صوت

مارس اللعين

“عام من الأسى والحزن، عام من فراق المجهول ومن ذبول أوراق الشجروهطول الثلوج في الشتاء وذبول الأوراق في الخريف،عام من خيبة الأمل، إنه مارس.

في مدينة صغيرة مثل باقي المدن، كثيرة الشوارع تعيش فتاة في العشرين من عمرها، كانت تلك الفتاة تعاني من خيبات الأمل الكثيرة في حياتها، من فقدان الثقة في أحدهم لصراخ أحد الأساتذة في وجهها بدلًا من أن يكونوا قدوة لها، تعاني الكثير من خداع أحد أصدقائها.

واجهت تلك الصغيرة أحد أكبر صدام لها بعد أن حازت على علامات ضئيلة في ثانويتها ودخلت الجامعه التي لا تريدها ولكن وقتها تحملت أن تكون في ذلك المكان ذي الأعمدة الكثيرة والمليء بالغرف، هناك أساتذه شوامخ لا ينظرون بجانبهم، فقد خاضت تلك التجربة وحدها، لم يقف بجانبها أي أحد. فإن الفتيات اللواتي يتحملن جميع المصاعب يمتازون بالقوة. 

مرعامٌ وراء عامٍ وشهر وراء شهر، لماذا أقول عنه مارس اللعين؟!

عاشت تلك الصغيرة أشياءً لم يعشها أحدٌ من قبل عاشت شيئًا أكبرمن الحب، حب شخص مجهول كأنني شبهته بحب كافكا لميلنا، فإنه كان يبعث لها الرسائل دائمًا، كان يجسد عشقه على أوراق الرسائل كان يشرح فيها عن خيبات أمله عن حبه الكبير لها، كان يقول لها إنني جثة يا ميلينا لا أستطيع الحب إنني آخذ كل من أحب معي إلى القاع.

هكذا كان هذا المجهول يبعث الرسائل الإكترونية “عزيزتي أنا معك لم أعرف كيف ومتى أحببتك ولكنني أول مرة أشعر بذلك الشعور شعور الحنين والوجدان لشخص لم أعرفه فقط ولم أتعرف عليه يومًا، بدأت أراكي في أحلامي أرجوكي لا تذهبي أعطيني اطمئنان لكي أبوح لكي كل مابداخلي أنا هنا أعيش في زنزانتي الخاصة أنا محطم ومهمش أنا الذي لا حيلة له.

لم تكن تهتم تلك الصغيرة به يومًا، فإنها عنيدة قاسية لقد حطمتها الأيام صنعت منها مجسمًا حديديًا لا ينثني مع الأيام، فإنها لا تأبه الموت حتى ولكنه أصرعلى محادثتها، أحست بشيء أن هناك سجين يريد مساعدتها ولكنه كان يريد كل هذا في الخفاء كان يريد أن يكون مجهولها فقط.

يومًا بعد يوم كان يراها أمامه كانت قريبة منه ولكنها لم تره يومًا ولكنه كان يراها يشعر بالدفئ بوجودها يكتب لها عزيزتي لقد رأيتك اليوم شعرت بدفء أمي وحنين جدتي، بوجودك تصبح النار رمادًا ويصبح الجو الحارربيعًا، كان يراقب دائمًا مقالاتها كان يتمعن في كتاباتها، يقول لها اكتبي كثيرًا فأنا لا أمِل من كتاباتك، أشعر بوجودك و أطمئن عليكي منهم، استمري صغيرتي.

لم تعرف يومًا أن وحدتها قد تأنس بذلك المجهول كانت تتوالى الرسائل يومًا بعد يوم، كان رفيق وحدتها كان حظها لم تعرف هل كان جيدًا أم سيئًا؟

دعيني أقول لكي ياليت تمرهذه الأيام لكي أريكي أنها أيام مملة بغيضة علي، أريدها أن تمر لكي أراكي يا قرة عيني، يا حظي الجيد من الحياة، كأنها ملكت تلك الدنيا بكلماتها الرقيقة، صارت تمضي نحو الحياة، كانت تخشى كل الأشياء، أصبحت لا تأبه أي أحد، صارت قوية تمضي في حياة وكأنها ملك أغلى كنوزها، صارت تلك الضعيفة شخصًا لا يوقفه أي عدو جاهش على أرض غيره.

شهورًا من الغزل شهورًا من الشتاء والأمطار القاسية والهواء البارد تحمل بين طياتها حبًا ودفئًا ساعات وليالي ورسائل تبعث كل يوم، ليلًا ونهارًا، انفصالًا وعودة كأنها لايتحملان البعد عن بعضها مع أن رابط حبهما رسائل، بضع رسائل بقلم حبري فاقع الزراق وقلم أسود شديد السواد، بضع رسائل من شخص مجهول، أحبَّها في الخفاء.

فعلت المستحيل تلك الصغيرة لتعرف من هو،

أريد أن أراك، أعطيك كامل حريتك وأعطيك كامل الثقة، أريد أن أعرف من أنت، اظهر لي لا تخف مني أنا التي أعطيتك قلبي من دون أن أعرفك، أنا التي قد وثقت بك، من أنت؟ إذا كنت سجينًا من السجون أو فقيرًا أو حتى مريضًا أو شريدًا في البلاد دون مأوى، أنا أحبك لا أريد أن تفلت يدك يدي، رغم تلك الظروف العصيبة أين أنت ومن أنت؟

مازال يبعث الرسائل مازال حبه خفيًا، مازال يحكي ويسرد تفاصيلي رغم أني لم أره يومًا، لا أعرف تفاصيل وجهه لم أرى بنيته يومًا، لم أعرف اسمه أيضًا.

تلك الليلة مارس أذكر وقتها ويومها وسعتها، عزيزتي الصغيرة أكتب لكي بدموع سنوات حياتي البائسة والفاشلة أوالتي كانت بائسة وفاشلة قبل معرفتي بك لا أريدك أن تتحملي معي مرارت أيامي، لا أريدك أن تأخذي أثقل مسؤلياتي على محمل كتفك، إنني أغادر قلعتك أغادر حياتك الثمينة والجميلة، أنا صوفي سوف أحمل حبك معي لحين موتي، أطلب منك أن تعتني بقلبك جيدًا فإن قلبي ينبض لأجلك أطلب منك أن تعيشي أيامك وحياتك وأن تنعمي برغد هني استمري في حياتك واظهري على ساحاتك فأنتي بطلة صنعتي من رجل بائس مثلي رجلًا أحب الحياة بوجودك فقط أنتِ الأولى والأخيرة أنتِ الشيء الذي سأطلبه دائمًا أنتِ سلطانتي، امضي حبيبتي عيشي حياتك سوف ادعمك دائمًا ولكن إذا شعرت يومًا بأن هناك ريح يأتيك وطيف هواء مع نسمة رائحة دفء فاعلمي أنه أنا، أنا الذي أعبر بروحي لكي تُشعرك بالأمان فلا تقلقي…

“أصبحت من بعده وردة ذابلة ذهب وميضها، تلك التي كانت تمتاز بضحكتها التي تستطلع بها الشمس كل صباح، قد ذهبت وغربت غادرت الروح المرحة والضاحكة ركدت كالبحيرة التي جفت لم تعد تعنيها الحياة، شيئًا فشيئًا عادت المتمردة ثانيًا بعد أن كانت أصبحت لينة، غادرت كل السعادة حياتها بعد أن غادرها، أصبحت تواجه المصاعب بمفردها وكأنها في طريق شاق طويل ليس به أي نهاية، فقط طريق صعب منحدر ومليء بالأشواك تسيرعليه وتواجه مصيرها به، فقط وددت لو قلت له ابق هنا فإن طيفك فقط يساندني في محنتي وطريقي..

“آخر رسالة من تلك المجهول مرعليها عامًا مرعامًا على فقدانه عامًا مازلت أذكره كل ليله، مازالت أتذكر رسائله كان يعلم انه سوف يترك أثرًا طيبا منه، كان مارس أجل كان مارس اللعين. مازلت أذكرك عزيزي وأشعر بالطيب والاطمئنان والخذل والخيبة كلها في حين واحد أشعر بكل هذا في وقت واحد إلى حين لقاك. هل سأعرفك يومًا؟!

هل سيمنحنا القدر يومًا للقاء أم سنكون صدفة تجمعها الأحلام.

اترك تعليقا