أدب

الرسالة الأدبية مطرقة وسندان في حضرة العنصرية

الأدب أرقى أداة تعبيريّة نلجأ إليه ليوصل رسالة إنسانيّة ويرسخ قيّم المجتمعات الإيجابيّة، وليسلطَ الضوء على الوقائع التّي يعجز عن تغييرها. وظّف الأدب منذ اكتشاف القلم لمواجهة العنصريّة بكل أشكالها وأنواعها. والعنصريّة هي أي شكل من أشكال التفرقة الناتجة عن قناعات بالتفوق العرّقي أو الدينيّ، وخليط من السّلوكيات والمعتقدات التّي تعلي شأن فئة وتعطيّها الحق بالتحكم في فئة أخرى والانتقاص منها.

العالم يدفعُ اليّوم ثمن سذاجته عندما صدق أن العنصريّة تتراجع، وأن البشرية ستتشبثُ بما يجمعها وتنبذُ ما يفرقها، لكنّ الحقيقة أن الأمريكين أنفسهم الذّين يزعجوننا دائمًا بصوتهم العالي عن المساواة هم من يرتكبون الحماقات الكبرى ضدّ الإنسان المُختلف، و ما حدث مؤخرًا من قتلٍ ظالم لرجلٍ أسود البشرة على أيدي رجل الشرطة الأبيض هو إشارة واضحة أن سنّ القوانين يختلفُ عن تطبيقها، والوجدان الجمعي للمجتمعات يحتاجُ إصلاحًا فكريًا قبل الإصلاح التشريعيّ.

دور الأدب في تكوين الوجدان الجمعي للمجتمعات:

الوجدان الجمعيّ لمجتمع ما هو مجموعة المعتقدات والمواقف الأخلاقية المشتركة، والتّي تعمل كقوة للتوحيد داخل المجتمع وتركز على الفهم المشترك للمعايير الاجتماعية، تكون “عقل الخلية” أو “عقل المجتمع” الذّي يشّفر الذاكرة بنوع محدد من التّرميز.

ذكر الرّوائي البريطاني الأشهر “جورج أورويل:

” أن أحد أهم دوافع كتابة الأدب هو الرّغبة في تغييّر أفكار المجتمعات و دفع العالم صوب اتجاه بعينه”.

الأدب هو خلاصة تجربة إنسانيّة ما مطعمّة بخلفية ثقافية ما تنشر أفكار سياسية و اجتماعية. و أن محرقة الكتب الشهيرة التي قامها بها النّازيون بحضور “جوبلز” وزير دعاية هتلر كانت ساحة إعدام  لكل فكرٍ مناهضٍ للنّازية وعنصريتها البغيضة، ورسالة واضحة بأن عدو التّطرف ليس دبابة أو صاروخ بل دفتيّ كتاب.

وبالمقابل فإن مناخ الحريّة الأدبيّة في أوروبا حاليًا ينفتحُ على جميع الأفكار ولا يغلقُ الباب في وجه المضامين السّلبية، فالأدب العنصريّ  وجد لنفسه موطئ كتابٍ في السّاحة الأدبيّة، و امتدت ذراع اليمين المتطرف لتسيطر على مكتباتٍ شهيرة و دور نشر عريقة و خاصة في “فرنسا”.

يرتبط صعود هذه “الثقافة المضادة” مع زيادة المهاجرين ودخولهم السّريع في مجالات الحياّة مما سرب للأوروبيين شعورًا بفقدان الهوية، هذه التحولات في الهيكل العام لمجتمعاتهم أشعرتهم بأنهم يتعرضون للغزو فكانت ردّة فعلهم سلبية نحو تقبل الآخر سواء على أساس عرقي أو ديني، فبرز نمط جديد من الأدب الموجه المعزز للتعصب القومي والنعرات العرقية.


العنصريّة في الأدب العربيّ:

يطيب للعرب التفكير بأنهم في معادلة العنصرية يحتلون مرتبة “المفعول به”، لكنهم في الحقيقة ممارسٌ عتيقٌ من أيام الجاهليّة، ثمّ جاء الإسلام ليهذبها وإن كان طبع الجاهلية لم يمت كليًا. بما أن الرواية العربيّة أدبٌ حديث العهد إذا ما تمّت مقارنته بالشعر. فإن الشِعر خلد الكثير من مواقف العنصرية ضد أصحاب البشرة السّوداء أشهرها قصة عنترة بن شدّاد العبسيّ، الفارس والشّاعر وصاحب إحدى المعلقات السّبع الذي عانى من الإقصاء والحرمان نتيجة لون بشرته الذّي ورثه من والدته، فأنكره والده وعامله كعبد، خلدّ عنترة بأشعاره معاناته و تناقض مجتمعه:

لَئِن أَكُ أَسوَداً فَالمِسكُ لَوني
وَما لِسَوادِ جِلدي مِن دَواءِ
وَلَكِن تَبعُدُ الفَحشاءُ عَنّي
كَبُعدِ الأَرضِ عَن جَوِّ السَماءِ

وللمتنبي شاعر العرب المثير للجدل سقطات عنصرية لا تُغتفر، فالأبيات التّي قالها في هجاء كافور الإخشيدي حاكم مصر حينها من أقذع و أنتن الأشعار و أكثرها عنصريّة: 

نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها *** فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ
لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ *** إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ.

أدب عنترة بن شداد
تمثال عنترة بن شداد في مدينة بغداد 

نرشح لك: الأدب العربي وهواجس العالمية

العنصريّة المُستحدَثة عند العرب:

كل أنواع التّفرقة هي عنصريّة، لكنّها ربما كانت العنصرية ضدّ اللّون أكثرها وضوحًا و أكثرها قدمًا،  لكنّنا لا نجد الكثير من الأعمال العربية المعاصرة عن هذا الموضوع، وإن كان هناك الكثير من الاقتباسات التّي ما زلنا نستخدمها  من باب الفكاهة والتعود الأعمى، فأغنية محمد منير التّي نرددها ونستمع لها ونرقص عليها تقول “عايروني وقالولي يا أسمر اللّون ياللي صحيح أنا أسمر وكلّ البيض يحبوني ياللي”…

لكنّ و الحق يقال أن بعض المجتمعات العربيّة طورت نمطًا مختلفًا من العنصريّة، عنصرية جديدة تمارسها مجتمعات تملك الأموال على الجنسيات التي تستقدم منها العمالة، و تحطُّ من قدر حامل هذه الجنسيات بغض النظر عن مركزه الوظيفيّ في المجتمع. ولقد قفزت رواية “ساق البامبو” للكاتب الكويتي “سعود السنعوسي” فوق العديد من الخطوط الحمراء، حيث رصدت حياة شاب مولود من زواج كاتب كويتي بخادمته الفلبينية، يعيش طفولته ومراهقته مع أمه في الفلبين، ثمّ يعود إلى موطن أبيّه باحثًا عن الجنة التّي وصفتها له والدته، و بسبب ملامحه الآسيوية يعاني من الرّفض وعدم التقبل من أفراد أسرته والمجتمع المحيط بها.

 و السؤال لو كان الشّاب القادم من الخارج أشقر بعيون زرقاء وملامح أوروبية هل كان سيعامل بذات الرّفض؟!، أم أنَّ  بعض الاختلاف محمود و بعضه الآخر مذموم؟! وهل عقدة العمالة هي الاتجاه المعاكس لعقدة الخواجة وإن كانا كلاهما كفكرٍ مرفوض؟!!

الأدب العالمي:

هناك كثير من الرّوايات التّي رصدت ظواهر العنصرية في المجتمع الأميركيّ، هناك “توم” الذّي مات وحيداً مكسوراً في كوخه في رواية “كوخ العم توم”، و هناك “نورثوب” الذي كان رجلاً حراً ثمّ اختطف و بيع كعبد ليتنقل خلال ١٢ عاماً من سيد لآخر في “عبد ل١٢ عامًا”، و رواية “المساعدة” أو “عاملة المنزل” التي تأخذ منظورًا نسويًا من المعاناة و تركز على العلاقة بين سيدة المنزل وخادمتها الملونة.

إن أقصى هذه الروايات و أكثرها حدّة و ألم هي رواية “الجذور” لأنها تبدأ في مكانٍ بعيد وغير مألوف، في “غامبيا” البلد الأفريقي حيث تصور لنا ولادة “كونتا كنتي” و نشأته بين والديّه وأفراد قبيلته،  ليصيرَ شاباً ويتم اصطياده كغزلان المرج، ثمّ ينقل إلى أميركا عبر سفينة هي للجحيم أقرب، ويتحول الطفل الذيّ فرحنا مع أبيه بولادته في بداية القصة إلى شبه كائن حيّ. رواية “الجذور” تمّت مناقشتها في رواية عربيّة هي “شيفرة بلال” للدكتور أحمد خيري العمريّ. حيثُ كانت حاضرة بين يديّ لاتيشا البطلة لتدرسها لطلابها في الصف، و نسمع آراء الأطفال القادمين من خلفيات مختلفة بمنظومة الرّق، تقول لاتيشا لهم في أحد مرات :

“عندما يتغير القانون ولو على نحو كامل وجذري، فإن هذا لا يعني أن ما في النّفوس قد تغير بالضرورة، و ذلك أن هناك أشياء هلاميّة لا تُرَى تتحكم في تنفيذ هذا القانون”

جائزة نوبل في فخ العنصريّة :

إشكالية الدلالات السّياسية والاجتماعيّة لجوائز نوبل قديمة الأمد، وضغط جماعات بعينها لتوجيه الجائزة إلى اتجاهات تخدم مصالحها وتسوق لثقافتها كان دومًا مثار جدلٍ حول مصداقيتها، لكن في عام ٢٠١٩ جائزة نوبل ضلّت طريقها ا إلى أديب عنصريّ هو الكاتب النمساوي الفاشي “بيتر هاندكه”، و الذّي صدم جمهور الأدب حول العالم بارتدادته اليمينة المتطرفة مما دفع الكثيرين إلى مقاطعة الحفل. وطرحت تساؤلاً ضخماً و منطقياً حول التمهيد لعودة الفكر العنصريّ كمجرد رأي مطروح.

القيّم الإنسانية في الأدب العالميّ:

التربة الخصبة و غير المحروثة لن ينبت فيها إلا الأشواك و الأعشاب الضارة، والوّعي بالمعنى الحقيقي للعدالة و المساواة هو السّماد الأنفع للعقول الناشئة. يقول زعيم النضال نيلسون مانديلا:

“لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه .. الناس تعلمت الكراهية وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذاً بإمكاننا تعليمهم الحب .. خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية “

Avatar
نادية برادعي
صيدلانية وعاشقة للأدب والكتابة مؤمنة بقوة الكلمة لتغيير العالم وبقدرة على الخير على ترميم الندوب.

اترك تعليقا