باولو روسي
رياضة

باولو روسي .. من السجن إلى الذهب

“نعم … روسي معنا سيغير إيطاليا”

هذه كانت كلمات إينزو بيرزوت مدرب المنتخب الإيطالي قبل أربعة أشهر من إنطلاق مونديال إسبانيا عام 1982. هكذا رد بيرزوت على هجوم الصحفيين والجماهير الذين نعتوه بـ”الغبي”. ولكن ما القصة وراء هذا الهجوم؟ ومن هو باولو روسي؟

يُعتبر باولو روسي أو (بابليتو) -كما يُلقب في إيطاليا- أحد أبرز المهاجمين في تاريخ اللعبة، حيث استطاع هذا الشاب القادم من توسكانا أن يحفر اسمه في قلوب الإيطاليين بأحرف من ذهب. ولعل قصته قد تبدو للوهلة الأولى درب من الخيال إلا إنها ستظل من أروع القصص التي تحكى في التاريخ.

باولو روسي

نشأة أسطورة

ولد روسي في ليلة الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1956، في مدينة براتو شمال إيطاليا. وبدأ مسيرته الكروية في أحد أندية لومبارديا الذي يدعى “كومو”. عام واحد قضاه في كومو لم يظهر فيه كثيراً حتى تم بيعه لنادي فيتشينزا، وهناك سطع نجم فتى براتو الذهبي؛ في موسمه الأول كان قد سجل 21 هدفاً ليفوز بالحذاء الذهبي كأفضل هداف لدوري الدرجة الثانية، ويصعد بفيتشينزا لدوري الدرجة الأولى Seria A.

وفي الموسم الثاني استمر إبداع روسي لينهي فريق فيتشينزا موسمه في المركز الثاني خلف يوفنتوس، ويفوز روسي بلقب أفضل هداف للمرة الثانية على التوالي بعدما ساهم بإحراز 24 هدفا، وإجمالي 60 هدف في 94 مباراة، ليصبح أول لاعب في تاريخ إيطاليا يصل لهذا الإنجاز. وهكذا سمعت إيطاليا عن باولو روسي.

باولو روسي

تـوتـونـيـرو

كان موسم روسي الثالث عندما سقط نادي فيتشينزا في أزمة مالية وقررت إدارة النادي إعارة اللاعب لبيروجيا من أجل المال. وكان قد شارك مع بيروجيا في 28 مباراة مسجلاً خلالها 13 هدفا قبل أن تحدث الفضيحة.

عام 1980 اكتشفت فضيحة التلاعب بنتائج المباريات في الدوري الإيطالي والتي عرفت باسم “توتونيرو“، ونتيجةً لها هبط فريقا ميلان ولاتسيو للدرجة الثانية وتم إيقاف عدد من اللاعبين أبرزهم باولو روسي. حُكم علي روسي بالسجن لثلاث سنوات وتم منعه من ممارسة كرة القدم، ثم خفضت العقوبة بعد ذلك لتصبح سنتين فقط.

“كان لابد أن يدفع شخص آخر الثمن، وعرفت سريعاً أنني الضحية”

هكذا رد روسي على العقوبة التي كادت تنهي مسيرته الكروية التي بدأت للتو، ولكنه في النهاية آثر الصمت حتى لا تتفاقم المشكلة، فالمتورطون كانوا مسئولين كبار في الحكومة.

نسيت إيطاليا روسي، وعاد للقاع من حيث بدأ..

في صيف عام 1981 وقبل بداية الموسم الكروي، أعلن نادي يوفنتوس تعاقده مع السجين باولو روسي لمدة خمس سنوات بعقد خيالي كأغلى لاعب في تاريخ إيطاليا آنذاك، في صفقةٍ أدهشت إيطاليا كلها ولاعبي يوفنتوس بشكل خاص. وقتها هاجم أحد اللاعبين الإدارة وقال “لماذا روسي؟! الفريق مليء بالنجوم ولا نحتاج مساجين”. وهكذا حصل روسي على أجر عام كامل بدون أن يلعب مباراة واحدة.

انقضت العقوبة، وكانت المفاجأة الأكبر عندما استدعاه بيرزوت لقائمة المنتخب المشاركة في كأس العالم. لم يكن روسي مستعداً لذلك تماماً حيث ازداد وزنه بشكل ملحوظ وافتقر إلى اللياقة البدنية، ولكن برر ذلك بيرزوت وقال “روسي يمتلك قدماً ساحرة بإمكانها أن تسجل وهي لا تستطيع الركض”. وكان هذا سبب هجوم الصحافة على بيرزوت وتم نعته بالغبي، ولكنه الوحيد في إيطاليا الذي راهن على باولو روسي.

شبح بلا هدف يتجول في الملعب

بدأ المونديال، وبدت إيطاليا جريحة. قدم المنتخب الإيطالي أداءً سيئاً للغاية في دور المجموعات وعجز روسي عن التسجيل في أيةِ مباراة وكتبت عنه الصحافة “شبح بلا هدف يتجول في الملعب”. بثلاث تعادلات وهدف وحيد تأهل الآدزوري لدور الثمانية، ليقع في مجموعة الموت رفقة البرازيل والأرجنتين بكامل نجومهم، وفقدت الجماهير الإيطالية أي أمل في الفوز بهذه البطولة.

علي الورق كان منتخب إيطاليا الحلقة الأضعف في المجموعة، ولكن منتخب المفاجئات تفوق على أرجنتين مارادونا 2-1 في المباراة الأولى، ولم يسجل روسي أيضاً ليستمر غضب الجماهير عليه وعلى بيرزوت. بفوز البرازيل على الأرجنتين أصبح التأهل مرهوناً في تسعين دقيقة بين إيطاليا والبرازيل. هي التسعون دقيقة الأجمل في المونديال كله.

انفجار روسي

برغم أن منتخب إيطاليا ضم كونتي وتارديلي وروسي إلا أن منتخب البرازيل كان أكثر تكاملاً بسقراط وزيكو  وفالكاو. وجميع المؤشرات رجحت كفة البرازيل، ليس فقط لهزيمة إيطاليا بل أيضاً للفوز بالبطولة. وها هنا -أخيراً- ينفجر نجم باولو روسي ويكشف عن نفسه ويسجل هاتريك في شباك البرازيل ليحمل منتخب إيطاليا ويصعد به لمباراة نصف النهائي. بذلك استعاد روسي حاسته التهديفية الغائبة منذ عام 1980 ، وأمام بولندا سجل هدفي المباراة وأصبح لا شيء يفصل بينه وبين المجد سوى ألمانيا الغربية.

وفي ليلة الحادي عشر من يوليو من العام 1982، انفجر ملعب سانتياجو بيرنابيو بصراخ أكثر من أربعين ألف إيطالي بعدما سجل باولو روسي الهدف الأول برأسية في مرمى شوماخر، ليشعل حماس زملائه وتهاجم إيطاليا بكل ما أوتيت من قوة، وفي عشرين دقيقة فقط تقضي على أحلام الألمان بثلاثية، وتتوج باللقب العالمي الثالث في تاريخها.

باولو روسي … من السجن إلى الذهب

أصبح روسي معشوق إيطاليا الأول، وتغنت باسمه الشوارع وكتبت عنه الصحف “بطل من ذهب”. استطاع السجين أن يفوز بالحذاء الذهبي كأفضل هداف، وكذلك الكرة الذهبية كأفضل لاعب في المونديال، وأيضاً أفضل لاعب في أوروبا والعالم عام 82. ستة أهداف في ثلاث مباريات خلدت اسمه في أذهان عشاق كرة القدم بأحرف من ذهب، ولا يزال باولو روسي واحد من أساطير كرة القدم الإيطالية.

اترك تعليقا