كلاود
رأي

كلاود

إلى كل من يتراكمْ المطر في عينه، إلى من يرفض طلب المطر في أوقات جدبه، وإلى من يأبى استخدام المظلّة في ليالي الشتاء المطيرة، هذا النّص كُتب ليُرافقك في هذه اللحظات التراچيديّة.

مرحبًا عزيزي القارئ! دعني أخمن.. تتساءل ماذا يختبئ خلف إدراكك ووعيّك بهذه المشاهد، ولم قد يُكتب نصًّا من أجل ذلك، سأتركك تستكشف هذا بنفسك.. وبطبيعة الحال بما أنّك هنا دعني أظهر القليل من اللطف وأَسألك: كيْف حالك اليوم؟! أرجو أنك على خَيْر ما يُرام، وأُخبرك أني لا أعدك أَن تخرج على هذا النحو.

سأمرر لك حيلة سأستخدمها الآن، ربما ستثير غيظك لكن قد تستمتع باستخدامها مُستقبلًا، سبق أن سمعت عن استخدام رمز وتكثيف مجموعة من المعاني فيه بصورة مُبهمة -بشرط وجود رابط-؟! ما يُطلقون عليه في جماليّات اللغة العربية الكناية، أَعتقد أنّك فعلت.. هذا تحديدًا ما أنا على وشك فعله.

لي صديقة سنمنحُها اسم ( كلاود cloud) أيْ: سحابة، أَتعرف دورة تكوّن السحاب؟! يتكوّن السحاب إِثر تبخر مياه المسطحات المائية بفعل حرارة الشّمس، ثم نتيجة لبرودة طبقات الهواء العليا يتعرض للتكاثف و… دعنا نكتفي بهذا القدر من المعلومات، فليس من مجال للخوْض في شرح هذا بِإسهاب، لِنعُد لقصتنا.. تكوّنت (كلاود) بسبب أَزمة الاحتباس الحراري التي داهمت العالم، سحابة رماديّة تميل للون الأبيض تطفو في سماءٍ عَهِدَتها صافية، منذ فترة تجزم أنّها ليست بقصيرة، لكنْ انظر لحالها الآن (كلاود) تشوب صفاءها.

رحلة أيّ كائن يتكوّن في هذا الكون هي أن يستمر بالنمو، لا مجال للرفض أو التّوقف بطرقٍ سلمية، لذلك يجدر بك إيجاد هدف ورسالة لتمنح هذه العدميّة المطلقة معنى وقيمة. سيصبح الأمر كارثيًّا إن لم تفعل.. تتساءل لماذا؟!

استمرّت (كلاود) بِالنمو، سحابة تكبر وتتضخم، تعطي منظرًا مهيبًا حين تتمكّن من إخفاء أشعة الشمس عن الأرض، واستراحةً من عناء الحر لعامل قضى ما يقارب خمس ساعات يعمل تحت سطوة الشمس، وفرصة جديرة بالانتهاز لكل مصوّر يرغب بالتقاط لقطة مميزة غايّة في الجمال! لكن الأمر لا يبدو كذلك في عقل (كلاود)، تتساءل بلومٍ كيف تحرم زهرة تبّاع الشمس من سيّدتها، كيف لها أن تحجب الشمس عن الأجلُومِينا، كيف يجدر بها النمو الآن؟.. الكثير من التساؤلات التي قد لا ندركها، لكن على الأقل نستطيع الجزم أن الصورة من جانبها تختلف كثيرًا عن تلك التي في أعيننا.

في رحلة نمو السحاب يزداد حجمه بمقدار ما يحمله بداخله من ماء تعرّض للتكاثف، ويتّخذ أشكالًا مختلفة وفقًا لعدة قوانين فيزيائية، من ثم يتحوّل السحاب إلى غَيْم، في لحظة لا تدركها بعينك. كيف لك أن تُدرك؟! إنها (كلاود) ذاتها التي عرفتها دائمًا!! كان يزداد حملها من كلّ سوء العالم وتكبر وتستمر في التضخم، تتحول من سحابة إلى غيْمة، وطوال خمس سنوات تأبى أن تبكي مطرًا، هي قطْعًا لا تريد التسبب بِمشاكل أُخرى لسكان الكرة الأرضية، ستصمد وتمتص الأبخرة المتصاعدة من سطح المحيط، وستتلاشى يومًا بهدوء وتختفي وتصبح أسطورة فوق سطح محيط، تمامًا كما حدث مع أطلانطس الأسطوريّة في العصور القديمة، لكن لسوء أو لحسن حظّها لم نكن في العصور القديمة ولم تكن هي أطلانطس الأسطوريّة، كنا في واقعية بحْتة في القرن الواحد والعشرين.

في يوم صيْفي من أيام شهر مايو تخرج الأمور عن السيطرة وتنفجر (كلاود) سيولًا.. تبكي كلّ لحظة صمود مضت، كلّ ضحكة اصطنعتها، كلّ “أنا بخير لا تقلقوا.” تفوّهَت بِها، كلّ تَجربة بشريّة أجبرت نفسها على الخوض فيها، كلّ قطرة لم تمنحها سبيلًا للخروج، كلّ هبة رفضتها بزعم أنّها لا تستحق، كلّ لحظة صراع مع النفس، وكلّ لحظة استسلام لِطَيْف الاكتئاب.

أذكر في إحدى نقاشاتنا المخيفة، ولا أبالغ إن نعتُّها بالمرعبة، بشأن أفكارها الانتحارية، سألتْنِي معاتبة: “لست أرغب سوى بالذهاب إِلى الله، فلم كلّ هذا الرفض والتمسك إن كنت أنوي الذهاب لمكان أفضل؟!” الحق أن السؤال هزّني، احتجتُ لبضع دقائق لأستوعب هَوْله.. فداحته، أيصل الشخص إلى هذه الدرجة من التِيه؟! أيتملك الفراغ كيانه وعقله إلى هذا الحد؟! أجل يفعل وليس من أحد معصوم من الوصول لهذا الحد، جاء ردي عليها وأنا أحاول بكل ما أوتيت من تبلّد أن أخفي البحة في صوتي التي تسبق كلماتي: “لكن طريق اللّه أسهل من هذا، ليْس عليكِ سلوك الطريق الصعب.”

لكن وعلى عكس ذلك فالطريق لمريض الاكتئاب صعب، لِكيْ تصل إلى أعماقه وتَنبُش بِها.. يبدو الأمر جنونيًّا حد الرعي، تخلّ عن المنِطق؛ إن كنت تنوي التمسك بمنطق فَلا سبيل لذلك. مريض الاكتئاب يريد منك أن تنصت له.. لأفكاره التي لا تبدو منطقية البتّة دون أن تحكم عليه، لعالمه الهش الذي يهوي فوقه دون أن تخبره أنّه المُتسببُ في هذا، يريد أن يخبرك أن القطط التي تسبب إِزعاجًا ليلاً على ناصية الشارع هي السبب في عدم نومه دون أن تُكذّبه، وأنه لم يستيقظ في الصباح لأنه لم يسمع صوت المنبه دون أن تجري معه تحقيقًا، يريدك أن تتفهم.. أن يصلك عمق كلماته، كما يحدث حين تستمع لأغنية بلغة لا تجيدها، وعلى الرغم من هذا تلمس جزءًا منك، هكذا تمامًا ما يتوقع منك أن تفعل.. أن تتفهم.

(كلاود) لا زالت عَلى قيْد الحياة، أخبرك بهذا في حين كنت قلقًا حيال ما حلّ بها. (كلاود) كانت قريبة جدًّا مني، وقد تكون كذلك بالنسبة لك. أكتبُ هذا لأخبرك أن عليك الانتباه وملاحظة لحظة تحوّل السحاب لغيْم. سأنهي الكتابة لأن دورِي ينتهي هنا، فأنا لست هنا لأقدم لك الحلول؛ الحلول تأتي منك بالضرورة.

لينا كودو
لينا كودو
طالبة بكلية الأسنان، والكتابة مساحة الأمان الخاصة بي.

اترك تعليقا