رأي

رحلتنا الروحانية

“تنازلتُ عن الأنا وصرت العالم الفسيح” راهب بوذيّ

“ كفّ عن تزويغ سلوكيّاتك دفاعًا عن نفسك” كيورجيف

في حالة النوم، يتوقف الجسد عن الحركة ويتحوّل الإنسان لحبيسٍ لأفكاره. يبدو للوهلة الأولى أن الحلم حريّة وقدرة على التجوال بالخيال تفوق قدرتنا في حياتنا الواقعيّة ولكن هناك طريقة أخرى للتفكير في هذا الأمر، فالحلم كاسكريبت السينما له كاتبٌ هو ماضينا وما جمعناه من معلومات فيه وهو الأمر الذي يجعلنا أسرى للماضي حال الاستغراق في الأحلام. فيؤكد لنا علم النفس أنّ اللبنات الأساسيّة التي تكوّن الحلم لا يمكن أن نخترعها في المنام ولا بدّ بأن نكون قد رأيناها ولو لمرة في ماضينا. وهو ما يذكرني بحلم طارد أحد الأصدقاء الطامحين للهجرة، فحلمه المتكرر كان هجرة الى دولة السويد ولكن -لسوء حظه- كان حلمه ينتهي كل مرة في الطائرة. لأنه يعرف شكلها ولا يعرف شكل دولة السويد التي لم يرها في واقعه من قبل.    

من هذه المقدمة البسيطة يمكننا استنتاج أن الحلم ليس إلا تلاعبٌ من خيالنا بالواقع الذي عشناه في الماضي كأننا في أسره دائمًا، نضيف مشاعرنا ساعة النوم إلى مشاهد من الذاكرة فنظنّها الحريّة وهي على أحسن تقدير استغراقٌ في الماضي.

اليقظة

ذهب الروحانيّ كيورجيف إلى أنّ المعنى الحقيقيّ للرحلة الروحانيّة شديد الشبه برحلة الاستيقاظ من النوم، فليس كل الناس في حالة من اليقظة بل يشبههم كيورجيف بحالة السير نومًا لأنّنا -ولسوء الحظّ- تربينا على الندم على الماضي والخوف من المستقبل. ولكن أين الماضي والمستقبل؟ أليسا مجرد صور في عقولنا؟ قد يكون الكلام غريبًا بعض الشيء ولكن حاول أن تمسك الماضي وتلمسه كما تستطيع أن تلمس ما يحيط بك في حاضرك الآن! لن تجد من الماضي إلا بقايا في قرارة صدورنا وأفكار تملأ عقولنا ليس أكثر، أمّا الحاضر فهو كل شيء ولكنّنا نهمله لصالح بعض الأفكار في عقولنا.

في فنّ الشعر اليابانيّ (الهايكو) لا يستخدم الشاعر سوى المضارع للتعبير عن صوره الشعريّة لأنه الزمن الوحيد الذي يحتوينا بالكليّة بكل بساطة وسهولة فقط عندما نركز انتباهنا فيه. يعرض الحاضر بكل ما فيه من بساطة وتعقيد، وكل ما فيه متناهٍ وغير متناه. يميل بنا الهايكو لأن نتحرر من سلطة الاستغراق في الفكر كما في الأحلام وكما في سير النائمين؛ لأن نتحرر من سلطة الماضي ومخاوفه التي انتهت بل وأفراحه كذلك ليس إلّا لنخلق غيرها.

فخ اللغة

يقول مفكرٌ أنا أملك بعض الأفكار في موضوع ما، أمّا في الحقيقة فإننا لا نملك الأفكار بل هي من تملكنا، قارن عفويّتنا بعفويّة الطفل! وستعرف لماذا توقفنا عن التعلّم وظهرت الحكم الشعبيّة القائلة بأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر وأنّ التعلّم يصير أكثر صعوبة مع مرور الزمن. ما تغيّر هو كل هذه الأفكار التي وضعها الزمن حول كلمة (أنا) فنقول أنا أحبذ كذا ولا أحبّذ كذا وأتجنب كذا وأقبل على كذا وكل هذه التقسيمات الطويلة التي لا يمتلكها الطفل الذي نصفه بالسذاجة.

فهل حقًّا هو ساذج ؟!

ربما نظّن أنّ الخبرة الحياتيّة التي نمتلكها تؤهلنا لإصدار حكم السذاجة على الطفل الذي “لم تكتمل شخصيته” كما نظنّ ولكن ما أحبّ أن أعير الانتباه إليه هو أنّ ما نظنّه خبرة بالحياة ليس إلا خبرة بتفضيلاتنا الشخصيّة وتفضيلات مجتمعنا وهي بدورها تفضيلات ليست منزهة عن الخطأ وليست مستنبطة من المنطق بل مجرد اتفاقات لا يعترض أفراد المجتمع عليها. نقول “أنا أفضّل كذا” وفي الحقيقة المجتمع هو من يفضّل وليس حاضرنا وحريتنا. اللغة التي نعبّر بها صارت فخًا حتى لأنفسنا.

“البنيات الإجتماعيّة في العقل مضللّة حتى في إسمها، بُنية! لا أراها ابنة للحياة، لا تتجلى للحواس ولا تنفذ لقرارة العقل المنتبه، مجرد اتفاقات ضمنّية نسلّم لها بتسرّعٍ. تدعمها السلطة لغةً وقوةً مولدةً كل انقسام وتوتر. فكيف تكون بناءًا!

خلف هذا الستار من الأجوبة الجاهزة، الحياة الفسيحة.”

نهاية الأسطورة

يتساءل الباحث عن الروحانيّة عن وجود الله ولكن هل يمكن لمن لا يدرك وجود ذاته وفرديته أنّ يدرك أي شيء؟ سواءًا كان الهًا أو كونًا أو صمتًا حتى! الوجود حاضرٌ في قرارة نفوسنا ولا يمكن إدراك أي شيء الّا من خلاله. عند هذه النقطة فقط، الحاضر يعلّمنا أننّا في اتصال دائم مع مكونات الكون فلا وجود لنا إلّا في اتصال مع الكون اللامتناهي.

قصيدة إيثاكا للشاعر اليوناني كفافيس، ترجمة رفعت سلّام.

“وأنت تنطلق إلي إيثاكا
فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة
حافلة بالمغامرة٬ حافلة بالإكتشاف
لا تخف من الليستريجونيات والسيكلوبات
وبوسيدون الغاضب
لن تجد شيئا من ذلك في طريقك
طالما إحتفظت بأفكارك سامقة
طالما مست روحك وجسدك الإثارة الرائعة
لن تقابل الليستريجونيات والسيكلوبات
ولا بوسيدون المتوحش
مالم تحملهم داخل روحك
ما لم تضعهم روحك أمامك
فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة
ولعل صباحات الصيف تكون كثيرة
ويا لها من متعة٬ يا لها من بهجة
لتدخل موانئ تراها للمرة الأولي
ولعلك تتوقف عند محطات التجارة الفينيقية
لتشتري أشياء جميلة
عرق اللؤلؤ والمرجان٬ العنبر والأبنوس
فوصولك إليها٬ هو غايتك الأخيرة
لكن لا تتعجل الرحلة أبدا
فالأفضل أن تستمر لأعوام طويلة
حتي لو كان للشيخوخة أن تدركك٬ وأنت تصل إلي الجزيرة
غنيا بكل ما جنيته في الطريق
دون انتظار أن تمنحك إيثاكا الغني
لقد منحتك إيثاكا الرحلة الرائعة
فبدونها ما كان لك أن تبدأ الطريق
لكن ليس لديها ما تمنحه لك سوي ذلك
فإذا ما وجدتها فقيرة٬ فإن إيثاكا لم تخدعك
فالحكمة العظيمة التي جنيتها٬ بهذه الخبرة الكبيرة
لا بد أنك ــ بالتأكيد ــ قد أدركت٬ بذلك ما الذي تعنيه إيثاكا.”  

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا