تاريخ وسياسة

أحمد حلمي سجين الصحافة في ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة

عندما يأتي شهر مايو من كل عام ومع بدايته وبعد الاحتفال بعيد العمال يأتي الثالث منه ليحل اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهواليوم الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبرمن عام 1983، بناءً على المؤتمر العام لليونسكو، واستجابةً لدعوة من بعض الصحفيين الأفارقة الذين أصدروا في عام 1991 إعلان “ويندهوك” التاريخي بشأن تعددية وسائل الإعلام واستقلاليتها، ومنذ ذلك الحين يتم الاحتفال بالذكرى السنوية لإعلان ويندهوك في الثالث من مايو باعتباره اليوم العالمي لحرية الصحافة.

  وعند الحديث عن حرية الصحافة لابد وأن نذكر أحمد حلمي الصحافي الذي سُجن بسبب كتاباته، فهو يعتبر أول صحفي مصري يسجن بتهمة العيب في الذات الملكية، ومن بعده طالت القائمة إلى يومنا هذا مع اختلاف الأنظمة واختلاف طرق الكتابة والنشر.

   نشأ أحمد حلمي في القاهرة بالقرب من الحسين، وبدأ تعلم القراءة والكتابة في أحد الكتاتيب القريبة من منزله وكان خاله يهتم بعملية تعليمه ليصير كاتبًا في دواوين الحكومة مثله، ولكن عام 1882 -وكان وقتها في السابعة من عمره- رأى حلمي مشهدًا غيَّرمن مفاهيمه فكان ذات يوم عائدًا من كتَّابه وشاهد مجموعة من الإنجليز يهاجمون بائع بطاطا وينهبون تجارته ويأكلون ما معه، حكى لخاله عن ما شاهده وشرح له خاله -الذى كان في مقام والده بعد وفاة والده- الوضع ووجود الإنجليز ووقوف الخديوي معهم ليضمن مصالحه فزرع ذلك بداخل الصبي كره عميق للإنجليز وللظلم.

  عندما أصبح في الخامسة عشر حدث نزاع  قوي بينه وبين خاله أدى إلى جعله يهاجر إلى الإسكندرية مشيًا على الأقدام، وهناك بدأ في مواجهة الحياة واكتشاف ذاته، فعمل في أكثر من وظيفة وبعضها وظائف حكومية، لكن ميله للكتابة في الصحافة وصدور جريدة السلام في الإسكندرية عام 1898 جعله يأخذ إجازة من الوظيفة الحكومية ويصبح مراسل للجريدة في القاهرة.

وعندما أصدر مصطفى كامل جريدة اللواء عام 1900 بدأ أحمد حلمي رحلته الحقيقية في الكفاح وفي مواجهة الإنجليز وفساد القصر وأيضًا في بزوغ نجمه وظهور مواهبه الصحافية، وذلك بتوجيه وإرشاد من مصطفى كامل.

الصحافة

 أحمد حلمي في جريدة اللواء

  وجود أحمد حلمي في اللواء وقربه من مصطفى كامل ثقله لشكل كبير وزاد من خبرته وجعل قلمه يصيرأقوى على الإنجليز وأكثر تأثيرًا في الشعب، واتخذه مصطفى كامل صديقًا له وجعله يشرف على العمل اليومي للجريدة والمراجعة والتدقيق، وبالطبع أيضًا كتابة المقالات.

 وظهرت مهارات أحمد حلمي الصحافية بشكل واضح عندما وقعت حادثة دنشواي وأرسله اللواء ليكون في قلب الحدث وينقل للقراء وقائع المحاكمة بالتفصيل، وبالفعل شهد حلمي المحاكمة وكتب بعدها مقالًا مؤثرًا بعنوان “يا دافع البلاء” يدل على تأثره الشديد بما شاهده هناك من ظلم للمصريين، واستطاع بقلمه أن ينقل مشاعر الغضب لكل المصريين.

  واستمر أحمد حلمي في عمله كمحرر اللواء الأول لمدة سبع سنوات، وكان لوفاة مصطفى كامل أثرًا كبيرًا عليه وعلى جريدة اللواء كما كان على الحركة الوطنية في مصر

” الوداع الوداع يا أصدق وفي، الوداع الوداع يا إمامي ومرشدي، الوداع الوداع يا نبراس المخلصين، الوداع الوداع أيتها النفس الكريمة والشمائل الشماء، وسلام على تلك الروح الطاهرة، وألف سلام” وهذا جزء من الخطبة التي ألقاها حلمي في جماهير المشيعين بعد دفن مصطفى كامل، ويظهر فيها مدى تأثره بالزعيم وعلاقته القوية به.

 ولكن بعد وفاة مصطفى كامل لم يستطع حلمي أن يستكمل رحلته داخل جريدة اللواء فبعد أن اختلف مع علي فهمي كامل -وهو شقيق مصطفى كامل- وحدثت هزة قوية داخل الجريدة تركها ليبدأ رحلة جديدة من رحلات الكفاح الوطني.

أحمد حلمي، الصحافة

جريدة القطر المصري

  بعد أن ترك أحمد حلمي جريدة اللواء بثلاثة أسابيع أصدر مجلة القطرالمصري وهي مجلة سياسية وطنية أدبية زراعية صناعية، تلتزم بمبادئ الحزب الوطني حتى ولوأهملتها قيادات الحزب في ذلك الوقت، وبعد ستة أشهر من إصدار القطر المصري على هيئة مجلة تحولت إلى جريدة بناءً على طلب القراء ويرى حلمي أن ما يهم هو المحتوى المكتوب بداخل الصفحات والغرض المنشود من الجريدة.

  ورفع أحمد حلمي الستار عن الكثير من العيوب المنتشرة في المعية الخديوية، وبالأخص بيع الرتب والأوسمة للأعيان وفتح ذلك عليه باب هجوم قوي وتشويه لصورته عند الخديوي واتهامه هو وجريدته بكل شيء يجعلهم في موضع انعدام الوطنية.

  “ويقول مؤرخ الصحافة العربية (فيليب دي طرازي)، أن هذه الجريدة التي كانت خطتها المناداة بالعداء للاحتلال الإنجليزي، وانتقاد سياسة ممثله في مصر، لم يبق عظيم إلا عرفها وقرأها حتى أن الخديوي نفسه -عباس- كان يقرأها خلافًا لعادته، ولا يطالع سواها من الصحف المصرية، وكان ضباط الجيش المصري من متابعيها.

حتى أن حكومة السودان لما قررت منع دخول هذه الجريدة إلى بلادها كان أولئك الضباط يخفونها في طيات ملابسهم، وكان العمال أيضًا من أنصارها، واستاءت غرفة التجارة والصحف الإنجليزية منها، لدعوتها بوجوب مقاطعة البضائع الإنجليزية، لأن رواج هذه البضائع في مصر وترويجها على الدوام هو علة الاحتلال الإنجليزي لوادي النيل”.

  تظهر الخبرة التي اكتسبها حلمي أثناء عمله في جريدة اللواء مع مصطفى كامل بوضوح في مقالاته بجريدة القطر المصري وأيضًا في الوطنية والحب الشديد للحرية ونبذ الاستعمار المتمثل في الإنجليز والفساد المتمثل في القصر، واستطاعته أن يستخدم سلاح الكلمة في مواجهة كل هذا بكل قوة والعمل على زيادة الوعي عند غالبية المصريين وزرع قضية الاستقلال في نفوسهم وتحريك مشاعرهم الوطنية ضد المستعمر.

  “وانتهزت النيابة فرصة نقله مقالة من جريدة العدل التي كانت تطبع  في الآستانة لم يوافق عليها، بل أخذ في تفنيدها وإدحاض مزاعم أصحابها، فرفعت عليه الدعوى باعتباره فاعلًا أصليًا، ثم قدم إلى المحكمة فحكمت عليه ابتدائيًا واستئنافيًا، وانتهزت النيابة أيضًا فرصة إلقائه خطبة في اجتماع احتشد للاعتراض على إعادة قانون المطبوعات الموضوع في شنة 1881، ورفعت عليه دعوى أخرى حكم عليه ابتداءً واستئنافًا” وقام بمراقبته ثمانية من البوليس وتم طرد ابنه من احدى مدارس الأوقاف نكاية فيه واضطهاد قريب له في عمله أيضًا!

وبعد مرافعات وجلسات المحكمة كان نص الحكم على أحمد حلمي كالتالي “حكمت المحكمة بحبس المتهم عشرة شهور حبسًا بسيطًا وأكرت بتعطيل جريدته (القطر المصري) مدة ستة شهور وبإعدام كل ما ضبط وما يضبط من العدد 37 من الجريدة المذكورة “وأما ما يخص خطبته في المتظاهرين احتجاجًا على قانون المطبوعات فكان نص الحكم كالتالي

 “حكمت المحكمة حضوريًا بحبس أحمد أفندي حلمي 6 شهور حبس بسيط وكفالة ألف قرش”.

   وقضى أحمد حلمي مدة السجن وكتب عندما خرج منه عن الفترة التي قضاها بداخله ووصف أوضاع المساجين واستغلال الإنجليز لهم، وعادت جريدة القطر المصري بعد فترة تعطيلها وصاحبها في السجن وأكملت بنفس المبادئ التي كان قد وضعها حلمي منذ أن أصدرها.

ولكن بعد ذلك تم إغلاقها تمامًا بقرار من ناظر الداخلية لكونها تهاجم الخديوي وتكتب ما يثيرالبلبلة، واستقبل حلمي هذا الخبر وهو في محبسه بابتسامة وقال “هذا ما فهموه مما في القطر المصري ولهم ما فهموه ولغيرهم ما يفهم”.

 جريدة الزراعة

  اهتم أحمد حلمي بالزراعة كونها أحد أهم مصادر مصر الاقتصادية وقتها، واقترح على صفحات جريدة اللواء أن يتم إنشاء وزارة للزراعة أو تحويل الجمعية الزراعية الخديوية إلى وزارة أو مصلحة وبالفعل اقتنع الغالبية العظمى من المثقفين بالمقترح وتم تنفيذه بعد الكثير من النضال والمطالبة به واقناع الشعب والحكومة بأهميته.

  وفي 1919 أصدر أحمد حلمي جريدة الزراعة وهي جريدة زراعية اقتصادية صناعية، وأنشأها حلمي بغرض توحيد قوة المشتغلين بالزراعة علمًا وعملًا، وترقية الزراعة في مصر وأن تكون الحلقة المفقودة بين سلسلة النظام الزراعي في مصر لتربطه ببعضه وتكون معنية بكل ما يخص الزراعة في بلد يعمل أغلب سكانه في الزراعة.

  واستمرت هذه الجريدة المتخصصة عامًا كاملًا، ولا نعرف هل انقطع ظهورها بعد ذلك أم استمرت لفترة، وذلك لأن دار الكتب العامة بالقاهرة لا تحتفظ إلا بمجلد السنة الأولى فقط ( من أغسطس 1919 إلى أغسطس 1920) ولا يوجد إعدادات أخرى لها عثر عليها.

  هاجم المرض أحمد حلمي واستمر في مواجهته بقوة إلى أن  لقى ربه في 18 يناير 1936 وترك خلفه حفيدًا صار من أهم الفنانين متعددي المواهب وهو صلاح چاهين الذي كان مهموم بقضايا وطنه كما كان جده.

  إذا كنا نتذكر أحمد حلمي في اليوم العالمي لحرية الصحافة فإننا لابد أن نؤمن كما آمن هو بدور الصحافة الحقيقية في تغيير وعي الشعب، وكيف أن لكلمة الحق مقامًا كبيرًا وتستحق التضحية.

المراجع

– المرصد الصحفي للصحافة والاعلام
– أحمد حلمي سجين الحرية والصحافة د.إبراهيم عبد الله المسلمي
– مظاهرات حرية الصحافة كتاب تذكاري توثيقي.
– ( نقابة الصحفيين اليوبيل الماسي 1941 – 2016 ) خالد السرجاني – كارم يحيي – هدى نصر الله

طارق عبداللطيف
طارق عبداللطيف
مدوّن ومحرر صحفي ومهتم بالتاريخ

اترك تعليقا