الفن في زمن الكورونا
فن

تأملات فنية في زمن الكورونا

هذه المرة سنستمع إلى كيورجيف معًا إذا أمكن ونمضي سويًّا في الاستكشاف، كيورجيف الرحّالة الروحاني الباحث عن ذاته وحقائق الكون، تَردد كثيرًا قبل كتابته لأول كتبه ونشره لتعاليمه، ففي حقيقة الأمر يبدو الأمر مهمًّا لنا، أمّا له فكان في حيرة؛ ألا تكفي موسيقاه ورقصاته في التعبير عن فلسفته؟ لمَ يجب عليه أن يحولها لتعاليم تقليدية ينشرها مكتوبة؟

ربما استمعت إلى آلاف النصائح وقرأت مئات المنشورات عن مرض الكورونا الذي يجتاح عالمنا الوحيد الذي نعيش فيه، يبدو الأمر مقلقًا، فما أهمية الفنون والحب وكل فعل إنساني في هذه الظروف؟

كأن القدر يجبرنا أن ننفصل وننعزل لنبقى على قيد الحياة، ولكن أي حياة هذه التي نتحمس لها ونحن على مشارف الوحدة والتقوقع؟ هل الحفاظ على الذات بتلك الأهمية التي تجعلنا نتنازل عن الآخرين؟

كل هذه الأسئلة ترد بذهننا دافعة إيانا لمواصلة نمط حياتنا القديمة وتفضيل الاجتماعيات التقليدية على احتمالية الإصابة بالمرض، ولكن في هذا المقال أحب أن أناقش هذه النقطة من ناحية فنيّة روحانيّة بحتة…

“ركّز انتباهك في ذاتك، تذكر نفسك دائمًا، عِ كل لحظة.. ما تفكر فيه وما تحسه وما تشعر به وما ترغب فيه وما تفعله.”

كيورجيف

حواسنا نافذة واحدة كبيرة تنقلنا من عالمنا الداخلي المليء دائما بالأنانية ووهم العزلة إلى ساحة التواجد مع العالم، ربما تابعت فنونًا كثيرة وبالتأكيد ستدرك أن أكثر لحظات إدراكك للفن كانت لحظات تمتلئ بها روحك بكل ما تراه أو تسمعه أو تحسه.

يتساءل الناس ما هو الشيء الجميل؟ وهل الجمال موجود وحقيقي؟ ولكن السؤال الأهم دائمًا هو، هل أنت موجود وحقيقيّ؟ أم أنك كما تقول القصيدة الفارسية مصاب بمرض الموت وتغلق عينيك عن الحياة؟ ربما كان الخوف كبيرًا ولكن لذة الحركة دائمًا ما كان لها الانتصار داخل روح الإنسان، لعلنا إذا فتحنا نافذتنا على العالم بطريقة جديدة لوجدنا رحابة الفن مطمئنة لقلوبنا.

مدارس في تأويل الحياة الفنية:-

مدرسة الاستقلالية:

لوحة ليلة مرصعة بالنجوم لفان جوخ

تميل المدرسة الغربية إلى زرع الفردية والاستقلالية في نفس المواطن الغربي والفنان الغربي بصفة خاصة ليشعر أثناء صناعته للفن أو تأمله أنه يرى شيئًا منفصلًا عنه يثير إعجابه فيشتهر مثلًا نمط المتاحف في الغرب حيث تدخل للمتحف معزولًا عن القطع الفنية، تتأملها من على بعد دون أن تلوثها أو تتفاعل معها بأكثر من الرؤية أو الإنصات في حالة الفنون السمعية.

مدرسة الاتصال الدائم:

تميل المدرسة الشرقية إلى تربية روح الجماعة قبل روح الفرد منذ قديم الأزل، يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن الفرعون كان نصف إله لأنه مركز الحكم وحتى حركات الكفر في مصر القديمة لم تنكر وجود الآلهة أو الفرعون بل  نسبت إليهم الظلم فقط، لأن الكافر متصل فكريًّا بكل منتجات مجتمعه الشرقي الفكرية والدينية والفنية، هو جزء من الجماعة لا يرى نفسه فردًا مستقلًا بأي شكل، هكذا دفعت الحياة الزراعية عقلية المدرسة الشرقية إلى إنتاج فنون خارج المتحف، في الشوارع والمساجد والكنائس والمعابد حيث تتصل بالجموع.

مسجد السلطان حسن

مدرسة اللاانفصال:

تميل هذه المدرسة الروحانية إلى اعتبار الإنسان في اتصال دائم مع الكون لا المجتمع فقط، عند الاتصال مع الكون يتصل الإنسان بوعيه وحواسه ومشاعره أما الاتصال مع المجتمع فيتم من خلال إطار العادات والتقاليد تبادل النصح والاجتماعيات، في حالة اللاانفصال يدرك الفنان ذاته كأن الطبيعة تحدثها دائمًا بلغة خاصة عكس مدرسة الغرب والشرق. دائمًا هناك إلهام في هذه المدرسة فكل شيء يحدث الفنان. حتى إن الغرب المعاصر أضاف لفنونه مساحات أدائية ومفاهيمية جديدة تجعل المتاحف مساحة ليستكشف الإنسان ذاته في علاقته مع العمل الفني، يسمح بالاتصال والدندنة وغيرها من الإنسانيات حتى تتحدث الأعمال الفنية للمتلقي من رواد المتحف.

استمع الآن إلى موسيقى كيورجيف وأنت تستشعرها دفقات من الألحان متصلة ببعضها بزمنها الداخلي، استسلم لذلك الزمن ستجدها تلمسك بنفس قدرة ما حولك على لمسك، هذه هي المدرسة الثالثة، تصحبك دائمًا، فقط تذكر أن الحواس نافذة واحدة لا نوافذ عدة، ركز انتباهك عليها كما يقول كيورجيف وستجد الفن أكثر وضوحًا. القلق والخوف دائمًا ما يسحبنا للداخل فنظّن الحياة منقطة منفصلة، ولكن الفن هو السبيل لتجاوز أوهام الانفصال.

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا