فن

3 مكونات أساسية للموسيقى | سلسلة كيف نستمع للموسيقى؟

بعد رحلتنا القصيرة في إسبانيا مع الدويندي، تلك الروح الفنية الإسبانية التي تجتاح الجميع فور الاندماج مع العزف يمكننا الآن أن نعود إلى أراضينا العربية لنجد أمامنا روحًا أخرى هي أقرب منّا هذه المرة، روح الموسيقى العربية والطرب. وفي مقابل الدويندي الذي يميز موسيقى الفلامنكو الغجري، فحالة الطرب تتوغل في نفوسنا بنفس الطريقة التي يجتاح بها الدويندي نفوس الإسبان، فقط يحتاج الأمر منّا لإنصات جيّد لتفاصيل اللحن والأداء الغنائي كما الحال مع مستمعي أم كلثوم كأغنية “يا فايتني وأنا روحي معاك”، يمكننا الاستماع لها وملاحظة تأثرنا بكل نقلة في المقامات حتى دون دراستها ومعرفة أيّ مقام تغني عليه الست أم كلثوم ولكننا بطبعنا نتفاعل مع أدائها بشكل لا نظير له.

لا يتوقف الأمر عند حالتي الدويندي والطرب فلو أكملنا المسير للجنوب الغربي عند مالي لوجدنا حالة أخرى في قبائل المالينكا هي الفولي، وهذه الكلمة “فولي” تستخدم في لغتهم بشكل يومي وتعني الرتم ولكنها كلمة عامّة تستخدم حتى خارج الحديث عن الموسيقى، فكل شيء في العالم له رتم، كل شيء له إيقاعه حتى حديثنا العادي اليومي له إيقاعه الخاص المتغير  كل شيء يمكن أن يكون موسيقى بالنسبة لهذه القبائل الإفريقية.

إذن فلكل ثقافة شعبية روحها الخاصة التي تتأثر بها بشكل لا إرادي في موسيقاهم ولكن لو تأملنا هذه النقطة بتمعّن لوجدنا الأمر شديد الغرابة فالنغمات الموسيقية واحدة نفس العدد في كل الثقافات وعلى الرغم من ذلك فقدرة الموسيقى على التعبير لا حدود لتنوعها، هذا التنوع الضخم لن يمكن فهم أسبابه دون إلقاء نظرة عن قرب على مكونات الموسيقى بشكل عام.

 ما تعرفه في الموسيقى

1- اللحن:-

لو طلب منك أحد أن تغني أغنية ما تحفظها وتحبها فستقوم بغنائها حتى لو بشكل هاوٍ إن لم تتدرب من قبل على الغناء ولكنك سوف تغنيها على أي حال، أيًّا كانت الأغنية فما ستغنيه لن يكون مشابهًا لما تسمعه لأنك تغني جزءًا واحدًا فقط منها، هذا الجزء هو ما نسميه اللحن لأنه الجزء الأقرب منّا حيث يُعلق في ذهننا بسهولة ويميّز كل أغنية عن الأخرى بشكل واضح. في ثقافتنا العربية قد يختلط علينا الأمر قليلًا بالنسبة للحن لأن ثقافتنا تعتمد على الأشعار في أساسها فنحن نحب الشعر طيلة تاريخنا ونحولّه لغناء بشكل أكبر من إنتاج الموسيقى الخالصة التي لا غناء فيها، ولكن في كل الأحوال فأنت تستطيع دندنة مجموعة من الأغاني أو الموسيقى الخالصة التي تحبها وهذا بالضبط ما يُسمّى اللحن.

2- الهارموني:-

إذا عدنا للأغنية التي غنيتها مرة أخرى لوجدنا اختلافًا عن الأغنية الأصلية لأنك لن تستطيع بصوتك وحده غناء كل الألحان المصاحبة للغناء فأنت تعرف أن هناك ردودًا موسيقية في الأغنية الأصلية تلعبها آلات الموسيقى الأخرى ولكن من المستحيل أن تتمكن من غنائها، هذا التناغم يسمى الهارموني ويمكننا ملاحظته بسهولة عند سماع أي مقطوعة فيمكننا تسميته الخلفية الموسيقية وبمجرد التركيز فيه ستجد ألحانه متنوعة متناغمة تمامًا مع اللحن الرئيسي بل الهارموني تحمل اللحن الأساسي وشعوره بشكل يجعله أكثر تأثيرًا في المستمع.

الهارموني كما نلاحظ كلمة غير عربية تعني التناغم الصوتي ولا مقابل عربي لها في الاستخدام الموسيقي لأنها تكون واضحة تمامًا في سياق التطور الموسيقي الغربي ولم تكن في الموسيقى العربية حتى بداية القرن العشرين  أمّا بعدها فاستفاد الكثير من المؤلفين الشرقيين من قواعد الهارموني بشكل مبدع كما نلاحظ في أعمال راجح داوود خاصة موسيقى باسكاليا من فيلم الكيت كات على سبيل المثال أو بشكل أكثروضوحًا ولكن أقل شهرة كأعمال أبو بكر خيرت.

ما يعرفك في الموسيقى
مع صوت الغناء
مستجيبة لأصابعي اللاإرادية
تغني الطبلة إيقاع الأغنية

3-الرتم:-

عندما تستمع للموسيقى كما في القصيدة السابقة ستتحرك يدك بشكل تلقائي لتستجيب لمكون آخر موسيقي قد لا تعرفه هذه المرة ولكنه يعرف طريقه إليك، هذا ما نسميه الرتم أوالإيقاع. ولكن على عكس المشهور فالإيقاع لا يعني بالضرورة الرقص نعم هناك إيقاعات راقصة ولكن الرتم أكثر عمومية من هذا المفهوم المغلوط. كل شيء في العالم يتحرك له رتم، لأن الحركة تستغرق مدة زمنية وهذا ما يجعل لها رتمًا بشكل آخر يمكننا القول أن كل ما يستغرق زمنًا لحدوثه -مهما كان الفعل- فله رتم ولأن الموسيقى فن صوتي فهي قائمة على الزمن، كل لحن له مدة زمنية والرتم هو المسطرة الموسيقية التي تقيس طول الألحان والهارموني المصاحب لها فالموسيقى سحر زمانيّ يستبدل العشوائية الموجودة في الأصوات حولنا طيلة اليوم بنظام محدد للألحان يضفي عليها سحرًا خاصًّا.

يمكننا ملاحظة ذلك بمجرد الاستماع لأغنية أم كلثوم “ما دام تحب بتنكر ليه”، أطلق العنان لخيالك وسوف تلاحظ نفسك تعزف رتم المقطوعة حتى لو بشكل هاوٍ إلا أنه قريب من الإيقاع المسموع في الخلفية وستجده يتغير دون أن تتعمد ذلك.

إذن يمكننا القول حتى الآن أن لكل شعب بل لكل ثقافة شعبية داخل البلد الواحدة طريقتها الخاصة في تكوين الألحان على سلالمهم الموسيقية الأكثر تداولًا وكذلك طريقتهم الخاصة في الهارموني والأكثر تمييزًا هو الرتم دائمًا فلكل ثقافة طريقتها في قراءة العالم وسرعة حركته بشكل ينطبع على الموسيقى والأداء استمع الآن لموسيقاك المفضلة وحاول استخراج المكونات الثلاثة ستلحظ متعة إضافية لتجربتك مع الموسيقى.

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا