أدب

الحل لمعضلة القنفذ.. احجر جسدك حرر عقلك

معضلة القنفذ

بالقلم الأخضر ورقًا على غصنٍ نامٍ، خاطب فيها نواصي الأحلام البائدة، وصافح لها من الأيدي روحك التّي باعدت الضغوط بينك وبينها. إن عبارة ” لا أملك ما يكفيني من الوقت” أرجوحة للذرائع المعلقة، فرمال السّاعة تنساب اليوم لتقدم عرضًا لا يمكنك رفضه، وأي وضع مفروض يمكن تحويله إلى وضعٍ مرغوب.

يقول شاعرنا محمود درويش في العزلة:

“في العزلة كفاءةُ المُؤْتَمَن على نفسه
يكتب العبارة وينظر إلى السقف ثم
يضيف: أن تكون وحيدًا… أن تكون قادرًا
على أن تكون وحيدًا هو تربية ذاتيَّة.
العزلة هي انتقاء نوع الأَلم والتدرّب
على تصريف أفعال القلب بحريّة العصاميّ … أَو
ما يشبه خلوَّك من خارجك وهبوطك الاضطراري
في نفسك بلا مظلَّة نجاة”.

معضلة القنفذ (معضلة شوبنهاور) :

في حضرة الصقيع تتجمع القنافذ الصغيرة، تحاول أن تتقارب أجسادها لتتبادل الحرارة خلال الطقس البارد، في نفس الوقت يجب أن يبقوا متفرقين  لتجنب الأذية الجسدية الممكنة بأشواكهم، على الرغم من الرّغبة والحاجة لتبادل علاقة وثيقة إلا أن هذا لا يمكن أن يحدث لأسباب تتعلق بسلامتهم، والاختيار الصائب هو الأقل ضررًا وأذية.

مع فرض الحجر الصحيّ على الجميع، وتَشَارُك دول العالم جميعًا بوباء فايروس كورونا، كانت الدعوات لالتزام المنازل والابتعاد عن التجمعات، ليُفرَض على الإنسان نمط حياة جديد ليس من السّهل التأقلم معه. مَشّنقون نحن بحبال النوايا الحسنة، و مُكبّلون إلى أيامنا بأصفاد العادات، لذلك التغيير لم يكن يومًا أمرًا سهلًا والعزلة التي قد تكون سجنًا مفروضًا بأقفال الأمان والشفاء، يمكن إعادة هندستها لتصبع معتكفًا روحيًا، وتعيد التواصل مع صديقٍ قديم لا يسأم لك مجلسًا ولا ينقل لك عدوى. لتخترق بين الصّفحات والسطور عوالم فريدة وبعيدة.

معضلة القنفذ

العالم من النّافذة:

رؤوسٌ بين الجدران لا تتجاوز للنوافذ حافةً، وعليها الوقوف على ما يرفعها لتبصر العالم الخارجيّ. اجتياح التكنولوجيا التي تحكم حياتنا جعلنا مشتتين بسبب وابل المعلومات الكثيف الذي يفتت عقولنا، سيكون من المنصف لسلامتك العقلية أن تقفز بين دفتيّ كتاب، المكان الأكثر طمأنينة وسكينة لتبدأ بالقراءة والكتابة بجديّة، وتقوي ارتباطك بذاتك المهملة.

في العزلة يرتفع معدل استهلاك الحنين والهواجس وكل المشاعر المهمشة، تقتاتُ من فتات روحك وطاقة أحلامك، فتمر دواخلك بأزمة وقود وقد اعتادت السّير بقوة السحب خلف التزامات الحياة.

القراءة ليست فعلًا مؤقتًا، ولا مجرفةً تنقص بها كومة الوقت، هي أسلوب حياة صحيّ. وإعادة تأهيلٍ لجهازك العصبيّ ومراكز صنع القرار في رأسك. القراءة فعل يحتاج الوقت والهدوء وسعة الإقبال لتصبح عادة يوميّة.

صديق الجميع ليس صديقاً لأحد:

الإجماع عدو الطبيعة، والتباين في الكينونة البشريّة والتجارب الحياتية سيفرز بالضرورة تنوعًا ذوقيًّا. عندما تختاركتابًا حافظ على حيادك، لا تنجرف خلف الإطراء المفعم أو القدح المبالغ. من حقك ألا يجذبك كتابٌ تلتف حول محوره الجموع، وأن تجد تجربة ممتعة في رواية خفيفة يبغضها النقاد. الأمر يشبه “بناء العضلات” الأوزان الصغيرة تمهد الطريق للهدف الأكبر، الأمر لا يغدو أسهل أبدًا لكنك تصبحُ أقوى. القارئ المبتدئ يعاني أكثر من القارئ المخضرم في تحديد نقطة انطلاقه، والاختيار الخاطئ للبداية قد يقرب بسرعة البرق خط النهاية. وقد تساعد مواقع تقييم الكتاب مثل الـ goodreads على أخذ نبذة عن محتوى الكتاب.

الخروج من منطقة راحتك:

توجهك في القراءة تحدده ميولك الشّخصية، ولكنه قد يتحول بالكثير من التعنت إلى نمطية جامدة، ويفرز تعصبًا لكُتّاب وقراءات معينة. كما أن حمى التفوق الأكاديميّ قد تجبرك على حصر ثقافتك في مجال دراستك.

التّمرد الحقيقي على نفسك يكون بالاقتناع بأفكار أنت غير مبرمج بيئيًا ولا مجتمعيًا على التقاط ترددها، أفكار لم تخرج من وجدان مجتمعك ولا من كتب مدرستك أو من هذا ما وجدنا عليه أجدادنا، كلّ ما يخرج من هذا السّياق هو قفزة لصالحك فوق حاجز مظلم في داخلك. لكل إنسان “منطقة راحة” يكون داخلها في قمة تصالحه مع نفسه، ثمّ تتحول هذه المنطقة إلى منطقة تقاعس وتعصب تضيّق آفاقه وتحدّ من خيارته. العقل البشريّ يعامل أي فكرة جديدة كما يقابل الجسد أي جسم غريب يدخله بالرفض. منطقة راحتك هي شعورك المفرط  بالأمان والرّاحة، ورفض التغيير لما يحمله من تحديات، مجرد نمطية فكرية ينتج عنها دومًا ذات الخلاصة.

قراءة الرّوايات ليست مضيعة للوقت:

رقابة فكرية أخرى ترفضها المجتمعات على أبنائها هي رقابة “الجدوى المباشرة”، فشريحة كبيرة تنظر بدونية إلى قارئ الرّوايات، وتغذي قناعة مغالطة بأنها ليست فكرًا ثقافيًّا جادًا. و في الحقيقة أن ثقافة الشّعوب ومعارفها لا نجدها إلا في الرّوايات، وشغف الاطلاع على ألغاز النّفس البشريّة لا يشبعه أي فن آخر من فنون الأدب، تُحسّن أسلوب الكتابة

 وتُثري الحصيلة اللّغوية، وتجعل الإنسان يعيدُ النّظر في قناعاته أو يهذبها أو يكتشف من خلال المقارنة مدى أصالتها. أما المخاوف المتعلقة بوقوع القراء الجدد في فخ الرّوايات التجارية، فهي قمع لإرادة القارئ وظن سيء بقدرته على التّطور تدريجيًا وتمييز الجيد من الرديء، وهي خاصية لا تكتسب إلا بالتجربة والتمرين.

هاجس الذاكرة المثقوبة :

“يقول د.سلمان العودة: قلت مرة لشيخي: قرأت الكتاب ولم يعلّق شيء منه بذاكرتي؟

مدّ لي تمرة وقال: امضغها، ثم سألني: هل كبرت الآن؟ قلت: لا، قال: ولكن هذه التمرة تقسمت في جسدك فصارت لحمًا وعظمًا وعصبًا وجلدًا وشعرًا وظفرًا وخلايا!

أدركت أنّ كتابًا أقرؤه يتقسم فيعزز لغتي، ويزيد معرفتي، ويهذب أخلاقي، ويُرَقِّي أسلوبي في الكتابة والحديث ولو لم أشعر.”

هاجس الاستفادة مما تمّت قراءته واجترار معلوماته يناقض مفهوم القراءة، فالمعرفة تراكمية بطبعها وتحتاج إلى فترة داخل وحدات الذاكرة لتتخمر وتتفكك إلى جزيئات. العقل يهضم كل ما يصل إليه، لا يلفّه بشرائط تخزين ويضعه في المتحف، بل يُعاد تدويره إلى معارف وحكم وموعظة وقيم أخلاقية تعزز النّضج و المنطق.

نرشح لك : الأدب العربي وهواجس العالمية

الخلايا المرآة و أهمية القراءة للأطفال:

“الخلايا المرآة” هي الخلايا التّي تنشط في دماغك عندما تقوم بفعل أو عندما ترى أحدهم يقوم بذات الفعل، كلّ حركة تشاهدها سوف تُنشِّط خلايا المرآة الخاصة بهذه الحركة في دماغك، كما لو كنت أديت هذه الحركة بنفسك. فالطفل يتقمص عن طريق تفعيل هذه الخلايا ذات السلوك الذّي يراه حوله، و نظرًا لهالة التقديس التّي يحيطها فطريًا بوالديه سيميل لتقليدهما. وعندما يرى كتابًا أو جهازًا محمولًا بين يديّ أبويّه سيقلد ما يراه، ويكتسب جزيئة سلوكية جديدة إما ضارة أو نافعة.

القراءة للطفل تطلقُ العنان لخياله وتصور ما يتم قراءته له، وهذا سيفيد الطفل في استطلاع الكلمات وفهمها والتّركيز في المعنى بشكل جيد، ويصبح قادرًا على التعبير عما يجول في ذهنه باستخدام الكلمات الجديدة التّي تلقاها، إضافة لاكتساب مهارة التّفكير المنطقي وتفعيل سلسلة الأسباب والنتائج في عقله.

Avatar
نادية برادعي
صيدلانية وعاشقة للأدب والكتابة مؤمنة بقوة الكلمة لتغيير العالم وبقدرة على الخير على ترميم الندوب.

اترك تعليقا