مناعة القطيع في السويد
اجتماع

عندما تُقدم (التضحية بأرواح الملايين) تحت مسمي مناعة القطيع!

في الوقت الذي تسارع فيه مختلف البلدان الوقت بإعلان حالة الطوارئ وتنفيذ قرارات صارمة لحماية مواطنيها بكل الطرق الممكنة من فيروس كورونا المستجد، ومنع أية تحركات لوقف انتشار الفيروس للحد الذي لا يمكن السيطرة عليه ، لا تزال السويد تُمارس فيها الحياة بشكلها الطبيعي دون فرض قيود علي الحركة او التجمعات ،فقد قررت الحكومة السويدية عدم اتباع خطى الاتحاد الأوروبي هذه المرة وتطبيق استراتيجية « مناعة القطيع » ،حيث تري أن ذلك هو الحل الأمثل لها للتصدي للفيروس.

السويد ليست الأولي في تطبيق تلك الفلسفة العلاجية ،فقد سبقتها بريطانيا ،و قد كان «بوريس جونسون» رئيس الوزراء البريطاني أول المتحمسين لها قبل تخليه عنها تماما والبدء في تشديد إجراءات الحجر الصحي في بلاده.وهنا يطرح السؤال نفسه : ما المقصود بمناعة القطيع؟ وهل تنجح في السويد بعد فشلها في بريطانيا؟  ولما يصنفها البعض باعتبارها مثالا حيا الداروينية الاجتماعية ؟وهل حقا يمكن اعتبارها عملا  غير اخلاقيا ؟

مناعة القطيع

ماذا نقصد بـ مناعة القطيع؟

هناك مفهوم شائع يتم تداوله عبر مختلف المنصات الاعلامية حول مصطلح مناعة القطيع،لكنه غير كافي لإيصال صورة واضحة عن استراتيجية «مناعة القطيع» لذلك سنتناول المصطلح هنا بشكل أكثر  بساطة قبل أن نتناول المفهوم السائد.

في عام 1923 ،كانت البداية مع ظهور مصطلح جديد يعرف بمناعة القطيع او مايسمى بال«Herd Immunity» وقد تم تطبيق هذه الفلسفة العلاجية لوقاية المجتمع من أمراض مثل الحصبة ،شلل الاطفال بالاضافة الى الجدري المائي.

يرى أغلب الباحثين أن تلك الطريقة نجحت على المدى الطويل من حمايتنا من تلك الأمراض ،والتي تضاءلت نسب انتشارها على مدار السنوات الماضية، ولكن كيف تم تطبيق مناعة القطيع؟

مناعة القطيع تعتمد في الأساس على  إحدى الطريقتين ،المناعة الذاتية او الصناعية، فيما يتعلق بالمناعة الصناعية فقد تم تنفيذها على الأمراض التي سبق أن ذكرناها، ويقدم لنا موقع« الباحثون المصريين» مثالا واضحا على تطبيقه للحماية من مرض الحصبة كالتالي، إذا كان هناك ثلاثة أشخاص ،وأصيب «أ»بالمرض فإنه سينقله إلى «ب»ومن ثم إلى «ج»،ولنفترض أن الشخص«ب» كان مطعما ضد الحصبة ماذا سيحدث؟

1. سيحمي نفسه أولا من المرض
2. يمنع انتقاله إلى «ج»
3. سيكسر سلسلة انتشار المرض ويبطئ من سرعة انتقاله.
4.  يتم حماية الفئات الثلاث الأقل في الاستجابة المناعية كالاطفال حديثي الولادة الذين لم ينضج جهازهم المناعي بعد، كبار السن الذين قد يؤدي بهم المرض إلى الوفاة، وكذلك المصابين بأمراض أخرى كالسكري والقلب.

تلك هي فكرة مناعة القطيع المرتكزة على المناعة الصناعية من خلال تطعيم غالبية أفراد المجتمع باللقاح، ولكن ماذا في حالة فيروس كورونا؟ كيف يتم تطبيق مناعة القطيع بدون لقاح ؟

المؤيدون للفكرة من الاطباء والباحثين ،يقولون أنهم سيعتمدون على المناعة الذاتية لاكتساب مناعة القطيع ضد فيروس كورونا، فمنهم من يستند إلى نجاح تجربة مناعة القطيع وإن تمت بصورة غير مقصودة مع فيروس «زيكا» والذي ظهر في عام 2015 وأصاب ما يقارب الـ 800 ألف في منطقة غرب أفريقيا والأمريكتين ،كما تسبب في حدوث تشوهات خطيرة لدى الاجنة، في تلك الفترة كانت هناك محاولات عديدة من قبل شركات الادوية للتوصل إلى لقاح للقضاء على هذا الفيروس باقصى سرعة ،الا انه تباطأت معدلات انتشاره بمعدل سريع إلى أن اختفي في 2016. وهنا استنتج العلماء سبب انحساره إلى مناعة القطيع التي اكتسبها السكان في تلك المناطق .

خطة السويد القائمة على نظرية داروين.

محاولة تطبيق مناعة القطيع اعتمادا على المناعة الذاتية للشعوب في حالة فيروس كورونا تعني اختصارا، أن يتم السماح للفيروس بالانتشار بصورة طبيعية بين السكان ،ولكن بشكل متباطئ كي يتمكن القطاع الطبي من استيعاب نسب الاصابة وتقديم الرعاية الصحية المطلوبة.

تلك هي النظرية التي عملت بريطانيا على تطبيقها في البداية ، ولكي يتم ذلك كان لابد لفيروس كورونا وفقا للعلماء أن يصيب أغلب السكان، ليكتسبوا مناعة القطيع دون لقاح، وقد أشارت أبحاث أن النسبة المطلوبة لتطبيق تلك الفكرة، أن يصيب الفيروس مانسبته 70℅ من السكان البريطانيين ، وبالتالي قد تصل الوفيات إلى مليون نسمة من السكان وهو ما يعني التضحية بكبار السن والمصابين بأمراض أخرى ،لكي يتم إيقاف انتشار الفيروس.

مناعة القطيع

وتعد فكرة مناعة القطيع دون لقاح ،أبرز مثال تطبيقي على الجزء المقتبس من نظرية تشارلز داروين المنادي بمبدأ «البقاء للأصلح» ،فقد كان  بوريس جونسون قبل إصابته بالفيروس مؤيدا للفكرة رغم كثرة الانتقادات التي تعرض لها ،و قد كان أكثر صراحة عندما أطلع  شعبه على مايمكن أن تصل إليه نتائج هذه الطريقة قائلا: «الكثير جدا من العائلات سيفقد أحبائه مبكرا»

الآن تسير السويد علي الخطي السابقة لبريطانيا ،دون الالتفات إلى أسباب قد تعيق نجاحها أو الي اي اعتبارات اخلاقية ، فالحياة تسير كالمعتاد دون إيقاف حركة التنقل او تعليق الدراسة ، وتثق حكومة السويد في قدرة شعبها وقوة استجابته المناعية علي تخطي الأزمة واكتساب مناعة القطيع كما هو مخطط لها .


وتستمر الحكومة السويدية في توجيه النداءات للمواطنين للحد من التجمعات والبقاء بالمنزل إن أمكن ذلك ، وتأتي تلك المطالبات دون اجراءات الزامية ، وهو ما أكد عليه ملك السويد «كارل السادس» في خطاب سابق ،كما ناشد المواطنين علي  عدم تنظيم لقاءات عائلية خلال أية مناسبات مقبلة ،حتى لا تصل الإصابات إلى معدل لا يمكن السيطرة عليه وهو ما يعني انهيار القطاع الصحي وفشل تطبيق سياسة مناعة القطيع.

هل  تطبيق مناعة القطيع يمنع عودة الفيروس مرة أخرى؟

يرى المؤيدين لفكرة مناعة القطيع أن أبرز المبررات التي تدفع بهذا الاتجاه ،أن إجراءات الحجر الصحي والعزل والتي تفرضها الحكومات لإيقاف انتشار فيروس كورونا قد تنجح كالصين ،ولكنهم لا يثقون في كونها استراتيجية كافية لمنع عودة الفيروس مرة آخري .وهنا يتبادر السؤال الاكثر الحاحا: ماذا لو نجحنا في إيقاف الفيروس ثم عاد مرة أخرى بعد إلغاء قيود الحركة والعودة للحياة الطبيعية؟

هنا يجيب مؤيدي استراتيجية مناعة القطيع ،بأنه لاخوف من عودته مرة آخري حال اكتسبت الجموع مناعة القطيع ، لأنه وفي تلك الحالة إذا أصيب شخص ما مرة آخري فإن جهاز المناعة سيتمكن من القضاء عليه ومنع انتشاره لآخر ،وهو ما يطلق عليه الذاكرة الجينية ،فعند اقتحام فيروس ما للمرة الأولي والتعافي منه،يقوم الجهاز المناعي بالتعرف على خصائص هذا الفيروس ومن ثم تكوين أجسام مضادة للقضاء عليه تماما حال الإصابة به ثانيةً.

دون لقاح أو اللجوء لمناعة القطيع..هكذا نجحت الدول الاسيوية في إبطاء انتشار كورونا

ليست الصين وحدها في هذا المضمار، فقد نجحت كوريا الجنوبية في احتواء فيروس كورونا والحد من انتشاره، وهو النجاح الذي أشاد به مدير منظمة الصحة العالمية في إحدي تصريحاته، اليابان أيضا رغم المخاوف بشأن تطور الاوضاع خلال الايام المقبلة ،الا أنها لم تصل إلى سيناريو إيطاليا الكارثي  رغم توفر بعض العوامل التي بإمكانها دفعها في هذا الاتجاه، فاليابان حتى لحظة تدوين المقال لم تتخطي معدلات الاصابة بها ال600 حالة ،وهي معدلات منخفضة في بلد يتجاوز تعداده الى 120 مليونا ،وصاحبة المعدلات الأعلى في العالم في نسب المتقدمين بالسن، وتصل نسبتهم إلى 33℅ من المجتمع الياباني .

ويُرجِع المراقبين أسباب نجاح اليابان في إبطاء انتشار الفيروس إلى حد كبير ،الي تقبل اليابانيين أنفسهم لاجراءات العزل وتطبيقها في الحال مع أولي مناشدات الحكومة ، ويعود ذلك إلى الثقافة الصحية التي اكتسبتها اليابان في التعامل مع ظروف مشابهة كفيروس السارس في 2003 ،و كارثة فوكوشيما النووية في 2011.

تجربة البلدان الآسيوية لا يحسب لها النجاح فقط في مواجهة الفيروس ،بل منح بارقة أمل للبلدان الأخرى في إمكانية انحسار الفيروس واستعادة الحياة الطبيعية مرة أخرى خلال مدة قصيرة إذا ما أحسن صناع القرار التعامل مع الأزمة والاقتداء بالبلدان الآسيوية والتي نجحت إدارتها للأزمة دون لقاح أو تنفيذ لطريقة لم تثبت فعاليتها مع فيروس كورونا كمناعة القطيع.

لماذا تعد مناعة القطيع دون لقاح الأكثر خطرا من كورونا بين الأوساط الطبية والدينية؟

لاقت  مناعة القطيع العديد من الانتقادات لأسباب صحية وهو ما دفع مدير منظمة الصحة العالمية «تيدروس أدهانوم»إلي وصفها بالسياسة الخاطئة والخطيرة جدا، فتطبيقها يعني إمكانية حدوث انهيار للقطاع الصحي بصورة مفاجأة، وهذا لايعني وفاة نسبة كبيرة من شريحة  كبار السن فحسب كما هو متوقع ،بل خسارة المزيد من الارواح خاصة أولئك الذين يعانون من امراض بسيطة يمكن علاجها في الظروف العادية،ولكن مع حدوث تكدس بالمستشفيات فإن هؤلاء لن يمكنهم الحصول علي الرعاية الصحية لإنقاذ حياتهم .

لن ينحسر الانهيار في القطاع الصحي عند هذا الحد، بل يمكن أن يؤدي إلى التضحية بنسبة ليست بالقليلة من العاملين بالقطاع الطبي حال عدم توفر أدوات الوقاية المطلوبة ،وهو ما يعني استحالة نجاح تطبيق مناعة القطيع في بلدان نامية لا تتوفر بها أساسيات الوقاية الصحية سواء للمواطن أو الطبيب، وهو مايدفع باتجاه السيناريو الذي تفترض منظمة الصحة العالمية وقوعه في إفريقيا حال عدم اتخاذ إجراءات كافية للوقاية من الوباء وهو ما قد يؤدي إلي إصابة 44 مليونا .

في رواي طبية أخرى، لا تزال احتمالية أن يصبح الفيروس  داءا موسميا يتجدد كل شتاء قائمة حتى مع تطبيق مناعة القطيع ، فماذا لو اكتسب المجتمع مناعة جماعية وحصلت طفرة للفيروس؟ إن ذلك سيؤدي حتما إلى فشل تلك الفلسفة العلاجية في التخلص من الفيروس  بعد كل تلك الخسائر في الأرواح و الاقتصاد.

أيا كانت المبررات التي يستند إليها البعض للاتجاه نحو تطبيق سياسة مناعة القطيع ،فإن ذلك لا يعني منحها الشرعية مطلقا وإن كانت الحجة هي الحفاظ على الأرواح، فالمحافظة على أرواح الشباب وصغار السن لا تعني ابدا أن يتم التضحية بأرواح الملايين من كبار السن وذوي المناعة الضعيفة ،فرغم تعارض تلك الفلسفة العلاجية مع الاديان الا اننا نجد لها تلك الأيام أذانا صاغية في بلداننا العربية ، فإلي أي شرع يستند هؤلاء المؤيدين إذا كانت جميع أدياننا تنهى عن التفريط في الأرواح.

فالإسلام نهى عن إزهاق النفس الواحدة بل وجعل ذلك الفعل من الكبائر وهو ما عبر عنه المولى عز وجل بكل وضوح في آياته المحكمات في سورة المائدة بقوله : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) }. بينما نجد في تعاليم الإنجيل وصايا  عيسى عليه السلام والذي أتى بشريعة المحبة والسلام موصيا أتباعه من بعده قائلا في إنجيل لوقا (٢٠:١٨) :« أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ».

ختاما،  إن تطبيق مناعة القطيع دون لقاح ماهو الا مثالا للضرب بالأخلاق عرض الحائط وبداية سقوط هيبة الأديان ،وهو ما يعني أننا جميعا  ننحدر شيئا فشيئا إلى القاع ، كيف سيبدو العالم بعد عام من الآن؟ وكيف سيكون المشهد في الشرق الاوسط المنهك بنزاعات وأزمات متواصلة في انظمته الصحية والاقتصادية؟

إقرأ أيضًا: تأملات فنية في زمن الكورونا

المراجع :

ندا شوقي
ندا شوقي
معلمة لغة إنجليزية ، كاتبة ومدونة مهتمة بنشر ثقافة التعلم الذاتي والتطوع ، أؤمن بأن المرء يستشعر قيمته في حالتين إما أن يكتب شيئا يستحق القراءة أو أن يفعل شيئا يستحق الكتابة .

اترك تعليقا