رياضة

كيف تفسد تحالفات الرأسمالية متعة كرة القدم المصرية؟

لكرة القدم سحرها الخاص في ضبط أمزجة الجماهير العاشقة لها، فهي وسيلة جيدة لإضافة بعض الإثارة لحياة روتينية مملة للصمود أمام ضغط العمل اليومي، مانحة إياك متعة لا تضاهيها متعة أخرى. تلك الفرحة التي تصيبك عند فوز فريقك المفضل ببطولة طال انتظارها، قد يخذلك فريقك في بداية الموسم الكروي إلا أنك تظل محتفظا بالأمل فيه إلى آخر لحظة، تظل متمسكا بدعمك وتشجيعك المخلص له. تتسارع دقات قلبك في الدقائق الخمس الأخيرة ولا تعود إلى المعدل الطبيعي إلا حينما تنتهي المباراة كما تتمنى، حتى في لحظات الفوز تنهمر دموعك أيضا لأنك لم تكن تتوقع ذلك الأداء المبهر من اللاعبين قبل المباراة، هتافات الجماهير التي تنصت إليها في المدرجات، تلك اللحظات التي تتفاجأ فيها برؤية أحد المارة يرتدي تيشيرت ناديك المفضل.

في الحقيقة تشجيعك لكرة القدم يمنحك ما هو أكثر من ذلك، أن تستمتع برؤية المهارة العالية والفن في اللعبة وإن كان يمتاز بها المنافس. أن تنتمي إلى فريق ما -ليس لحاجتك الأساسية للانتماء فحسب- بل لأنك بأمس الحاجة إلى الشعور بالانتصار حتى وإن كان ذلك متمثلا في فوز ناديك المفضل لا أكثر..  مشاعر كثيرة مختلطة قد تصيبنا أثناء مشاهدة إحدى المباريات فتعكس مدى روعة تلك اللعبة التي نالت من قلوب عاشقيها.. ولكن هل فكرت من قبل أن هذا الوجه البراق الذي يبدو لنا من عالم كرة القدم قد يخفى وجها آخر لا تعرفه؟!

في الآونة الأخيرة بدأنا نلاحظ أن هناك عوامل أخرى تتحكم في سير اللعبة جيدا، لم تعد المتعة والإثارة هما الغرض الأساسي لكرة القدم بل ظهر مصطلح جديد يُعرف بـ “سوق كرة القدم” محولا إياها من هواية إلى صناعة تُدر لأصحابها كما هائلا من الأرباح، وهو ما نعكس بصورة واضحة على أداء كثير من اللاعبين، فقد أصبحت علاقتهم بالأندية مجردة من الانتماء، تحولوا ببساطة إلى أداة أو دعنا نسمي الأمور بمسمياتها ونقل “سلعة “بيد الأندية للحصول على أرباح أكثر من عقود الرعاية والإعلانات.

 بدأ يتكشف لنا مدى قوة رأس المال وتحكمه في مصائر العديد من أندية كرة القدم بل والمنتخبات أيضا، فأضحي قانونا واحدا كشعار للعبة الأكثر شعبية وهو “المنفعة لا المبادئ” ولعل أبسط مثال على ذلك ما حدث في كأس العالم 1986عندما احتج مارادونا وبعض اللاعبين الآخرين على مواعيد المباريات والتي كانت تجري في منتصف النهار تحت شمس حارقة، إلا أنه لم يتم الالتفات لهؤلاء اللاعبين إطلاقا لأن هذا التوقيت في المكسيك كانت تقابله ساعة الغروب في أوروبا وهو ما يناسب التلفاز الأوربي!

أضف لكل هذا تهم الفساد والرشاوي التي لم ينجو أحد منها في الفيفا والتي أدت إلى استقالة رئيس الفيفا السابق “جوزيف بلاتر”. إن كانت تلك هي الصورة للمنظمة المتحكمة في عالم كرة القدم فما بالك بأندية كرة القدم المصرية وما يجري وراء الكواليس.

 الرأسمالية.. الوجه الآخر للعملة.  

لا يخفى على أحد كم التغير الكبير الذي حدث للأندية المصرية والتي كانت ترفع شعار المبادئ بين الحين والآخر، إلا أن بعضها أصبح عبارة عن شركات تم تصميمها لزيادة مقدار الربح، فلم يعد مفهوم الخسارة في أحد المباريات مقبولا طالما هناك إمكانية بتوجيه النتيجة لصالحك بأي طريقة ممكنة، ولا تحدثني عن شيء اسمه “هذا يجب.. وهذا لا يجب” فكل شيء مباح في كرة القدم!

هذا ما أكده أبو تريكة عندما حل ضيفا في أحد البرامج قائلا “إحنا مش بنلعب لعبة ملايكة!” حيث أوضح حينها أنه قد حصل على بعض ضربات الجزاء غير المستحقة رغبة في تحقيق الفوز، إلا أنه اعتذر عن هذا وأبدى ندمه على هذا الفعل، فهذا هو أبو تريكة الذي لا يجد حرجا في الاعتراف بالخطأ والاعتذار، لهذا استحق بجدارة عشق كافة الجماهير المصرية بلا استثناء. ولكن دعنا ندقق جيدا في الأمر، إن اعتراف أبو تريكة لم يكن مجرد تصريح بل كان إيذانا برفع الستار عن ذلك الوجه الملائكي للأندية المصرية كما رسمناه في مخيلتنا!

نتصور أن فوز أحد الفرق لأنه اجتهد وفعل ما عليه في الملعب لذا استحق الفوز عن جدارة، بينما الفريق الآخر لم يبذل مجهودا كافيا للفوز بالمباراة. لذا فهو أيضا يستحق الخسارة التي نالها، متجاهلين تلك العوامل الحاسمة والتي قد تقلب نتيجة أي مباراة في دقائق، بل وقد يصل بها الأمر إلى التلاعب بالبطولات ذاتها.

من المفترض أن كرة القدم تخلق جوا من المتعة والمشاعر الإيجابية إلا أن ما يحدث على الأرض ينفي ذلك، فكيف للعبة شعبية أن تُحدث كل هذا العنف! والذي ظهر جليا في أحداث مأساوية في كل من استاد بورسعيد والدفاع الجوي. ما تصنعه أبواق الإعلام في الوسط الرياضي من تعصب كروي قد وصل إلى أبعد الحدود، أضف إلى هذا الشحن المعنوي ضد الفرق المنافسة والذي تقوم به إدارة بعض الأندية بدون أدنى درجة من الخجل ولو للحفاظ على هيبة النادي الذي تمثله! 

اليوم أصبح رأس المال متغلغلا في بعض الأندية المصرية فأصبحت معه البطولات وسيلة لجذب الأموال ومهرجان دعاية ضخم بين الشركات ورؤوس الأموال المتنافسة، أجور خيالية للاعبين لم يقدموا المتوقع منهم، عقود إعلانية ضخمة، أضف إلى هذا احتكار القنوات المشفرة لإذاعة أهم المباريات… ببساطة كل ما هو متعلق بكرة القدم أصبح مجرد سلعة باهظة الثمن!

كل هذه الأسباب كانت كافية لدفع نسبة ليست بالقليلة من مشجعي الأندية المصرية إلى التوقف عن متابعة البطولات المحلية والاتجاه إلى الدوريات الأوربية كي تستعيد تلك المتعة التي افتقدتها، بل ولتتفادي أيضا ذلك الجو السلبي والذي بات يسيطر في سماء الكرة المصرية.

تلك كانت أمثلة بسيطة تعكس الصورة العامة لتغلغل رأس المال في الأندية المصرية ولكن ماذا عن الأندية الأخرى والتي لم تحظى بنصيب وافر من رأس المال؟!

التاريخ المشرف أم رأس المال.. إلى من ستميل كفة الميزان؟

لعل من أبرز معالم التحكم الرأسمالي في الأندية المصرية هو ازدياد الأندية الغنية غنى واحتكارها للبطولات المحلية والقارية، في حين لم تجد الأندية الأخرى مفرا من الهبوط للدرجات الدنيا بفعل الأزمات المالية المتكررة.

ولعل آخر شاهد على ذلك هو نادي بتروجت والذي تعرض للهبوط نهاية الموسم الماضي لأول مرة منذ صعوده إلى الدوري الممتاز في 2007، وذلك بعد تخفيض حجم الإنفاق من قبل ملاك النادي البترولي، وهو ما أدي إلى انخفاض متتالي في الأداء، وكانت نتيجته المنطقية الوقوع في فخ الهبوط.

المتابع عن قرب للدوري المصري خلال السنوات القليلة الماضية سيلاحظ تأثير الأزمات المادية بصورة مباشرة على الأندية المصرية التي كانت تتميز بأداء رائع في السابق، فمنها من نجح في المنافسة على المربع الذهبي، ومنها من تمكن من حصد البطولات على حساب أندية القمة إلا أنه يبدو أن عجلة المنافسة قد توقفت لدي كثير منهم نظرا لغياب رأس المال “الوقود” الذي يبحث عنه الجميع لاستمرار المنافسة وضمان الابتعاد عن دائرة الهبوط.

عندما نأتي بذكر الأندية صاحبة التاريخ العريق في الأداء المهاري العالي، يأتي مباشرة اسم “النادي الاسماعيلي”، تلك المدرسة الفنية التي تمكنت من إخراج أفضل لاعبي الدوري المصري من بينهم بركات وعبد الله السعيد وحسني عبدربه. بالإضافة إلى هذا هو صاحب أول بطولة إفريقية في تاريخ الأندية المصرية في 1969 ولم يكتفي بذلك بل حصد بطولة الدوري ثلاث مرات ووصل إلى الوصافة ٦ مرات آخرهم الموسم قبل الماضي والذي تمتع فيه بأداء كروي ممتع أشاد به الجميع.

ولكن سرعان ما فاجأنا بتراجع ملحوظ في ترتيبه بين أندية الدوري كذلك في الأداء العام للفريق وهو ما برره مسؤولي الفريق خلال أكثر من تصريح إلى تكرار الأزمات المادية وهو ما أعاد الفريق إلى نفس الطريقة المتبعة لإدارة هذا النوع من الأزمات وذلك ببيع أفضل العناصر التي يستند إليها قوام الفريق وكان آخرهم المتميز محمد عواد حارس مرمي الزمالك الحالي.

ليس الإسماعيلي وحده في تلك الحلقة المفرغة، بل يوجد على الساحة العديد من الأندية التي تواجه نفس الأزمة رغم أن ملكيتها تعود إلى شركات ومؤسسات يتوفر لديها رأس المال الكافي إلا أنها فضلت تخفيض النفقات في الوقت الحالي مثل إنبي وحرس الحدود، فكل منهما استطاع إثبات نفسه على الساحة الكروية في بعض الفترات، فإنبي مثلا تمكن من تقديم أداء أكثر من جيد مكنه من الحصول على بطولة كأس مصر لعام2011 كما وصل إلى نهائي الكأس مرتين متتاليتين. هذا بالإضافة إلى حصوله على درع الدوري مرة واحدة وذلك في موسم 2005، ولكن انظر الآن إلى انبي وما طرأ على أدائه الفني خاصة بعد خفض حجم الانفاق على النادي وما آل إليه الوضع في ترتيبه بين أندية الدوري هذا الموسم خاصة أنه لم ينجح في الفوز سوي بمباراة واحدة فقط.

فيما يتعلق بحرس الحدود فالأمر لا يختلف كثيرا فقد كان متميزا هو الآخر في فترة من الفترات، بل وحصل على بطولة كأس مصر مرتين عامي 2009 على حساب إنبي و2010 على حساب الأهلي. كما حصد أيضا كأس السوبر مرة واحدة في نهائي مثير مع النادي الأهلي، إلى أن تبدل الوضع وأصبح ضمن الأندية المعرضة للهبوط مع نهايات الدوري.

لا يجب أن نغفل أيضا عن تلك الأندية التي صنعت تاريخا كرويا رائعا يوما ما، إلا انها لم تصمد أمام رياح الأزمات ومنافسة أندية رأس المال، فالذاكرة لن تنسي أبدا نادي الترسانة الذي أنجب لاعبا فذا مثل أبو تريكة والذي نعده جميعا مهما كان انتماؤنا الكروي من أفضل مواهب الكرة المصرية وأكثرهم حبا واحتراما.

أضف إلى الترسانة أندية أخرى لم تنج من نفس المصير رغم التاريخ المشرف مثل الأوليمبي وغزل المحلة، واللذان لم يتمكنا من الصعود ثانية إلى الدوري الممتاز منذ الهبوط إلى الآن!

في الختام لا يمكنني القول بأن استثمار رأس المال في الأندية المصرية أمرا سلبيا في جميع الحالات بل يساهم بشكل أو بآخر في كسر حاجز احتكار البطولات وذلك بصنع منافس جديد لم يكن لتتاح له فرصة المنافسة دون رأس المال، ولعل أبرز تجربة تؤكد ذلك هو نادي بيراميدز، فقد منحتنا التجربة نفسها ما كنا نفتقده لسنوات في الدوري المصري وهو تقديم وجبة كروية دسمة لا نراها سوى في الدوريات الأوربية.

خلاصة القول: المال مهم ولكن بشرط ألا يكون المتحكم في كل شيء، فإذا حدث ذلك فإنه يظلم كثيرين بل ويفقد الملايين متعة كرة القدم التي ينشدونها.

ندا شوقي
ندا شوقي
معلمة لغة إنجليزية ، كاتبة ومدونة مهتمة بنشر ثقافة التعلم الذاتي والتطوع ، أؤمن بأن المرء يستشعر قيمته في حالتين إما أن يكتب شيئا يستحق القراءة أو أن يفعل شيئا يستحق الكتابة .

اترك تعليقا