الفنون والحركة
فن

الحركة والفنون

 على الحد بين الموسيقى والشعر يرقص درويش معاصر، فاحصًا بدورانه عالمين مختلفين من صورة ونغم، يظن العالم يكلمه والعالم أصم أبكم ما كان ليولد لولا لؤلؤ عيني الدرويش ومصفاة أذنه، عيناه تعكسان الحرف إيقاعا يطرب له جسد العازفين، وأذناه تعتصران النغم صورا يسكر لها الشعراء. ذلك الدرويش راقص بين الفنون، جسده حبل ممدود يصل السماء بالأرض.

الفنون, الحركة

استمع معنا لموسيقى موريكوني ستجدها تدب بالحركة ومع تغيير الإيقاع سيتغير شعورك بنوع الحركة المناسبة. للفنون مدارس علّمتنا أن الرقص حقل غير السينما وكلاهما يخالفان الموسيقى جملة وتفصيلًا.  لكن دعونا نغمض أعيننا قليلًا في محاولة البحث. تلك التفاصيل الصغيرة تشير بدقة لذلك الجذع المشترك الذي يحمل الفنون جميعًا، الحركة. في الفلسفة الشرقية تشتهر الحركة كمرادف للحياة، اقتبسها هيراقليطس مرة قائلًا:” إنك لا تعبر نفس النهر مرتين، فلا أنت أنت ولا النهر هو النهر”.

فالفن في أقصى الشرق هو الحياة بتنوعها وحركتها، ويتعامل الروحاني الشرقي مع نفسه كتعامل الفنان الغربي مع قطعه الفنية. ربما ذلك ما ألهم دكتور الفلسفة الأمريكي “ريك رودريك” لتشبيه اقتباسات “نيتشة” الشبيهة بحكمة الشرق في عديد من المواضع، قائلًا: “يريدنا “نيتشة” أن نتجاوز ذاتنا بأن نرعاها كما لو كانت قطعة فنية”.

اللغة والأوهام:-                                  

وهم الصمت: الصوت نابع من الحركة كما يُعلمنا الفيزيائيون، أما الفن الصوتي والموسيقى فيعتمدان على إدراك الإنسان لماهية الصوت وإيقاعه الداخلي، نظن أن لكل شيء ضد موجود، وأن الصمت ضد الصوت، ولكنها حيلة لغوية يتحداها فنانو الصوت ليظهروا كذب اللغة. حاول أن تصمت ولكنك ستستمع لصوت نفَسَك ودقات قلبك. هذه الفكرة جعلت “جون كيدج” يتنازل عن تأليف الموسيقى ويؤلف الصوت بدلًا منها. فقدرة الأصوات على تحريك خيالنا لنُدرِك القُرب والبُعد والعُلو والإنخفاض يجعلها مثل الموسيقى قادرة على الإلهام لمن يُنصِت.

يقول كيدج”عندما أستمع للموسيقى لا يرد في ذهني سوى أنني استمع لشخص يتكلم عن أفكاره وحبه ومشاعره، ولكن حينما أستمع لصوت الشارع حولي في منطقة سكني لا يتملكني ذلك الإحساس بوجود شخص ما يحدثني بل أشعر بأن الصوت تفاعل حولي وأنّي ألمس تفاعله، أحب هذا التفاعل وما يصنعه بي حينما يتسارع  ويتباطأ ويعلو ويخفت ويقترب ويبتعد، كما قول دو شامب الموسيقى تخلق بداخلنا إحساسا بالمكان وتفاصيله فليست فنّا زمانيا فقط، وكذلك الأصوات”

كلمة الصمت موجودة في اللغة ولكن دون دلالة تشير لها، هكذا يذهب فنانو الصوت للاعتقاد دائما، الصوت قماشة عريضة يشكلون منها ما يدحض وهم الصمت الذي يؤمن به الإنسان.

 وهم السكون:

الحياة موج بحر وجوده حركة، لو أطلنا النظر إليه بمهارة التحليل البصري عند الرسامين لتلاشت الصفات المميزة لكل موجة وذابت وستبقى في مجال رؤيتك إحساس الحركة. كان بعض الرسامين يحبون مثل هذه الحيل البصرية لينفذوا إلى الإحساس الأعمق بأن الكون مستمر الحركة قبل محاولة نسخه أو تحليله عن طريق الفن. اللغة تخدع أيضا حين الحديث عن السكون، فالحركة دائمة بداخلنا وفي اتصالنا مع ما حولنا لكن اللغة اخترعت ما يسمى سكونا كأن هناك نفي للحركة. تماما كالصوت، حاول أن تتبع أي لحظة سكون وستجد أن بداخلك حركة تدحضها.

قطرات الماء وسط الموج
عدسات تضيف ألوان الأرض
للسماء
…….
شكل الغروب يعمي عن دور البحر
في ري زهور الفيروز في الأفق
…….
الشكل قيد وليست القيود أقدارًا
فإذا غاب القيد ظهرت الألوان
ثم تتلاشى تدريجيًا ليظهر غيرها
……
إذا انفك قيد الشكل رأينا
الحركة قدر الحياة

الفن ومشاركة العالم

كانت الفنانة المفاهيمية والفيلسوفة أدريان بايبر تؤكد على صعوبة تقسيم الفنون وعدم جدوى تلك التقسيمات، كانت تتعمد في معارضها أن تربط الكلمة بالشكل وتطلب من رواد المعرض الفني أن يصدروا أصواتا معينة لتتناغم مع إحساس المساحة والرنين في معارضها الفنية، كانت تفضل كلمة البحث الفني بدلا من صناعة الفن، فالفنان من وجهة نظرها هو نقطة إلتقاء مؤثرات الحياة بروحه الحية الشغوفة للبحث تماما كالمباحث الإنسانية الأخرى كالعلوم والفلسفة.

فكما أن الفن لا قيمة له بدون الإنسان أيضا الفنان لا يقدر على خلق عالم فني دون مهمة البحث ربما يظن البعض أن الفن هو عملية إنتاج فقط تخص الفنان ولكن بالتأكيد أن تذوق الفن لا يخلو من الصفات الفنية. فمن أجل متعة أكبر وتواصل أعمق مع العالم لا تبحث عن إجابات، كن سؤالك.. كن باحثا.

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا