رأي

بين الأصل والصورة

  يظل الفن وتأثيره على نفوس البشر أحد الألغاز التي تعجز اللغة عن شرحها وتبسيطها، يصعب أن تبرهن بصوت العقل والمنطق لم يصبح الشيء جميل، لم يصبح الفن لغة خاصة بالإنسان وكأنه يستنطق بها مشاعره، هواجسه، طموحاته، سعيه نحو اللاممكن، تفرده وذاتيته، قدرته على التعالي فوق الفناء بخلق شيء جميل خالد!
 يصبح الفن شفرة لا يمكن فكها إلا بروح تدركها ،وتتأثر بها وتتماهى معها، ولذا يقول توفيق الحكيم :”الفن أداة الإنسانية لتأمل ملامحها ومعرفة نفسها.”

عندما تقع العيون على لوحة فإن الذي تراه ليس اندماج الألوان فوق اللوحة، ولكن استنطاق الشعور الانساني في محاكاة إعجازية، القدرة على الوصف وتمثيل الحقيقة ببساطتها وتعقيدها، ربما الفن محاكاة لقدرة الإله على ابتداع الجمال، فتبقى الحقيقة في تفاصيل وجه حسناء أو جمال وردة هي الصورة الأصيلة والتمثل الأولي لهذا الجمال، الذي يحاول الفنان محاكاته بإضافة لمسة روحه في رؤيته، ينقله لنا من خلال عينيه واندماجه مع شعوره..

ولكن ما الذي يجعل لوحة مثل الموناليزا في مثل هذه الشهرة ولا يمكن لأي لوحة مقلدة لها أن تأخذ نفس صيتها، إذا كان الفن في كينونته يهدف إلى إشعار الإنسان بالجمال واستنطاق عواطفه فلم لا يصبح كل من يستطيع أن يمسك الفرشاة ويقلد ما يراه من لوحات فنانًا؟ ففي كل الأحوال كانت اللوحة مرسومة للمرة الأولى أو مقلدة سيظل التفاعل البشري معها ذاته في إطار إدراك الجمال والتأثر به، فما الذي يعطي النسخ الأصلية هذه القيمة التي تسلب من كل محاولة للتقليد؟

تصبح الأصالة بنظرة أخلاقية جزءاً من جمال الشيء، ومصداقية العمل الفني لا تقل أهمية عن تفاصيله البديعة، وتعود هذه النظرة لكون الفن في ذاته قيمة تخضع للمطلق من المعاني كالجمال والحرية والإبداع والتفرد، هذه الصفات إن تنصل منها أي عمل فني خلي من قيمته، ربما ليس لكون هذه القيمة مقصورة على الحس الجمالي وحده ولكن في خلق صلة روحية بين الفنان ومن يرى أعماله فيخالط شعور الجمال نوع من الامتنان، لكون هناك روحاً استطاعت صياغته من العدم، وهنا تكمن المهارة ويتجلى الإبداع وتظهر الصبغة الفردانية  للعمل الفني وهي التي تكسبه قيمته وتجعل من أدق تفاصيله معالم مميزة له ذات قيمة فريدة، لهذا قال بيجوفتش :”نقيض الجمال ليس القبح، وإنما الزيف.”

وتصبح الأصالة  ليست فقط ما يعطي العمل الفني قيمته باختلاف صوره، بل هي ما يجعل كل شيء حقيقياً وجميلاً، ربما لأن هالة الجمال لا تكتمل إلا في وجود الصدق، ربما باتت العلاقات البشرية في عالمنا اليوم أشد ما تفتقر له الأصالة، مع انتشار الصور المثالية عنها المتمثلة في التقاط صور تعبر عن حميميتها ونشرها على مواقع التواصل، ويتم التأثر بها وتقليدها تقليداً أعمى ومحاولة استجلاب الحميمة والقيمة من خلال هذا التقليد، ولكن تلك المحاولات ما هي إلا صورة من صور وأد العلاقات تحت وطأة الزيف والادعاء..  وبهذا الصدد يقول د. أحمد خالد توفيق :” ليتنا أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع التلفزيون والسينما؛ لنعرف هل هذا حب حقًا أم أننا نتقمص ما نراه ؟”

المشاعر الانسانية  هي في صدقها وبساطتها وخصوصيتها لوحة فنية من نوع آخر، ومعزوفة جميلة تشكلها التفاصيل الصادقة، هي ما تجعل كل إنسان قادراً على أن يكون فنانًا بطريقته حتى لو لم يمسك قلمًا ويكتب شعرًا أو فرشاة ليرسم لوحة أو يلعب على أداة موسيقية، فما الشعر أو الرسم أو الموسيقى إلا تجل لهذه المشاعر وانعكاس لهذه الروح، وما التقليد إلا محاولة مسخها وسلبها من معالمها وجمالها، وكما قال نجيب محفوظ :” الزيف في الحياة منتشر كالماء والهواء وهو السر الذي يجعل من باطن الإنسان حقيقة نادرة قد تخفى عن بصيرته في الوقت الذي تتجلى فيه لأعين الجميع.”

هالة عادل
هالة عادل
أدرسُ الطبَ، و يحوي قَلبي شغفًا بالفنِ و الأدَبِ و الفَلسفة..

اترك تعليقا