رأي

بين 25 يناير و30 يونيو، هل انتهت القصة؟

     كلما مرت السنوات شعرنا نحن من تفتحت عقولنا مع ثورة 25 يناير؛ وبدأنا في استنشاق نسمات الحرية، أن العالم يضيق وأننا في فترة زمنية غير محددة المعالم أو أننا شاهدنا بل شاركنا أحيانا في الوصول إلى هذه الفترة المشوهة سواء بقصد أو بدون قصد.

نحن هنا نسرد معًا وقائع حدثت بالفعل، نحاول تحليلها سويًا ونرى ما الذي كنا من المفترض أن نفعله أو لا نفعله.

أين النخبة؟ أنا لا أراها..

بعد ثورة 25 يناير وفترة النقاء الثوري الجميل بدأنا في الدخول إلي المرحلة التي لم يضعها أحد في حسبانه ألا وهي الحفاظ على الثورة واستكمالها ببناء دولة حقيقية وليس بالدخول في متاهات فرعية لا يوجد استفادة منها سوى خسارة شرائح كثيرة من الشعب وتحويل طلبها لمزيد من الحريات والديموقراطية الى طلب للأمن والاستقرار، لم تكن مصر محظوظة بنخبتها في تلك الفترة الحرجة فمع الأسف لم يكن هناك نخبة يعوّل عليها في إحداث تغيير إلا قليلا.

ولكن من هم النخبة ؟

“مجموعة الأفراد المعروفين اجتماعيًا والذين يمارسون تأثيرًا كبيرًا في المجتمع، والحاصلين على أعلى المؤهلات العلمية في مجالاتهم المختلفة، ويحتلون مواقع قيادية ومكانات مرموقة تمكنهم من توجيه المجتمع، ومن رسم السياسات العامة للدولة وصنع القرار وتشكيل الرأي العام للجماهير نحو خدمة هذه السياسات والقرارات، وذلك بحكم قدرتهم العقلية والثقافية، وإمكاناتهم القيادية، وخبراتهم”


بعد يناير افتقدت النخبة للكثير من الأمور ولأن الحدث كان كبيرًا فالنخبة كانت لابد وأن تكون على قدره، ولكنها لم تستطيع اجتياز الاختبار وزادت من الانقسام وأخذ فلول نظام مبارك الزمام ببساطة بل وأحيانا باختيار الشعب!



“فعندما لا يثق الناس في النخب السياسية المنقسمة، والأحزاب والجماعات، التي يضع معظمها مصالحه فوق كل شيء، لابد أن يستيقظوا من حلمهم الديموقراطي.

وحين يزداد اقتناعها بأن هذه الجماعات والأحزاب غير مؤهلة لبناء نظام ديمقراطي فاعل قادر على معالجة الأزمات الكبرى من الأمن إلى الاقتصاد، مرورًا بمختلف مناحي الحياة، يصبح التطلع الى حاكم قوي يستطيع تحقيق ذلك هو الحل. وفي مثل هذه الحالات، تظهر فكرة المستبد العادل.

وبعد 30 يونيو زاد الأمر سوء، فالنخبة التي فشلت بعد ثورة يناير تلاشى أغلبها وظهرت نخبة جديدة تزيد الانقسام والاستقطاب!

ظهور البطل المخلّص

 في الفترات العصيبة من عمر المجتمعات وعند اختفاء الشخصيات المؤثرة وزعماء الفكر والاتجاهات الايدلوجية الملهمة، تظهر أحيانا الحاجة الى بطل، مخلّص، ويصبح في الخيال الجمعي لأفراد هذا المجتمع أن هذا المخلّص سينهي أي أزمة وبوجوده ستنجلي اي غمة، وأي محاولة للتفكير أو ابداء الرأي في هذا البطل تقابل بالتخوين وانعدام الوطنية وتدخل من حاول فعل ذلك في دوامة من الشكوك حول نواياه!

” إن خلاص أي مجتمع يظل مرهونا، بوعي أفراده وجماعاته بحركة التاريخ، وقدرتها على استيعاب الظرف السياسي والاجتماعي الذي يعيشونه، والمشاركة الايجابية في تغييره، مهما كانت الصعوبات والتضحيات، من أجل الانتصار لحقوق الإنسان وحرياته وقيمه، وليس تكريس كل هذه المنظومة لأجل شخص. أي شخص حتى لو كان يتمتع بمواهب استثنائية، فتوقيع الشعب له على بياض، أي شعب، يطلق يديه في السلطة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، حسب الكواكبي، وعادة تعيد المجتمع بأسره، أي مجتمع، إلى المربع الاول، بعد ان يكون تم ارهاقه الى حد انعدام عافيته بسبب ذلك الوهم الذي تراه الأكثرية مخلّصًا”

يوم تحول المجتمع ولم يعد كما كان أبدًا

   لنتفق معا بعد 30 يونيو لم يعد المجتمع مثلما كان، ذهب الإسلام السياسي بلا رجعة ولو لفترة طويلة وعادت أشياء كثيرة مثلما كانت قبل ثورة يناير، زاد الانقسام وحدث ما حذر منه أغلب العقلاء الاستقطاب، وعانينا منه لسنوات بل ولازلنا نعاني منه.


كنا في السابق نختلف ونذهب بالنقاشات إلى نقاط بعيدة ولكن في الاساس نعرف أن هناك نقاط مشتركة سنجمع عليها مرة آخرى، لكن الآن لم يعد هناك تواجد لهذه الأرضية المشتركة بل صارت هناك أطراف كارهة، مخوّنة، متوعدة، متمنية الهلاك للطرف الآخر وخرج الأمر من كونه خلاف سياسي بين أفراد مجتمع واحد إلى صراع بين الحق والباطل من وجهة نظر كل طرف!

علماء الاجتماع والانثروبولوجيا معهم مادة خصبة جدًا للدراسة والتحليل لما حدث في قيم وعادات وثوابت المجتمع خلال هذه الفترة.

الأمل موجود

نحن ممن حملوا أحلامهم وأطلقوا لأجنحتهم العنان، وآمنوا بثورة يناير وقدرتها على صناعة التغيير بوجودنا وفي حياتنا وأمام أعيننا، وليس بعد ذهابنا ومجيء أحفادنا، أصبحنا بعد 30 يونيو نحمل ذكريات عن الأمل وسقط منا كتالوج صناعة هذا الأمل
نحاول التعلم من الأخطاء لكي لا نكررها اذا سنحت لنا الفرصة مرة أخرى، وأهم خطأ يجب ألا نكرره هو عدم استكمال البناء، والنظر للأهداف البعيدة وإيجاد سبل الوصول اليها، وايضا محاسبة كل فاسد

“الثورات المصرية كانت في أغلب الأحوال تطعن من الخلف نتيجة للخيانة، أو عدم كفاءة القادة أو تسلل الانتهازيين وسيطرتهم عليها، وكانت في النهاية طبقات أو قوى تستفيد من مرحلة ما وصلت اليها الثورة ثم تعمل على تجميدها ومنعها من التقدم نحو تحقيق آمال الجماهير، وسرعان ما تبدأ قوى الثورة المضادة في العمل لتجهض الثورة قبل تحقيق أهدافها”

بعد تسع سنوات من ثورة 25 يناير وسبع سنوات على 30 يونيو نستطيع أن نقول بأريحية أننا واجهنا أصعب واحلى الاوقات، ومررنا باسوء وأفضل اللحظات معا، الأمل أن نصبح أفضل وأن نجد ضالتنا بين الدول التي خرجت بعد الثورات اقوى وافضل في كل النواحي الحريات والاقتصاد والأمن القومي والداخلي وغيرهم من النواحي، وأن يتحول المواطن من مواطن غير مشارك، متبلد، فاقد الارادة، لا ينفعل مع اى احداث بشكل حقيقي طالما لا تمس قوت يومه أو حتى تمسها من بعيد الى مواطن مشارك، صاحب ارادة حرة ويشارك ويتفاعل مع الاحداث بوعي ولا ينشغل فقط بتضخيم ثروته الشخصية!

اعتقد أننا لازلنا نؤمن بأن الأمل موجود،بدون طنطنة وشعارات فارغة
الأمل الحقيقي موجود.

مراجع

  • الشعب يريد إسقاط الديمقراطية، د.وحيد عبد المجيد، جريدة المصري اليوم 24 يونيو 2011
  • كتاب قاطرة التغيير والتنمية، علي عبد المطلب/ مؤمن راشد/ فريد مناع.
  • المخلّص في الوجدان الشعبي!! أسامة الرحيمي، مجلة الثقافة الجديدة، فبراير 2019  العدد 341.
  • كتاب أول ثورة على الإقطاع، محمد العزب موسى
  • المواطن والسياسة في العالم الثالث، جميل مطر، مجلة العربي، فبراير 1983   العدد 291
طارق عبداللطيف
طارق عبداللطيف
مدوّن ومحرر صحفي ومهتم بالتاريخ

اترك تعليقا