف على ذاته واثراء مهاراته في كل شيء حتى يتمكن من عزف الجديد دائمًا كأنه يدرب نفسه موسيقيّا بأن يرتجل كل لحظاته في الحياة. وهكذا يشبه الارتجال الموسيقي رحلة الانسان بحثًا عن قيمه وسعادته، فحتى حين يخطئ يجب ألّا يقع في حالة الندم طويلًا بل عليه الارتجال في الحاضر دائمًا. فالجاز يعلمنا أن علينا استكشاف أنفسنا حتى نعبّر عنها كما هي. ليس فقط بالموسيقى بل بكل وسائل التعبير الارتجالية. 

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا