ثورة 25 يناير
تاريخ وسياسة

عن اليوتوبيا التي ضاعت في الميدان.. ثورة 25 يناير

إن سوء الحظ قد يذهب بالثورة، ولكن قوة الفضيلة هي التي تدوم، طوبى للرجل الذي يتمسك بالفضيلة ويسير على هداها

بتاح حتب

عندما تجمعت كل أطياف الشعب في التحرير أثناء ال18 يوم ثورة، ساد الوئام الاجتماعي بشكل كبير وظهرت فكرة تقبل الآخر بشكل واضح وتحرك الجميع انطلاقًا من البحث عن أرضية مشتركة وكان هناك بريق أمل يُنبئ بأن الطريق ممهد للتعاون ولكن بعد إنجاز المهمة الأكبر ألا وهي إسقاط النظام 18 يوم ظن الغالبية من الحالمين بأن الميدان تحول الى المدينة الفاضلة وأن القادم لابد وأنه سيكون مليء بالتعاون

عندما قال مبارك فى خطابه الأخير قبل التنحى :” إن المصريين جميعًا في خندق واحد الآن، وعلينا أن نواصل الحوار الوطني الذى بدأناه بروح الفريق وليس الفرقاء، وبعيدًا عن الخلاف والتناحر، كى تتجاوز مصر أزمتها الراهنة، ولنعيد لاقتصادنا الثقة فيه، ولمواطنينا الاطمئنان والأمان، وللشارع المصري حياته اليومية الطبيعية “، كان محقًا لأن بالفعل المصريين كانوا جميعًا وقتها معًا في خندق واحد ضده، وكان هناك حوار وطني حقيقي داخل الميدان وبدأ الجميع فى محاولة العمل بشكل جماعي لإسقاط النظام، أما بالنسبة للاقتصاد والأمن والامان والحياة الطبيعية فكانت المشكلة فيه هو وفي عناده

وأيضًا المستشار “أحمد رفعت”  -قاضى محاكمة مبارك- قال فى كلمته قبل بداية المحاكمة المخصصة للنطق بالحكم على مبارك ومن معه، تلك الثورة صاغها الله على قلب رجل واحد ولو اجتمع ما في العالم جميعًا ما ألف بينهم ولكن الله ألف بينهم وحماهم وظللهم بجراد الحق فزهق الباطل وكان زهوقًا ومحا الله آية الليل المظلمة وجعل آيه النهار مبصرة ليبتغي الشعب فضًلا من الله لمستقبل حميد ليرفعها الله إلى أقصى درجات العزة بين الأمم.

كان التوافق ظاهر جلي أثناء ال 18 يوم للثورة رغم ظهور أغلب الحركات والأحزاب المعارضة داخل الميدان، وتخلى أغلبهم عن صفته الحزبية أو الحركية وتعامل الجميع بصفتهم مصريين دون مزايدة أو فرد عضلات حتى سقط مبارك فى 11 فبراير وفرح الجميع معًا وشعروا بأن الحلم اصبح حقيقة وأن مصر لا تقل عن تونس، وبدأ الخلاف بعد ذلك البقاء فى الميدان واستكمال الاعتصام لحين تحقيق مطالب الثورة أم الذهاب الى البيوت واستجماع الطاقة وإعادة الحياة الطبيعية.

بعد ذلك كان التخبط والانقسام عند أول استحقاق دستوري وهو التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها فى 19 مارس 2011 حيث أيد التيار الإسلام السياسي إجراء الانتخابات أولًا، بينما طالبت القوى الثورية وكثير من الائتلافات الشبابية بوضع الدستور اولًا ائتلافات وأحزاب وحركات ونشطاء سياسيين أفرزت الثورة الكثيروالكثير وذهب التوافق بلا رجعة وأصبحت حالة الاستقطاب هى المسيطرة.

“الإشكالية التى واجهها المجتمع المصري إبان شهور ثورة 25 يناير هو وجود فائض فى حديث فى السياسة، ليس بمعنى السياسات العامة التى تواجه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولكن بمعنى المساجلات، وأحيانًا المهاترات السياسية. يغيب الكادر الفنى المتعلم، ويظهر فى الصورة الإعلامية ما يطلق عليه الناشط السياسي الذى يرفع الشعارات العامة الفضفاضة دون أن يقدم حلولًا تعين المجتمع على تجاوز عثراته، وتضعه على طريق النهضة 1

فى عام 2013 جاء أحمد حرارة (وهو من فقد عينيه فى أحداث الثورة وأحداث محمد محمود التى تلت الثورة وأحد رموز الثورة البارزين) إلى جامعة الإسكندرية  ليلتقي بالشباب بدعوة من أحد الأسر المعروفة بنشاطها السياسي فى الجامعة أنذاك وبعد أن سمع من الطلاب عن الظلم وتضييق الحريات وعدم تحقيق أهداف الثورة وضياعها، سأل حرارة سؤال وطلب من الجميع أن يرد علي على هذا السؤال  ما هو الحل؟ لماذا لا نضع حلولًا؟ وهنا كان الصمت هو الغالب..

اخذت الرومانسية الثورية الكثيرمن وقت شباب الثورة ووجد أغلبهم أن الانخراط فى صراعات صفرية مع بعض التيارات الأخرى أجدى  من تجهيز أنفسهم ليكونوا من النخبة التى تستطيع تحقيق أهداف الثورة، حدث ذلك بدون وعي منهم بالتأكيد وقلة الخبرة وعدم النضج وأيضًا جرهم جرًا إلي هذه الصراعات أو استفزازهم واغلب النخب التى كانت موجودة بالأساس لم تكن أيضًا مؤهلة بشكل كامل لتتصدر وتصنع فارق فى هذا الوقت الصعب

“نخبة فقيرة فكريًا اعتادت على الخطابات الثورية الفضفاضة الحماسية الخالية من الدسم الفكري والسياسي، وتعاني من ضعف شديد في الابتكار الفني والهندسي لمشكلات التنمية والاقتصاد والمجتمع، لا تدري أن بناء الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والارتقاء بالخدمات الأساسية يحتاج إلي خطط واضحة، لم تطرحها القوى السياسية، ولم تتداولها النخب الثقافية، ولم تشغل حكومات مؤقتة متعثرة تريد تسيير دولاب العمل اليومي لا أكثر ”  2

انعكس كل هذا على المواطن الذي لا يهتم بكل هذه التفصيلات من نخبة وديمقراطية ومدنية وإسلام سياسي وحريات وخلافه، وأظهرت دراسة ميدانية لشركة TNS العالمية التى أجريت بناء على طلب قناة الحياة حول المزاج السياسي المصري قبل الانتخابات عقب الدراسة السابقة، التى أجرتها الشركة لشبكة تليفزيون الحياة عن 100 يوم على الثورة، وأذاعها برنامج < الحياة اليوم> وأكدت الدراسة أن الشعور بسوء الأحوال الاقتصادية والمعيشية زاد بعد 8 شهور من ثورة 25 يناير إلي 62٪ بعد أن كان 41٪ فقط بعد 3 أشهر منها، الأمر الذي أثر بدوره على المؤيدين لها، فرغم تأكيد الأغلبية للثورة، فإن عدد المؤيدين انخفض إذا ما تمت مقارنته بالأيام الأولى للثورة، ونتيجة لاحساسهم بأنها لم تحقق توقعاتهم بالعدالة ومكافحة الفساد والحد من الفقر. 3

إذن ” فعندما لا يثق الناس في النخب السياسية المنقسمة، والأحزاب والجماعات، التي يضع معظمها مصالحه فوق كل شيء، لابد أن يستيقظوا من حلمهم الديموقراطي.

وحين يزداد اقتناعهم بأن هذه الأحزاب والجماعات غير مؤهلة لبناء نظام ديمقراطي فعال قادر على معالجة الأزمات الكبرى من الأمن إلي الاقتصاد، مرورًا بمختلف مناحي الحياة، يصبح التطلع إلى حاكم قوي يستطيع تحقيق ذلك هو الحل ” 4

لم يجد الشباب مكانًا لهم في البرلمان واستطاعات قوى الإسلام السياسي أن تسيطر على أول برلمان بعد الثورة وعندما جاءت الانتخابات الرئاسية لم يستطيع المرشحون المحسوبون على القوى المدنية أن يضعوا مشروع حقيقي للتغيير ويتوافقوا عليه وفضلوا أن يتنافسوا فأصبحت الأصوات القادمة لهذا التيار مفتتة، ووجدت مصر أنها واقعة بين اختيار الفلول ويمثلهم أحمد شفيق أو اختيار الاخوان المسلمين وكأن الثورة لم تقم؛ وهكذا بعد عام ونصف من الثورة وبعد استحقاقات انتخابية متعددة كان الاستقطاب مسيطر على عقول وتصرفات الجميع!

“إن التطلع إلي المستبد العادل يبدأ عادة عندما يتراكم الاحباط من نظام ديمقراطي، أو يشتد العجز عن إقامته في الوقت الذى تشتد فيه معاناة الناس ويقل صبرهم إلى أن ينفذ، وحين تظهر هذه الفكرة، فهي تبدو برّاقة في حينها فتداعب الخيال الجمعي لدى الشعوب التي لم تترسخ لديها الثقافة الديمقراطية، خصوصًا حين تجد أن الحرية التي تطلعت إليها لا تحقق لها أمنًا، ولا توفر لها خبزًا، ولا حتى مشاركة سياسية حقيقية”  5

الثورة وهي في بدايتها سعت إلى الوصول لكل ما هو سامي وراقي، وضربت مثال رائع في السلمية واستخدام قوة الحناجر بالهتاف للمطالبة بالحقوق المشروعة، ويعتبر أهم مكتسب من مكتسبات الثورة هو فتح المجال العام لكافة التيارات، من الممكن أن نقول أن هذا المكتسب لم يتم استخدامه بشكل صحيح بنسبة كبيرة ولكن لنتذكر أننا تناولنا جرعة ثقيلة من الحرية مرة واحدة في وقت كنا في طريقنا لنسيان معنى هذه الكلمة وسنقوم بشطبها من قاموسنا، أخذنا الجرعة بدون تدرّج فسببت لنا بعض الألم، والآن توقفنا عن تناول ولو جرعة  بسيطة حتى لا نصاب بأي ألم !

وستظل الثورة من أفضل الأمور الغير مكتملة التي حدثت فى مصر، زادت من الوعي وجعلت الأمور وكأن أصبح لها شكل جديد، فلا شيء بعد الثورة أصبح مثلما كان قبل الثورة حتى النفوس..

ربما تظن أنها جملة مليئة بالشجن والحنين للثورة ولكنها حقيقة فبالفعل كل شيء تغير حتى الأمور التي تغيرت للأسوء؛ ولكن مازال هناك أمل بأن القادم سيكون أفضلًا!

 ” أيها الحالمون: الواقع معقد: أهدافكم نبيلة.. أنتم لم تفشلوا وما فعلتموه لمصر كبيرًا جدًا، لكن الأهداف الكبرى لا تتحقق بخروج مظاهرة، أو حتى اعتصام طويل.

الأهداف الكبرى تحتاج جهدًا هائلًا والأهم قراءة الواقع بصورة موضوعية ودقيقة.. فماذا أنتم فاعلون؟! ” 6

مراجع

1  (حين تعجز ثورة عن بناء نظام جديد) د.سامح فوزي
الملف المصري ( دورية شهرية عن السياسة والمجتمع في مصر) تصدر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيچية بالأهرام العدد 18   – فبراير 2016
2  نفس المرجع السابق
3   للتعرف أكثر عن الدراسة الميدانية كتاب واحد من الميدان ل فتحي المزين – دار إبداع للنشر والتوزيع
4  من مقال ( الشعب يريد إسقاط الديمقراطية ) د.وحيد عبد المجيد جريدة المصري اليوم الجمعة 24 يونيو 2011
5  نفس المرجع السابق
6  من مقال ( الثورة ليست مظاهرة ) عماد الدين حسين جريدة الشروق  الأحد 15 يناير 2012

طارق عبداللطيف
طارق عبداللطيف
مدوّن ومحرر صحفي ومهتم بالتاريخ

اترك تعليقا