فن

داليا إيهاب يونس.. التي تغني للإنسانية

من وحي اللقاء 

مقامات الغناء في صوت الطير لغةٌ ترسم الدهشة على روح الإنسان؛ من علّم الكروان مقام الكرد؟ من علّم العصفور أن يفزع على السلم الصغير ويفرح شاديًا على السلم الكبير! هذه المعلومات النظرية التي نتعلمها في مدارس الموسيقى ليست بالاختراع، فحتى الأطفال يجيدون الغناء منذ الطفولة فقط أنشد أمام طفل رضيع ثلاث نوتات تصاعديًّا، فإذا كان في حالة صفو ومرح سيرد بضحكة على النغمة الموسيقية التي تتمّ هذه النغمات وتختم المقام الموسيقي، نعم هكذا سيفعل دون تعب تمامًا كالعصفور.

ربما يقوم الرومانسيون بتشبيه الموسيقى باللغة فنظنّ أنها تُكتسب بالحفظ والتمرّس، لن أعترض كثيرًا على الجملة السابقة ولكني سأغيّر صياغتها، “تُكتشف الموسيقى بداخلنا بالتمرّس” أمّا مفهوم الاكتساب كأن تكون جاهلًا للموسيقى فتتعلمها من الصفر فهو مفهوم مستحيل غير موجود على الإطلاق.

يتكون الغناء من شقين بل يمكننا القول أنه يتكون من لغتين، لغة للعقل تتشكل من الكلمات ولغة للأذن نستنبطها بالفطرة من الأبعاد الصوتية المسموعة وعند التلحين يقوم الملحّن بإضافة الأبعاد الصوتية المناسبة بزمن يتلاءم مع الحمولة الشعورية التي نجدها بالكلمة، فيمطّ قماشة الكلمة أو يعتصرها حتى تدل على ما تحمله من عاطفة دون أن نلحظ أي خلاف بين محتوى اللغة العقلية واللغة السمعية.

الكلمة قاصرة
صوت غنائها
يبرز اللغة

رحلتنا إلى كرم العنب 

من الطب للإعلام للكتابة تتحرك داليا من بذرة زرعتها بها أسرتها، أسرة تستخدم الموهبة في نشر قيمها التي تؤمن بها، كأنها تتعامل مع مواهبها باعتبارها وسيلة لا هدف وهذا ما يمسنا دائمًا في نشاطاتها المتنوعة. تركز داليا دائمًا على النقاط قليلة التداول في المجتمع لتبرزها وتجعلها جليّة لنا لنتذوق طعمها الغائب تحت عتمة الأحكام والتقاليد والممنوعات دون سبب منطقيّ.

وعلى الرغم من أذنها التي تتلقى الأصوات في صورة تفصيلية تدعوها للفت نظرنا لها دائمًا، فإن داليا تعتبر نفسها غير محترفة للغناء وهو أمر قد يراه البعض تواضعًا، ولكن داليا لها فلسفتها الخاصة في ذلك.

تسعى داليا لتحقيق قيمة التوازن بين العفوية والإتقان في ظلّ غياب التنوع عن الساحة الموسيقية وميل الموسيقيين المحترفين لتتبع متطلبات السوق، تؤمن داليا بواجب إضافيّ ملقى على عاتقها فكونها غير محترفة تتكسّب من الغناء يفرض عليها واجبًا تجاه ما تنتجه من مشروعات فنيّة تسعى لتكون برؤية صادقة، فالحاجة التي تحرك السوق ليست ملزمة للفنانين الهواة وهو ما يجب استغلاله كما تقول داليا لإنتاج فنّ صادق يساعد على خلق ذوق خاص يساعد الموسيقيين المحترفين لتقديم أعمالهم ويخفف ضغط السوق.

من داخل الكـرم 

1- بذرة العنب

الحب إذن هو الأساس، حب الحياة بما تحمله من نغم وصوت وتلقائية فنيّة، تقول داليا أنها من هواة الكلمة وأنها لا تسير على الخط التقليدي للغناء فهي لا تؤلف الموسيقى لكلمات تعجبها فحسب بل تغوص أكثر في الكلمة؛ فلكل كلمة صوت وانطباع يحركنا ويلهمنا وبهذا فإنها تستغل إيقاع الكلمات ودلالاتها في خيالنا لخلق اللحن فقد تقلب الأمور رأسًا على عقب وتؤلف إيقاعًا أو لحنًا كاملًا قبل أن تؤلف له الكلمات الغنائية.

داليا ليست فنانة بصرية ونفت عن نفسها هذا الوصف في حوارنا ولكنني أعتقد أن تأثرها حتى بشكل الكلمة لإنتاج الإيقاع يدخل في باب حساسيتها للفنون البصرية. 

2- شجرة العنب

اشتهرت داليا بغناء الترانيم في الكنائس والإنشاد في ساحة السماع خان في مصر القديمة ربما يكون الأمر مثيرًا للجدل لمجتمع يضع أسوارًا عازلة بين أفراد وطنه، ولكنها تخبرنا من داخل روحها عن تجربتها الخاصة في الغناء في هذه الأماكن المصممة لتعزيز القدرة على تقديم هذا الفن، فتقول داليا: “يغمرني شعور بالوعي بذاتي حينما أغني ترنيمة في كنيسة، أعتقد بشكل طفوليّ أن جزءًا من صوتي لا يعود في الصدى من السقف ولكنه يبقى مع بقية الأصوات التي غنت من قبلي ليرتد على من يغنّي بعدي في نفس المكان وكما أستشعر غمرة محبة الأصوات التي غنت قبلي في هذا المكان ترتد مع صدى صوتي”، هذه التجربة الفردية لداليا تشير للحظة فريدة ففي الغناء يذهب صوتك ولا يعود إليك أمّا في الأماكن المصممة هندسيًّا كالكنائس والقباب يعود صوتك إليك لتسمعه وتدرك ذاتك. تجربة روحانية فريدة وخاصّة جدًّا في إدراك الذات عن طريق الفن.

داليا إيهاب يونس

3-ثمار العنب

عن طريق لغتين، تقدم الأغنية في المطلق رؤيتها باستخدام الكلمة والصوت، فماذا لو جمعنا هواة الغناء لساحة لا حكم فيها على النفس ولا على الآخرين، مساحة آمنة لا نسمح فيها بإطلاق صفات سلبية على صوتنا أو صوت من يغني معنا. نخلع الأحكام من عقولنا ونطلق العنان لأصواتنا تعانق الفن والتعبير. كانت هذه الثمرة الأولى لداليا وأطلقت عليها اسم “قعدة الغنا”، اهتمت فيها بإبراز صفات الأصوات البشرية بتنوعها واختلافها وكونها كلها طبيعية لا يشوبها السوء ولا يجب أن يطالها الخجل. عندما تجلس في قعدة الغنا تتعارف مع الآخرين بغناء اسمك لأنه الأكثر استخدامًا في حياتك، تغني أغانيك المفضلة وتغني مع الآخرين أغانيهم المفضلة، تبدأ بإدراك علاقة الكلمة -حتى لو كانت اسمك أو شعورك- بقدرتك على التعبير عنها لأنها ذاتك، لأنها أنت. 

يمكنك أن تقص شعورك فيقوم المشاركون بغناء أغنية تعبّر عنه دون أن تحكم عليه، فالفن في التعبير لا في الحكم. يمكنك أن تمثل أغنية نعم تمثلها كأنك في عرض مسرحي وستجد الآخرين يتعرفون على الأغنية ويغنونها لك. هكذا صهرت داليا الفن وصنعته نافذة واحدة للذات نتعرف بها على أنفسنا بالتشارك مع الآخرين. يتحول التمثيل لأغنية وتتحول الأغنية لشعور ويتحول كل ذلك لتجربة فريدة وخاصة.

تركز داليا أيضًا على ما هو متسق مع قيمها وقليل التداول في المجتمع، فلماذا تعبّر الأغاني عن الحب باعتباره مجرد أفكار مليئة بالشوق والهجر والتعلّق وفقط! أليست تجربة الحب أكثر تنوعًا؟ أليست مليئة بالتفاصيل؟ هناك تفاصيل محسوسة أشد تأثيرًا وتعلقًا في الذاكرة من مجرد الكلمات المتداولة في أغاني الحب، ولذلك تفضّل داليا تقديم الحب الملموس وتقديم الدعم في قعدات الغنا الخاصة. تقيم الورش لتأليف الأغاني وتقديم الفنون المهجورة بطابع يقبله المجتمع ويثير فضوله واهتمامه. 

عُربة من عنب

بقامة شبه منحنية يلقي عازف عودٍ نرد أصابعه على الأوتار وتلقي أخرى بدائع أناملها على البيانو في مبادرة (ساعة الحظر متتعوضش)، وذلك لأن الغناء شفاء للروح في كل لحظة قلق أو ملل، تستغل داليا لحظات الحظر التي نعيشها في التواصل مع عدة فنانيين مختلفين من مشارب مختلفة للغناء معها على الإنترنت وإذاعة هذا الغناء لتستمر مسيرتها في تقديم الفن. 

دائرة الحياة دفٌّ نلتزم الدقات عليه، 
كل ساعة نتلاعب بعدد الدقات وتواليها،
 بعضها سريع وبعضها بطيء..
أمّا ما لا نتحكم فيه 
فوجوب الدقّ!

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا