أدب

دور النّشر.. الواجهة الخفية للنظام الرأسمالي

     الرأسمالية ستجعلُ كلّ الأشياء سلعاً: الدّين، الفن، الأدب.. وستسلبها قداستها” هكذا لخص الفيلسوف الاقتصادي الألماني  “كارل ماركس” علاقة الرأسمالية بكل جوانب الحيّاة، وبكلمة واحدة “التسعير”. القيم والمواهب والمُثل الإنسانية ستوضع تحت استحقاق ماديّ يتنافى مع ما تمثله وتبشر به. ستطرح للسوق العام بمسميات ترويجية، ثم تتقلب بين كفتيّ ميزان العرض والطلب. وللأسف الأدب ليس استثناءاً لما سبق ذكره.

الأدب هو كلّ ما يُكتَب ليُقرَأ، والغاية من الكتابة أن تصل لمرحلة القراءة التي هي مرحلة التفعيل الحقيقية. لا أحد يكتب لشخصه كما لا أحد يشعل ضوءاً ليستره. الكتابة رسالة موجهة للجموع لابدّ لها من الوصول. كما المريض للطبيب والتلميذ للمعلم. كينونة الأديب تتجذر من قارئه. وصلة الوصل بينهما هي الباب الذي نفذت منه الرأسمالية إلى عالم الأدب.

استغلال دور النشر للمؤلفين ليس محدوداً بحيز جغرافيّ أو نطاق زمانيّ، وفي كثير من الأحيان تكون دور النشر تابعة لشركات إعلامية عملاقة. يتحدث كل من ربطته صلة بعالم النشر عن الآليات والممارسات القانونية التّي يكبلُ بها الناشر مؤلفه، و يضمن بواسطتها لنفسه أضخم الأرباح على حساب المؤلف والقارئ معاً، الأمر لم يتقتصر على الروايات ودواوين الشعر والنثر، بل تجاوزها إلى أوراق البحوث العلمية. “تسعير المعرفة” هذا هو ما دفع ببعض الجامعات أن تطلب من أساتذتها وضع أبحاثهم في مواقع مؤسساتها. هذه المحاولات لكسر هيمنة دور النشر ردت عليها هذه الأخيرة باحتكار اسم من ينشر بها. فتزايدت رسوم الاشتراك في تلك المجلات في الوقت الذّي تناقصت فيه جهود النشر وتكاليفه. فمثلاً دار “إلسفير” الهولندية ذائعة الصيت تحتكرُ نشر ألفيّ مجلة أكاديمية عالمية، وهذا الثمن الذي وضع على العلم يتقافز إلى جيوب وحسابات مالكيها وداعميها ومستثمريها، مما دفع عشرة آلاف باحث إلى مقاطعتها، بعد أن حققت أرباحاً عام ٢٠٠٩ وصلت إلى أكثر من مليار دولار.

يذكر الناقد الأميركي “آدم كيرش” في كتابه “الرواية العالمية” أن أي منتج أدبي ينال حظوة واحتفاء من جانب النظام الرأسمالي العالمي، لابدّ أن يتم تحييده ومن ثم تدجينه من النسق النيوليبرالي المتغول الحاكم في العالم، فكلّ ناشري الكتب هم في الغالب أذرع صغيرة للتجمعات الرأسمالية العملاقة، وأن الاحتفالات الأدبية التي تحتفي بالأدب العالمي تحصل بفعل التمويل السخي لكبريات رؤوس الأموال في العالم. لا يمكننا أن نتوقع -وفق هذه الشروط- أن يحصل عمل ذو رؤية ردايكالية أصلية أو مختلفة عن السائد بمباركة مثل هذه القوى المالية. بل  يتجرؤ “آدم كيرش” ويطرح تساؤلاً أكبر؛ هل الكتب التي أتاح لنا الحظ -متناغماً مع دور النشر- فرصة قراءتها هي الأفضل والأكثر نجاحاً، إذا ما قورنت مع نظيراتها في اللغة الأصلية نفسها، أم أنها ارتقت سلم العالمية لأنها تماشت مع الحسابات التجارية القائمة؟

نمط الإنتاج الرأسمالي يقوم على التّربح كهدف، ويحاول أن يكون الإنتاج مستهدفاً شريحة واسعة من المجتمع، فيسعى لإرضاء الجمهور وكسب ودّه، حتّى لو كان هذا على حساب المحتوى والمضمون. الكتاب الذّي لا يتماشى مع التّيار السّائد سيكسد ويبور ويكون صفقة خاسرة. فوفق آخر الإحصائيات؛ أن ٦٠% من القراءة العربيّة موزعة بين الكتب الدّينية بنسبة ٤٠% والرّوايات بنسبة ٢٠ %.  لذلك سخّرت دور النّشر العربيّة آليات إنتاجها لصالح الرّواية والكتب الدينيّة على حساب نظيراتها العمليّة والفلسفيّة، وهذا لعب دوراً مباشراً في ضعف المرجعيّة العربيّة العلميّة. “الرّواية” كسلعة -حسب المنظور الرأسمالي- سهلة التّرويج، ولها جمهور واسع، قابلة للفهم من قبل مختلف تدرجات المجتمع وليس المُختصين فحسب، لذلك نلاحظ انتشاراً كبيراً للروايات المبسطة ومباشرة الأحداث في الشّارع العربيّ، فكلما زاد الاستهلاك تعاظم الرّبح. يشترط بذلك أن تكون الرّواية مضبوطة الأحكام سياسياً بالدرجة الأولى ثمّ اجتماعياً ودينياً، وإلا تعرضت للمنع في بعض الدّول العربيّة وانخفضت قيمة التّكسب من ورائها.

دار النشر “عصير الكتب” نشرت رواية الدكتور أحمد خيري العمريّ باسمين مختلفين “كريسماس” و “كريسماس في مكة”، حتى لا يكون العنوان الثّاني -وهو الأصلي- مُستفزاً في بعض الدول ويتسبب في منعها. و عندما وقع “محمد شكري” مع الناشر الانكليزي “بول أوين” لم يكن قد خط حرفاً من روايته “الخبزّ الحافي”، و لكن معرفته بأدبيات النّاشر وسياسته سمحت له بكتابة نصٍ قافزٍ فوق كلّ الخطوط الحمراء. و بذلك نشرت رواية لكاتب مغربي أمازيغي باللغة الانكليزية، و لم تترجم إلى العربيّة إلا بعد عامين، و طبعاً مُنعِت بالمغرب و في أغلب الدول العربية، لكن الجمهور العربيّ لم يكن أساساً المستهدف بل الجمهور الغربي، و فعلاً تم ترجمتها إلى ٣٨ لغة وحققت أرباح هائلة.

الرّكود الاقتصادي كان عدواً لدور النشر، بما أن منتجاتها لا تُؤكل ولا تُشرب ولا تُلبس، ففي دول العالم الثالث لا يحيا الإنسان بالخبز بمفرده كما قال السيد المسيح، بل يحيا من أجل الخبز ذاته. فعمدت دور النّشر إلى نوعين من الطّباعة : طباعة فاخرة موجهة للنخبة وطباعة متواضعة موجهة للعامة، تتباين أسعار هاتين الطبعتين لإرضاء القارئ العزيز وللتفعيل الدائم لعملية الشّراء.

بالنهاية لا يمكن للأفكار أن تفرد أجنحتها وهي مثقلة بحجارة التكسب والثراء، ولا يمكن للأدب أن يكون حراً وفطرياً وفق منظومة تفرض عليه قوانين المرابحة المادية. يقال أن أفضل وسيلة لتدمير النظام الرأسمالي هي إفساد قيمة المال. ربما إذا غيرنا وحدة القياس نحصل على نتائج مختلفة ومفردات أدبية مُغيبة. ربما عندها يقاس الأدب بكمية الإشعاع الذي يفجره في القلوب والعقول. ستغرق أسماء حسبناها كبيرة وتطفو أسماء استصغرها الناشرون. يوماً ما سيكون للقارئ الحق بانتخاب ثقافي نخبوي لا يخضع لـ”سعر الكلمة”.

Avatar
نادية برادعي
صيدلانية وعاشقة للأدب والكتابة مؤمنة بقوة الكلمة لتغيير العالم وبقدرة على الخير على ترميم الندوب.

اترك تعليقا