أدب

أمل دنقل.. الجنوبي ابن الصعيد

وإن ذهبت الروح بقيت الآثار لا يمحوها الزمان، و تظل ذكراهم خالدة في النفوس.
الجنوبي الشرس أمل دنقل

عن نشأته

هو محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، ولد سنة (1940)، بقرية القلعة مركز قنا في صعيد مصر، والده كان عالمًا من علماء الأزهر الشريف، فكان لهذا دور في شخصية “أمل دنقل” و قصائده  وتيمنًا بالنجاح الذي حققه والده في السنة التي ولد فيها أمل حصل فيها والده علىٰ إجازة العالمية فسمي أمل بهذا الاسم (اسم أمل هو شائع جدًّا بالنسبة لأسماء البنات في مصر)

كان والده يذهب للمدينة أثناء فترة الدراسة ليعمل بالتدريس وعند انتهاء فترة الدراسة يعود أدراجه إلى عائلته وربما كان لهذا التنقل أثر في نفس أمل دنقل، لم يكن والده مدرسًا للغة العربية فقد كان أديبًا، شاعرًا، فقيهًا ومثقفًا، فمن هنا بدأت مهوبة “دنقل” تنمو داخله. 

بداية الرحلة

فَقد أمل والده وهو في سن العاشرة من عمره، رحل “أمل دنقل” إلى القاهرة بعد إنهائه الثانوية العامة في قنا، فارتحل للالتحاق بكلية الآداب، ولكنه تركها مُنذ العام الأول ليُعيل نفسه، فعمل بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية ثم بعد ذلك بعد ذلك موظفًا، كان أمل مولع بالشعر وكأنه يسري في عروقه ووجدانه فكان مرجعه الأول والأخير، ترك كل شيء وراءه وانصرف لكتابة الشعر 

كان أصدقاء عمره ورفقاءه الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي “الخال” ويحيى الظاهر عبد الله

أمل دنقل
أمل دنقل

عن أشعاره 

ورث أمل عن والده موهبة الشعر فكان يكتب الشعر العمودي، وكان لمكتبة والده دور في إضافة العلم والمعرفة لتنمو وتزداد في مخيلته فكانت تضم الفقه، الشريعة، والتفسير فكانت النافذة الأولى لينطلق منها في أُفق الشعر فقدانه لوالده كان له أثر؛ تجد في كل أشعاره لمسة من الحزن تضيف النكهة الأساسية التي تميزه.

استوحى أمل قصائده من رموز التراث العربي بالرغم من أن التراث السائد في هذا الوقت كان تأثير الميثولوجيا الغربية عامةً واليونانية خاصةً.

كان أمل يساريًّا متعصبًا يكره الظلم ويُدافع عن الحقوق ربما لقّبه البعض بالمحارب وربما لم يفهمه الآخر. 

كتب عن الانكسار والنكسة في قصيدته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”

أيتها العرافةُ المقدسة..
جئتُ إليكِ.. مُثخنًا بالطعناتِ والدماء
أزحفُ في معاطفِ القتلى، وفوقَ الجُثَثِ المكدسة
منكسرَ السيف، مغبر الجبين والأعضاء.
أسأل يا زرقاء..
عن فمكِ الياقوت، عن نبوءة العذراء.

ثم شاهد النصر وضياعه وصرخ ضد معاهدة السلام، فظهرت للنور “لا تصالح”

لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى!؟
هي أشياءُ لا تشترى..

الجنوبي بين سطور السياسية

كره الظلم وبحث عن العدل، يساري يعيش كالمحارب لأجل الحق، عاش عصر ثورة يوليو المستنزف للشعب الفقير ومن ضمنهم “أمل” ابن الصعيد الفقير الذي كان منتبهًا لجميع أخطائها؛ ففتح أبواب النيران ولم يتراجع بل كان كالباحث عن الحرية الحق وليست تلك المزعومة، تأثر بالنكسة وكتب عنها في زرقاء اليمامة، كان يعتبره الجميع فذًّا؛ فلم يكن من الوجوه المحببة للجرائد والمجلات، الكل يخشىٰ من يمشي ضد التيار، لكن بالرغم من التحذيرات التي لحقت عبلة الرويني حتى لا تُجري هذا اللقاء الذي من الممكن أن ترفضه الجريدة بشكل قاطع، ذهبت في محاولة للبحث عن المتمرد ابن الصعيد ومن هنا بدأت قصتهم.

عن حبه

ثم بعد ذلك للشاعر الذي عرف بعنفوانه وتمرده أن أغلق كل أبواب الحب، وجعل العزوبية حبه، ترك كل هذا حينما دقت بابه الصحفية الشابة “عبلة الرويني” فارتسم الحب بشعاع من نور رغم فارق السن بين الرويني ودنقل إلا أن هذا لم يكن عائقًا بل كان الحب هو المسار الأول

أمل دنقل وعبلة الرويني
أمل دنقل وعبلة الرويني

كان اللقاء الأول في دار الأدباء، تقول الرويني صرنا أصدقاء وفي اللقاء الرابع وبدون أي مقدمات قال:

يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة.

رغم الاختلاف بين عالمي الرويني إلا أنهما تزوجا ولكن كان لهذا الحب عدو فرّق بين الحبيبين، إنه المرض اللعين

رحيل الجنوبي السائر

أُصيب أمل بهذا المرض الجبار ولم يكن مر عام علىٰ زواجه، بدأ المشوار بعدما كان المرض شيئًا صغيرًا إلى أن ظهر ورم جديد بعد خمسة أشهر من إجراء العملية الأولى، كان الحل الوحيد أن يذهب لمعهد الأورام، ظل دنقل يعاني لثلاث سنوات ولم يَكف عن كتابة الشعر، فظل يكتب علىٰ علب الثقاب وهوامش الجرائد ولم يُهمل الشعر لحظة حتى أتم ديوانه الأخير “أوراق الغرفة 8” إلى أن رحل عن عالمنا عن عمر يناهز43 سنة 

دنقل الجنوبي كاره للظالم يتغنى بالحقوق، بدأ رحلة المعاناة في العاشرة واغترب في السابعة عشر من عمره، ومات في الثالثة والأربعين، ولكنه عاش ألف سنة.

نرمين سند
نرمين سند
فتاة في مقتبل العمر تهوي الكتابة و اري العالم بعيني و احلم بأن يراه الجميع من كتابتي

اترك تعليقا