رأي

أن تكون صديقًا مكتئبًا

“تاما … تاما صديقي، والصديق الحق عون وسلامة؛ تاما دومًا إذا رأى صديقًا يبدأ بالسلامة بحب وابتسامة”. لا شك أن تاما لم يكن مكتئبًا، ليس لأنه قط بالطبع؛ فأنا أؤمن بحق الاكتئاب لجميع الكائنات، وإنما لأن هذا ليس تصرفًا يعتاده المكتئبون.

حتى لا أحكم على الجميع بدون علم حقيقي؛ سأقتبس من تجربتي الشخصية. أنا، على عكس تاما، حين هاجمني الاكتئاب بشراسة ذات مرة، مشيت في الطريق أحتفظ بدموعي متجمدة داخل عيني وملامحي شديدة التجهم إذ لمحت من بعيد صديقة لي مرت سنة على الأقل مذ رأيتها آخر مرة، هي لطيفة جدا وأكثر الناس طيبة وما كانت لتثقلني بأي تعليق مزعج، اكتشفت لحظتها أنها قد أوحشتني جدًا ورغبت باحتضانها، لكني استثقلت فكرة نطق الكلام والتخلي عن عقد ذراعيّ فوق صدري بشدة كأنهما يمنعان قلبي من الوقوع فتدهسه الأقدام. لم يستغرق التفكير في كل هذا وحسم قراري سوى ثانيةوربما أقل، فأشحت بوجهي بعيدًا وأسرعت الخطو أكثر متخذة اتجاهًا يبعدني عنها قدر الإمكان فلا تراني.

شعرت بوخز في قلبي ساعتها ولا زلت كلما تذكرت هذا الموقف شعرت بالخجل من نفسي ومن صديقتي بالرغم من أنها لم تعرف أبدًا ما حدث.

وهكذا أكون خالفت الشطر الثاني من صفات تاما الصديق الحق، أما عن الأول فحدث ولا حرج، الصديق المكتئب هو بالكاد عون لنفسه فكيف يكون لأصدقائه؟! نتحدث كثيرًا عن الاعتناء بصديقنا المكتئب وينسى الجميع صديقه “العادي”!

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب ليس شيئًا سهلاً بل هو عادة أمر مرهق، يسبب الإحباط، ويدعو في ذاته للاكتئاب.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني التعايش مع تجاهله لك معظم الوقت، إلغاء الخطط في اللحظة الأخيرة لأنه “لا يرغب بفعل شيء”، اعتذاره عن لقائكما (المرتب له منذ أسبوعين) لأنه “يريد فعلا فعلا رؤيتك لكنه يكره الخروج والاضطرار لمقابلة الأغراب في طريقه إليك”.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني تقبلك أن رسائلك لن تجد ردًا، دقات هاتفك سيقابلها الصمت على الجهة الأخرى، وأنه إذا مر الوقت وانحسرت موجة العزلة فلن يعيد الاتصال بك أو يسألك “كيف الحال؟”.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني تعاملك مع طفل أناني معظم الوقت، متمركز حول ألمه، يحتقرك لأنك لم تصاب بمصابه، يتعالى فوق حياتك الخالية من نوبات الغضب ونزوات الانطواء، لا يرى مشكلاتك جديرة بالاهتمام لأنك لست من المكتئبين “الأطهار” فما الذي قد يعانيه “عادي” مثلك يستحق الاهتمام؟! “انت من الأحرار يا علي” من الأحرار من الاكتئاب وهذا يعني ألا قيمة لك!

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني التأرجح بين التعاطف معه والرغبة في مد يد العون والشعور بالعجز لأنه يدفع هذه اليد، بين الإشفاق عليه والغضب منه لحد أنك تريد تكسير دماغه.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني أن تتعلم تسول الاهتمام، ستخبره مرارًا بنفس القصة، مرة ثانية حتى ينتبه، ثالثة حتى يفهم المغزى الذي ترمي إليه، ورابعة وخامسة و … و…. وحتى يعطيك الرد الذي تبحث عنه.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني التعامل مع غضبك منه برغم حبك له، أو ربما بسبب حبك له؛ فأحيانًا ستراه ضعيفًا يستسلم لأنه اعتمد على الأدوية ثم لأنه توقف عن تناولها.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني السخط على نفسك لأن حبك، بعد كل شيء، لم يكن كافيًا لإنقاذه.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني أن تجرب الخذلان كثيرًا وتألفه، ولا تبادله سوى بالتزام أكثر وحب مبلل بالدموع.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني أن تعيش أنت ومشاكلك في الظلام؛ لأن لا أحد يرى أحزانك أو يأبه لها بجوار “نضاله”، ولأن المشاكل “العادية” لا تثير اهتمام أحد، فللجميع نصيبه الوافر منها.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني أن تكون بلا صديق؛ لأن الاكتئاب لا يقبل بشريك، وما يصاحبه من كسل ولا مبالاة ينافي الطينة التي منها يُخلق الأصدقاء.

لكن، دعني لا أتركك وقد صورت الحياة قاتمة لهذه الدرجة، فالصديق المكتئب وإن اكتسب كل الصفات التي تجعله “لا صديق” فهو ما زال يملك الصفة الأهم وهي الصدق.

لا يعني هذا أن صديقك المكتئب لن يكذب عليك أبدًا، فهو بالطبع سيفعل؛ سيكذب عندما يقول أنه بخير وهو مصاب بانهيار عصبي أو أفاق لتوه من نوبة قلق. سيكذب ويقول أنه يأكل جيدًا ويتناول الدواء كل يوم. سيكذب عندما يقول أنه توقف عن النظر للوراء وتفقد صفحات من كسروه يومًا. وسيكذب عندما يقول أنه لم يفكر في قطع أوردته هذا الصباح، ولكن هل تعتبر كذبة حقًا إذا كان فكر بالانتحار فعلاً ولكن بطريقة خالية من الدماء؟!

لكنه لن يكذب حين يسأل عن حالك أو يشاركك شيئًا ما، فلا وقت لديه أو طاقة ليضيعها في المجاملات والاهتمام الزائف. سيكون صادقًا إذا قال أنه يحبك ويهتم لك وإن قالت أفعاله كلها عكس ذلك؛ فهو غالبًا لا يملك من أمر نفسه سوى الكلمات.

سيكون صادقًا ويخبرك أنه لا يفهم ما تمر به تمامًا لأن ألمه يشوش عليه استقبال أي ترددات حزن أخرى، وأنه يقدر محاولاتك لمساعدته ولكن فقط ألمه الآن أكبر من حياتك.

سيكون صادقًا عندما يقول ” أرغب بالحديث معك الآن”، “أنا جاهز لنتحدث طول الليل”، أو “لا أريد قراءة حرف واحد مما ستطبعه”.

سيكون صادقًا عندما يصبح نباتيًا فجأة لأن حساسيته التي صقلها الاكتئاب جعلته يشعر بتعاطف تجاه جميع الكائنات، وسيكون صادقًا عندما يعود لتناول اللحوم لأن حدته التى أثقلها الاكتئاب تجعله يفهم الآن أن النباتيين حمقى لا يدرون ماذا يفوتهم.

أن تكون صديقًا لشخص مكتئب يعني أن تكون صديقًا لنصف صديق أو أقل، لكن أيًا كانت النسبة التي ستحصل عليها من صداقته فأنا أعدك أنها ستكون “حقيقية”.

قد تتساءل كيف يكون العنوان ” أن تكون صديقًا مكتئبًا” ويكون المتن كله عن ” أن تكون صديقًا لشخص مكتئب” فأجيبك: لأن النص ملك المؤلف وهو “حر يا سيدي” ثم أضيف “وربما، فقط ربما، لأنني هذا الصديق المكتئب الذي أراد أن يكتب بدل أصدقاءه و “بالمرة” يرمي بالكلام على أصدقاء آخرين هو بالنسبة لهم ” أن يكون صديقًا لشخص مكتئب”.

“تزيدنا الصداقة مرحًا وانطلاقًا، وتصبح الأماني أفعالا لا كلامًا”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضورة عن رأي المنصة

مريم السنيطي
مريم السنيطي
طالبة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، كاتبة ومدونة مهتمة بالفلسفة والأدب.

اترك تعليقا