فلسفة

عن أطروحة الجنون عند فوكو وثائقي ظلال الذي طرح في الحظر

الجنون عند فوكو

طرحت سينما زاوية من خلال صفحتها على فيسبوك الفيلم الوثائقي (ظلال) يوم 22 مارس الماضي أثناء الحظر رافعين شعار (خليك بالبيت).

الفيلم من إنتاج وإخراج  مارين خوري والمخرج مصطفى حسناوي، الفيلم يكشف لأول مرة حياة من رفضهم المجتمع ووضعهم في مستشفى العباسية، لأول مرة يسمح بدخول الكاميرات داخل جدران المستشفى في عام 2010 ليكشف لنا حكايات آخرين يعيشون في الظِل على هامش المجتمع طوال سنوات عديدة، تُمنع الكاميرات من الدخول عبر بوابات مستشفى العباسية التي تأسست عام 1883م ليطلق عليها اسم السرايا الصفراء آنذاك.

كان ذلك بعد ما يزيد على قرنين من تأسيس أول مستشفى للعزل في إنجلترا عام 1665م باسم (بيدلام)

لكن الملفت للنظر أنه تم ضم مستشفى العباسية للأمانة العامة للصحة النفسية 21/1/1998 بناء على قرار وزير الصحة وقتها ليتم ضمها لديوان عام وزارة الصحة.

الوثائقي هو مجموعة من اللقطات التي تصور بتقنية الكاميرا المتحركة دون سياق روائي لكن ذات صلة بموضوع محدد ولذلك سنتناول الموضوع الذي تم طرحه وهنا لم يعتمد أيٌّ من مخرجي العمل إضافة أرائهم الشخصية على المشاهد، فقط الاستماع للمحتجزين والرؤية للمشاهد، لكن هنا حينما يصبح الموضوع المحدد عن الجنون لا يمكن إغفال ميشيل فوكو واحد من أهم من قدموا أطروحة الجنون على طاولة العلم والتاريخ على حد سواء عن طريق كتابه الأول والذي نشر عام 1961  Madness and Civilization””  “الجنون والحضارة” بالفرنسية folie “et déraison الجنون واللامعقول.

ميشيل فوكو
ميشيل فوكو

ولسبب لا يعمله بالتأكيد سوى مترجمي الكتاب بالعربية يترجم عنوان الكتاب إلى “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”؛ من المحتمل لأن بدايات فوكو التي حررته فكريًّا حينما قرأ كتاب لنيتشه بعنوان “تأملات في غير الأوان” وكان يتضمن مقالة حول “استخدام التاريخ وانتهاكاته للحياة” وكانت فكرة نيتشه باختصار أن دراستنا للتاريخ مصمتة أحادية، وذلك بسبب ما فعله الأكاديميين بشكل التاريخ وطريقة دراسته، جعلوا الأمر كأننا يبدو علينا أننا نقرأ التاريخ بطريقة اللامبالاة، ويستدرك علينا أن نقرأ التاريخ لكي ننقب عن مفاهيم وأفكار من الممكن أن تساعدنا على حياة أفضل في الوقت الحالي.

هذا المقال كان بعد ذلك أحد أهم أسباب انشغال فوكو بالتاريخ حيث ركز لاحقًا في كل أعماله على نظرته للتاريخ ورؤيته له تلقي الضوء أو تعتمد على التنافر بين “النزاع والصراع” الذي يحققه التاريخ ومن ثَمّ علاقة الصراع بين السلطة والمعرفة والخطاب. ويقارن فوكو في “تاريخ الجنون” أهمية الخطاب بين عصري النهضة والعصر الكلاسيكي يعترف فوكو بأن كتاباته  الأخيرة مختلفة عن الأولى.

لذلك سنتناول كتابه الأول فقط تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي وهذه ليست محاولة لتقديم الطب النفسي أو وضعه على طاولة العلم ولكن فقط هي محاولة لأحد الدروس التي حاول أن يبينها لنا فوكو أن هناك شبكة من الأشياء الخفية والفاعلة خلف اللوحة التي نراها وهو مفهوم البنيوية لدى فوكو. ويتساءل حول السلطة، من يملك تحديدًا تعريف الجنون؟ من خلال مقارنة الشخص وسلوكياته بالنسبة للمجتمع وتغيرها من زمن لآخر.

يقسم فوكو كتابه إلى ثلاثة أجزاء، وفي الجزء الأول منه:

1-  سفينة الحمقى


يتحدث هنا فوكو عن العصر الذي سبق العصر الكلاسيكي أو “عصر التنوير”. وهو عصر النهضة حيث كان المجتمع يعامل المجنون معاملة القديس ربما لم يكن يسموه مجنونًا من الأساس، يطلقون عليه لفظ “الدرويش” وحتى الكنيسة كانت ترى القيمة التعليمية لـ اللاعقل أو الجنون على أنه صورة من صور الإله وينظرون للمجنون باحترام.

وانعكس ذلك على الأعمال الأدبية الملك لير في مسرحية شكسبير الذي أصابه الجنون، ومسرحية هاملت وشخصية أوفيليا التي أصابها الجنون، ومسرحية ماكبث وزوجته التي أصيبت بالجنون حتى أول رواية في تاريخ العالم الغربي “دون كيشوت” رواية للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس كان بطلها الفارس النبيل الذي يصارع طواحين الهواء بدرب من الجنون، لاحظ هنا ارتباط الجنون بالإبداع في عصر النهضة، فقط سفينة الحمقى التي يذهب البعض بأنها أسطورة.

لكن فوكو أكد على أنها حقيقة كانت تضم كل ما هو غبي أو أحمق أو مما ينبذهم المجتمع وكانت تجوب بهم السفينة دون مرسى. مدن أوروبا التي كانت تطردهم وقتها إذا وجد المجنون في بعض المدن يتم طرده منها ويتحدث فوكو بلغة شاعرية عن سفينة الحمقى “أنها بؤرة المرور بامتياز، يرمز لسفينة الحمقى أنه انتصار لا للسماء ولا الأرض بل للجنون وأن الجنون يقود البشرية في كل مكان.

لا بل أن أصل العالم يكمن في الجنون من مختلف الأنواع، بدأ بما هو أنطولوچي وانتهاءً بما هو سيكولوچي، بل أنه فقط المجنون هو الذي يُذكر الناس بحقيقتهم” ويؤكد على أن عصر النهضة أعاد إلى الجنون صوته ولكنه أيضًا تحكم في مصادر عنفه.

2- الحمقى


هنا يتناول فوكو العصر الكلاسيكي وهو الذي ارتكز عليه الكتاب، البداية من قصر فرنسا ظهر مرسوم من الملك الذي كان يبدو مرسومًا إنسانيًّا أنه أمرَ بتشييد بنايات على هيئة مستشفيات وبنايات للعجزة ووصف فوكو هذا بالإرهاص العظيم، ومكمن السلبية في هذا العام 1661م وكانت هي أول بدايات القمع وإهانة الكرامة الإنسانية لأن المستشفى في ذلك الوقت كانت عزل أشبه بالسجن وأداة قمع تضم كل ما هو مخالف للسلطة ومعايير المجتمع.

كل أصحاب الرأي المخالف يوضعون في مستشفى المجانين، غول يبتلع في طريقه كل من يقف على الجانب الآخر وبرغم أن عصر النهضة لم يكن يرفض الجنون بشكل صارم أو اللاعقل وكان ينظر له بشيء من القدسية، فإن العصر الكلاسيكي جاء في أقل من نصف قرن فقط، أسكت الجنون بقوة غريبة وأصبح الجنون محظورًا منبوذًا.

هكذا عرض فوكو من خلال أمثلة كاشفة كيف للمجتمع والسلطة أن تحدد ما تراه مناسب لوصفه بالمجنون ويتحدث فوكو من خلال السجلات المدونة في هذا العصر لم يكن المجنون هو فقط من هو مصاب بالشيزوفرينيا مثلًا بل الأحمق أيضًا يعتبر مجنون في نماذج يذكرها فوكو للمحتجزين بسبب يسميه الخلل الذهني لحالات متواجدة في السجلات واللوائح في ذلك الوقت وهي كالآتي، شخص مسجون لأنه مترافع متصلب، آخر مشاكس كبير.

زهن قلق وحزين وفظ، وأصحاب الآراء المختلفة، شخص آخر كذاب كبير، بذيء اللسان والبخيل يعتبر مجنون والابن العاق، المعوق، المومس، الأخرق، التسول، التشرد، ومن يسب الإله لن يخرج حتى يتوب توبة نصوحة ويتساءل من الذي يحدد توبته؟ من المسئول عن هذا؟!

العقاب لم يكن مقتصرًا على الحجز فقط، لكن القيد ووضع البعض على عواميد تشهير ليتعظ الناس من مشاهدتهم، قطع الشفاه واللسان والحرق. وهنا يوضح فوكو بأن لا فائدة من التساؤل حول إن كان هؤلاء مرضى حقيقيين أم إلى أي حد كانوا كذلك، الحقيقة أن العصر الكلاسيكي كان لا يفرق بين الجنون والخطأ..

لكن هناك مثال كاشف عن كل هذا يمكننا من فهم الجنون في العصر الكلاسيكي وكيفية تغيير المعايير الاجتماعية ورؤيتها من وقت لآخر عما هو منضبط وغيره، سنة 1704 وُضِع أخو قس -اسمه بيرجودي وعمره ٧٠ عامًا- بالحجز لأنه مُرابٍ ومكتوب على حالته يعامل معاملة الحمقى، وبطبيعة الحال في الأحمق مجنون، لأنه يقرض الناس أموالًا بفوائد عالية وسعر الفائدة في تزايد مستمر فاق كل الحدود، ومع العلم أنه رجل دين وهو ما يُعد مساسًا بشرف الكنيسة والكهنوت، ويغتفر بأنه مُرابٍ ولم يستطع أحد كفه عن ذلك ومكتوب على حالته في السجن من المستحيل العثور على الرحمة في قلبه! فقط لأنه مارس الربا.

مثال آخر عن امرأة عمرها ١٦ عامًا متزوجة وأعلنت جهارًا أنها لا تحب زوجها وكانت متكلمة جيدة وذكرت أنه لا يوجد قانون يجبرها على العيش معه، الحب من جانب واحد جريمة، وأن الزواج ليس بقدَر نهائي، ولكنها ارتكبت فادحة أخلاقية في ذلك العصر وكُتب على سجلها مجنونة لما بها من وقاحة.

بعيدًا عن تلك الأمثلة هنا نقطة فلسفية يشير إليها فوكو أنه كلما كان الجنون عميقًا كلما كانت الإرادة بريئة، وإذا كان الجنون أقل عمقًا كلما كانت الإرادة أقوى، وبأنه تم وضع قانون في العصر الكلاسيكي يميز بين الجنون العميق والجنون المدعى.

ويستدرك فوكو بأن أخلاقيات العصر الكلاسيكي مختلفة عن أخلاقيات عصرنا واستشهد بما يسمى ببوابات الحمقى، في ألمانيا وفرنسا ولندن وهي بوابات حاجزة بين الحمقى والعقلاء يشاهد فيها العقلاء المجانين مقابل بنس واحد وكانت هواية لدى البعض من المجتمع وخصوصًا الطبقة البرجوازية منه، مشاهدة الحمقى في عروض مسرحية في سلاسل مقيدين، لسخرية منهم وإضحاك الجمهور. ولكن هذا كله انتهي وتوقف منذ اندلاع الثورة الفرنسية ١٧٨٩.

ويوضح فوكو أن العصر الكلاسيكي تعاطى مفهوم الجنون بشكل مختلف إذ أصبح الجنون شكلًا مرتبطًا بالعقل، العقل والجنون أصبحا في علاقة لا فكاك منها لأن قبل ذلك كان الجنون في مكان والعقل في مكان آخر تجعل لكل مجنون عقل تحكم به ويُحكم به، وأصبح الجنون يستمد معناه من داخل حقل العقل. وينهي الفصل بتساؤل كم من أديب وفيلسوف دُفن في هذه المستشفيات “الحجوز”.

3- الجنون مرض عصري

في نهاية القرن الثامن عشر بعد قيام الثورة الفرنسية وبداية القرن التاسع عشر تغيرت النظرة إلى الجنون باعتباره نظيرًا للعقل ويعتبر الجنون مرضًا عصريًّا وأن الأمر يخص الأطباء لا الشرطيين، العصر الحديث مختلف عن سابقه الكلاسيكي الذي ينظر للمجنون بنظرة طبية ويُظهر لنا مصطلحًا جديدًا اسمه المرض العقلي ويُفرق بين أصحاب الرؤى والحمقى والمخطئين وأصحاب الخلل العقلي.

وهذا لم يتم إلا ببدايات العصر الحديث عن طريق الطبيب الفرنسي فيليب بينيل وأشار أن مثل تلك الحالات هم حالات مرضية تستحق العلاج وهذا العلاج يُبنى على أسس علمية وتحول المجنون أخيرًا من كونه أسطوريًّا درويشًا في عصر النهضة أو وحشًا مخطئًا في العصر الكلاسيكي إلى مريض بالمعنى العلمي ويحتاج إلى علاج وكل حالة لها علاجها الخاص ويقول فوكو: “ومع ذلك كانت التجارب الأولي أيضًا سلطوية من قِبَل الأطباء مثل بعض التجارب التي نفذها فيليب “العلاج بالحمام البارد” التي أدت إلى تراكم المرض.”

في الجزئين الثاني والثالث تحدث فوكو عن موقع الروح في الجنون وأشكال الجنون وجنون العباقرة وعن الفكر الطبي بين الممارسة والتطور.

يبدو أن كل الحالات التي عُرضت من قبل في فيلم (ظلال) كانت كلها تتمحور حول قضايا وهواجس ربما شغلت بال المصريين على مر عقود العقلاء منهم وغيرهم وهي الدين والجنس والسياسة. قبل نهاية فيلم ظلال يصرح أحد المرضى “أنا مش مجنون ده تعب نفسي ده بسبب الضغوط النفسية اللي بتيجي عليك لما تدخل المستشفى وأهلك يجبوك هنا يبدأ المجتمع يشاور عليك إنك مجنون”

أحمد سلامة
أحمد سلامة
درس الهندسة، مهتم بدراسة العلوم الإنسانية إلى جانب السينما

اترك تعليقا