رياضة

ما لا تعرفه عن جماهير الالتراس.. في ذكري الـ 74عاشقًا والـ 20 مخلصًا

ولأن لكل رواية بطل ولكل بطل قصة دونت الفصول الأولى في الرابع والعشرين من أبريل 1907 و الرابع من يناير 1911 ومع هتافاتهم الحماسية اكتملت القصة،يمكنك تمييزهم عن غيرهم من مشجعي كرة القدم بسهولة وإن كانت المرة الأولي لك بين أروقة الملاعب،فهم لا يأتوا عادة من أجل متعة المشاهدة بل لمؤازرة أنديتهم داخل المدرجات طوال ال90دقيقة بالتشجيع والغناء المتواصل دون توقف أيا كانت نتيجة المباراة.

الصوت والهتاف الذي يُشعل إيقاع المباراة ،أضواء الشماريخ، اللافتات ،الاصطفاف بالملابس الملونة لايصال كلمة معينة ودقات الطبول كل هذا كان كفيلا  بإحداث فجوة في أداء الفريق المنافس و قلب دفة المباراة لصالح فريقك وإن لم يكن هو الأفضل خلال اللقاء.

تري نفسك مشجعا مخلصا لفريقك ولا يمكن لأحد أن يضاهي انتمائك رغم صلتك به والتي لا تتعدي متابعته خلف شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي، وربما إن سنحت لك فرصة المتابعة من المدرجات لربما غادرت قبل انطلاق صافرة النهاية حال فقدان الامل في امكانية تعديل النتيجة وخطف اللقاء، لكن ماذا عن  الجماهير الأخرى، ماذا عن الالتراس؟ ..هؤلاء الذين يؤازرون فريقهم أيا كانت ما ستؤول إليه المباراة، لا يمكنك تصنيفهم ضمن الجمهور العادي،فهم دائما مختلفون او يمكن القول عشقهم لناديهم يفوقنا كجمهور يرتبط حماسه وفقا لجودة النتائج،مبادئهم صارمة لا يمكن تجاوزها ،فمصلحة النادي هي ما يشغلهم دوما وفي سبيل ذلك يحرصون على التواجد في كافة المباريات في الداخل والخارج أيا كانت التكلفة والمسافات.

بنبرة ساخرة قد يحدثك البعض عن تفاهة هؤلاء الشباب وعدم جدوى ما يفعلون ، متسائلين كيف يمكن تقديم كل تلك التضحيات لمساندة إحدى الفرق وهل حقا تستحق كرة القدم كل هذا؟؟

الكرة بالفعل ليست الشيء الأهم في تلك الحياة، إلا أن الفضل يعود إليها في منحك الاختيار ،ربما لم تتاح لك فرصة اختيار مجالك الدراسي،وظيفتك او حتي شريك حياتك لكن بالنسبة لكرة القدم الأمر مختلف ،انت هنا لا تدين بالانتماء لفريقك لان كل من حولك كذلك،فللمرة الأولى أنت لا ترهب فكرة الاختلاف ،بل تصرح بما أوتيت من جرأة ،فرغبتك لاختيار فريقاً بعينه  لم تعد تتضمن قضاء لحظات من متعة الانتصار بل تجاوزتها الحاجة إلى إيجاد توافق بين ما يمثله هذا النادي من قيم ومبادئك في هذه الحياة.

الألتراس لم تقتصر هتافاتهم للفرق المفضلة بل تجاوزتها، ففي العام 2008 وأثناء اعتداءات الاحتلال الغاشمة على قطاع غزة،لم تكتفي روابط الألتراس المصرية بالمراقبة والتنديد خلف شاشات التلفاز فتحولت المدرجات الي ساحات احتجاج بأغانيها وهتافاتها المعبرة عن فلسطين، صيحاتهم دوما كانت الأعلى في ال25 من يناير فكانوا في مقدمة الصفوف.

إذا تحدثنا عن ثقافة الالتراس فلا بد أن نذكر أيضا جماهير الرجاء البيضاوي المغربي والتي وصل صداها إلى العالم العربي ،كما  انتشرت أغانيها على نطاق واسع عبر المنصات الاجتماعية وهو ما كشف بوضوح مدى تأثير الالتراس وقدرته على التعبير عن صوت الشارع فضلا عن القضية الأم فلسطين حينما أنشدت جماهير الرجاء أغنيتها الشهيرة “رجاوي فلسطيني”، ماقدمته جماهير الرجاء البيضاوي من نموذج رائع ينفي تماما ما يحاول الاعلام العربي اثارته حول غياب الفكرة او المبدأ التي يمكن أن يلتف حوله روابط الألتراس وإظهارهم بصورة شباب فاقد الهوية لا يهتم سوي بكرة القدم .

في العام 2016 مُنعت روابط الاولتراس في المغرب من التواجد بالمدرجات ، ولأن الرياح تأتي بما لا تشتهي سفن صناع هذا القرار ،تعاطفت الجماهير الاخرى مع الاولتراس فقاطعت المباريات هي الأخرى وتكبدت الأندية خسائر مادية هائلة فاضطرت إداراتها إلى التفاوض مع روابط الالتراس بصورة غير مباشرة لحثهم على العودة إلى الملاعب مرة أخرى.

أمريكا اللاتينية ..بداية القصة

لم تكن ثقافة الالتراس حديثة العهد كما يظنها البعض ،فالبداية تلك المرة كانت من موطن كرة القدم البرازيل خلال حقبة الأربعينيات إلى أن توسعت فكرة الالتراس ووصلت إلى الملاعب الأوروبية في الستينيات وذلك بظهور أول رابطة للالتراس في الدوري الايطالي والتي أسسها جماهير الميلان تحت اسم The Boys.

1989 | انتشرت روح الالتراس فيما بعد في بلدان الشمال الأفريقي ابتداء ب بالتراس Dragon (التنين) والذي تم تأسيسه من قبل نادي الاتحاد الليبي،إلا أن عمر تلك الرابطة لم يتجاوز الأسبوعين ،فالتنين المجنح لم يتمكن من التحليق في وجود القذافي والذي تمكن من وأد الفكرة ومنع جميع أنشطة الرابطة.

1995 |  لم تتوقف الفكرة هنا بل امتدت لتعبر الحدود التونسية فتكونت أول رابطة اولتراس  علي يد جماهير الافريقي التونسي باسم_African Winers ثم انتقلت ثقافة الالتراس فيما بعد إلي نادي الترجي التونسي وهو يعد من الأندية التي يساندها اكثر من رابطة للاولتراس.

2007 | في مصر كانت الانطلاقة في هذا العام من خلال رابطة الوايت نايتس والتي تم الإعلان عنها في شهر مارس ،تلاها أيضا في ذات العام ميلاد رابطة التراس اهلاوي بالاضافة الى ألتراس نادي الإسماعيلي _Yellow Dragon وكذلك التراس نادي المصري_Green Eagles.

2008 |  كان الاتحاد السكندري هو الآخر على موعد مع تأسيس ألتراس _Green Magic ، كما أنشأت جماهير نادي غزل المحلة رابطة التراس_Wills .

إلى أي نوع من الجماهير العاشقة لكرة القدم تنتمي أنت؟

يقسم محمد جمال بشير الجماهير في كتابه الالتراس الي عدة أنواع حسب درجة الانتماء إلي:

جمهور النتائج: وهو الذي يدعم فريقه وفقا للنتائج،في الانتصار تجده متحمسا بينما تخفت درجة مساندته للفريق عندما لا يتمكن من تحقيق الفوز.

جمهور التلفاز: يمكنك تسميتهم “بجمهور الكنبة” وهو يمثل القطاع العريض من المشجعين والذين يكتفون بمتابعة فريقهم من خلال شاشات التلفاز.

الجمهور العادي: وهي تلك الجماهير التي نراها  عادة في المباريات الهامة كمباريات القمة والكأس او المنتخب الوطني في ظل غياب روابط الالتراس بعد ان تم منعهم من التواجد بالمدرجات، يختلفون عن الالتراس في كونهم  يحضرون بشكل فردي ،كما انهم لا يذهبون إلى كافة مباريات الفريق.

الجمهور التقليدي: وهي روابط يتم تأسيسها من قبل مجالس ادارات الاندية وعادة ما يكونوا من قدامي المشجعين أي كبار السن كما يتم تمويلها من خلال ادارات الاندية مع توجيه الدعوة لهم للتواجد في المناسبات المختلفة.

الهوليجانز: وهو لفظ يطلق على  المشجع الذي ينتهج العنف والشغب لارهاب الفريق المنافس كالاعتداء اللفظي وتحطيم أجزاء من الملعب.

جماهير الالتراس: هي روابط اكثر تنظيما،فهي تعمل بنظام المجموعات الصغيرة،فهناك مجموعة تتولى مسئولية تنظيم الرحلات، وأخرى مسؤولة عن التصوير والمونتاج ،وغيرها تكون مسؤولة عن  التمويل ، يعتمدون على التمويل الذاتي ويرفضون أية عروض للتمويل من قبل ادارة ناديهم كما يتبعون مبادئ الالتراس المتعارف عليها عالميا والتي سنتطرق اليها بالتفصيل.

مصطلحات  الاولتراس

هناك عدد من المصطلحات الموحدة  التي تستخدمها روابط الألتراس عادة أيا كان منشأها، فمنها ما قد تعرفه كمشجع عادي   مثل مصطلحات”الثالثة يمين” والثالثة يسار” والتي تشير الى جماهير القطبين، إلا هناك مصطلحات أخرى  كثيرا ما نلاحظها دون أن نعرف لها تعريف محدد فدعونا نستعرض أشهر تلك المصطلحات التي يتضمنها قاموس الاولتراس.

Capo | ويطلق علي قائد رابطة الالتراس،فهو المسؤل عن اختيار الأغاني والهتافات وكذلك الحركات وتوقيت ادائها في المدرجات.

Curva |  زاوية التشجيع في الملعب والتي تتمركز فيها روابط الالتراس ،وتقع في مدرجات الدرجة الثالثة منخفضة التكلفة وتنقسم إلي نوعين Curva Sud وتقع يمين المقصورة(الثالثة يمين) ويتواجد بها عادة التراس الوايت نايتس، أما فيما يتعلق بال Curva Nord فهي تقع على الجهة اليسرى من المقصورة (الثالثة يسار)وتتواجد بها رابطة التراس اهلاوي.

Batch |  لافتة يبلغ طولها عدة امتار وتحمل اسم وشعار الرابطة ،كما يتم الحفاظ عليها في مكان آمن حتى لا يتم الاستيلاء عليها ،ففي قوانين الالتراس المجموعة التي تفقد اللافتة الخاصة بها يتم حلها بالكامل.

Intro | الطريقة التي يدخل بها اعضاء الاولتراس الملعب ،وفيها يتم استخدام ألواح كارتونية ملونة لتكوين جملة معينة بغرض ايصال رسالة الى اللاعبين أو الفريق المنافس وربما  ادارة النادي ايضا.

ما هي مبادئ التشجيع في روابط الالتراس؟

1/ مايميز روابط الالتراس أنها تسير وفقا لمجموعة محددة من المبادئ تحكم طريقتها في التشجيع، من أهم تلك المبادئ رفض فكرة التمويل من قبل ادارات الاندية وبذلك تكون الكلمة العليا لهم دون أي تدخل من  أي طرف آخر ، غير متقبلين كذلك لفكرة الرأسمالية في كرة القدم فهم يرون أنها السبب الرئيسي في تحويل اللعبة الشعبية إلى سلعة.

2/ قمصان النادي،الاعلام الملونة،القبعات و ما يتم صنعه من منتجات تحمل شعار النادي والرابطة فضلا عن اشتراكات العضوية هي أبرز الأدوات التي يرتكزون عليها في تحقيق مبدأ الاستقلال المادي .

3/ يحرص الالتراس دوما على حضور كافة مباريات النادي داخليا وخارجيا مهما كانت التكلفة  لمساندة الفريق أيا كان الاداء، غير محبين للظهور الاعلامي فهم يتمتعون بروح جماعية تُغلب مصلحة النادي والرابطة على المصالح الفردية.

ماذا بعد غروب شمس الالتراس عن ملاعبنا؟

«وسائل الإعلام المختلفة لا تعير اي اهتمام لعنصر الجمهور في لعبة كرة القدم رغم أنها بدون الجمهور لاشئ ..إنها تعبر عن الاخلاص والانتماء الذي بدونه ستكون كرة القدم عبارة عن 22 لاعبا يركضون داخل قطعة أرض خضراء …ياله من شئ ممل حقا.. الجماهير هي التي تجعل من هذا الشئ الممل شيئا يستحق المشاهدة»

(جون كينج.. صحفي أمريكي)

مُنعوا من التواجد في المدرجات فرحلت معهم متعة المباريات وسجل الانتصارات خارج الارض، كما غابت الروح الرياضية الجميلة التي عهدناها في المباريات التالية للثورة فرأينا كلا الالتراس الاهلاوي والوايت نايتس يتبادلان أغاني الآخر في مشهد رائع لم تطويه الذاكرة منذ 2011 إلى هذه اللحظة.

مع غياب الالتراس تراجعت الكرة المصرية أشواطا للخلف،كما اصبح لدينا أجيالا من اللاعبين لم تعتاد الحضور الجماهيري وهو مانعكس سلبا علي قطبي الكرة المصرية، فابناء القلعة الحمراء لم يتمكنوا من حصد بطولة افريقية منذ العام 2014، فيما يتعلق  بأبناء ميت عقبة رغم عودتهم لمنصة التتويج افريقيا الا ان الاداء في الدوري المحلي لايزال متذبذبا نظرا لغياب عامل الجمهور .

«لم أري في حياتي جمهور بهذا العطاء..أتشرف بالعمل مع فريق يمتلك مثل هذه الجماهير المبهرة»

(مانويل جوزيه_واصفا جمهور النادي الاهلي»

غياب الالتراس ايضا ادى الى ظاهرة  الهرج بالملاعب والمتمثلة في الاعتداء اللفظي على لاعبي المنافس واحيانا للاعبي الفريق نفسه حال عدم الرضا عن الأداء، فضلا عن تحطيم أجزاء من المدرجات مع ترديد كلمات مسيئة لمدرب الفريق الآخر أو مشجعيه في مشهد لايمت بصلة لاي من الفرق، ولعل ابرز مثال شاهدناه في مباراة السوبر المصري التي جمعت بين الاهلي والزمالك علي ملعب محمد بن زايد بالامارات.

لكن هذا هو الطبيعي في غياب  روح الالتراس التي استبدلت بجماهير المنصات الاجتماعية والتي تشبعت مبكرا بالتعصب ، هذا النوع من الجماهير لن تجد منها الاندية المساندة او الدعم حال تردي النتائج كما أنها تلعب دورا في زيادة الضغوط على لاعبي الفريق نظرا لانتقادهم الفوري للاعب الذي لا يحالفه الحظ في احدي المباريات، وهو ما ينذر بانهيار مستواه أن لم يتمكن من اجادة التعامل مع تلك الضغوط.

يمضي العام تلو الآخر وتحل أحزان فبراير حاملة ذكري من غادرت أرواحهم من جماهير الالتراس،و رغم ما تحمله الذكري من آلام الا أننا نشهد شيئا نادرا يجمع بين جماهير الفريقين،فتبدأ الصفحات الداعمة لهذا الفريق بمواساة جماهير الفريق الآخر وترد عليها صفحات المنافس ايضا بنفس الرسالة في الذكري الأخرى،فنرى مشهدا متحضرا يربكنا بالعديد من الأسئلة التي تحاصرنا “إذا ما تلك التعليقات الممزوجة بالتعصب التي لا تغادر المدرجات والمنصات الاجتماعية عقب كل مباراة تجمع القطبين؟

حبك لفريقك وشعورك بالظلم التحكيمي ليس مبررا لكراهية جماهير النادي المنافس، فليس لهؤلاء يدا في مايدار من صفقات خلف الأبواب المغلقة، ليس ذنبهم ان احبوا ناديا منحهم الرمز والقدوة، الامر ذاته حينما تكره ناديا بعينه ليس لسوي أن القائم علي ادارته يكيل لناديك الاساءات ليل نهار، الجمهور ليس مذنبا فهو لم يختر ادارة ناديه مثلك بالضبط،عندما ترى فريقك انه الافضل هذا لا يعني كونك على صواب والآخرون على خطأ ، فصديقك ايضا يرى فريقه كذلك، فلا تجعل الامور تصل الى الافتراق بسبب منظومة كروية تدني فيها المستوي الاخلاقي إلي الصفر و ربما تحت الصفر.

في الختام ، تلك كانت قصة الالتراس ..قصة ال74 عاشقا وال20 مخلصا ، من كانت ارواحهم تملأ مدرجاتنا بهجة يوما ما..فرحم الله تلك الارواح الطاهرة.

ندا شوقي
ندا شوقي
معلمة لغة إنجليزية ، كاتبة ومدونة مهتمة بنشر ثقافة التعلم الذاتي والتطوع ، أؤمن بأن المرء يستشعر قيمته في حالتين إما أن يكتب شيئا يستحق القراءة أو أن يفعل شيئا يستحق الكتابة .

اترك تعليقا