فن

ليست الموهبة الفنية أي شيء مع الرأسمالية

صوتٌ عالٍ يصيح:  “ليست الموهبة أي شيء!”
كالعادة يركض عازفو العود والإيقاع لمحاولة تهدئة الوضع…
عازف الإيقاع: لقد مررنا بذلك عدة مرات من قبل، لا بد أن يكتمل الألبوم لنوفر دخلًا لِمشروعنا.
يتناول الكمان بإحباط محاولًا الاستمرار ثم يتركها مجددًا.
عازف الكمان: لا أَمَل اليوم، ينظر لزخرفة الخشب على الكمان ويقول: اشتريتها منذ سبع سنوات من ألمانيا ولم أسجل بها مؤلفاتي حتى الآن، أتذكر كل درس في أول عامين من التدريب وبداية تعلمي التأليف على البيانو إلى جوارها.
-يضحك بسخرية-
عازف الكمان: سجلتُ بعدها مقطوعة أحبها لريما خشيش مَسَحَها موقع يوتيوب بسبب الملكية الفكرية دون أن أقصد السرقة، بعدها رفضت الفكرة وقلت لن أقلد أحدًا، واتجهت لتأليف موسيقاي الخاصة .
عازف العود بنبرة حادة: كما أخبرتك الناس لا تحب هذه الألحان.
عازف الإيقاع: بل الناس تحتاج لأن ترى تجربتنا ثم تحكم، توقف عن تمثيل الشعب.
عازف الكمان رافعًا رأسه المحبط مخاطبًا خلافهم: سنعود مرة أخرى لتسجيل الألبوم الحالي ولكن ليس اليوم يا رفاق.
عازف العود: بل لا بد من إنهاء هذا(التراك) اليوم.
عازف الكمان: لن أقدر!
عازف العود: ما الصعب؟!
ثلاث كوردات تتكرر، ونعزف عليها لحن الإعلان البسيط!
عازف الكمان: لا طاقة عندي لهذه السخافات، ما علاقة الجبنة بموسيقاي؟
-يضحك الجميع بسخرية-
عازف الإيقاع: أعلم أنه لا علاقة يا صديقي -يضحك- دعنا نتجاوز المثالية يا صديقي  ونتعامل مع الواقع، جميعنا يحتاج المال الآن -يتناول يده ويعطيه الكمان ويعود الثلاثة لعزف لحن أغنية الدعاية لمنتج الجنبة الجديد-.


تقوم الرأسمالية على عزل الدولة عن الإنتاج لتتحول إلى مُنظّم للعملية الإنتاجية وأداتها هي القانون، والسلطة الشرعية على أرضها، أمَّا الإنتاج فهو خاضعٌ لقواعد السوق وأصحاب الاستثمارات وعلى هذا الأساس يمكننا اختصار دور الدولة الرأسمالية في..

1– حفظ حرية السوق لتوفير التنافسية.
2– دعم حق المواطن في الاختيار الحر.
3– حفظ الحريات العامة.
4– تنشيط الاقتصاد وفتح مجالات تنافسية جديدة.

إذا نظرنا للقصة السابقة الآن لوجدنا أنَّ الرأسمالية تؤدي -فيما يتعلق بالموسيقى- إلى وقوع سلطة الإنتاج، واختيار الموسيقى بيد شركات الإنتاج، نعم أنت حرٌ في إنتاج موسيقاك، وكذلك حرٌ في تسجيل ملكيتك الخاصة لها في هيئة قانونية تحفظ حقك في عدم تعرضها للسرقة، ولكن لن يتم إذاعتها أوعرضها في أي مكانٍ دون وجود طلب عليها.

هنا يدخل دور التسويق..

يتعامل التسويق مع المنتجات الاستهلاكية.. وبسبب وفرة وتنوع هذه المنتجات، يتحول التسويق من عرض المنتَج لعرض الوهم المحبَّب للمستهلك؛ مثل: بيع شركة مياه غازية لمنتجها بدعوى أنه “هيلم شمل الأسرة”، أوعرض منتج الجبنة المعروضة في القصة مثلًا عبر أغنية ومشاهد بصرية من الريف اليوناني، تُقدم فيه فتاة حسناء طبق الجبنة للأسرة، أوهام يتطلع لها المُستهلك، فيقوم المُسوِّق بتغذيتها بالصوت والصورة حتى تشتري منتجه دون غيره.

نعم حيلة مبدعة أليست كذلك؟! لا عيب فيها، و لذلك يقول بعض الفلاسفة الذين يدرسون ظاهرة الاستهلاك أنها ظاهرة تجتاح العالم وبمهارة التسويق تحول المنتِج لمبدع؛ فبعد أن كان الإنتاج منفصلًا عن المفاهيم الإبداعية تحوَّلَ لعملية يجب أن تكون مبدعة وخلَّاقة للأفكار الدعائية حتى تستمر في المنافسة، فالآن يمكننا تقسيم الإبداع إلى فن وإنتاج.

الإنتاج الموسيقي:

عبارة عن…

1– أن يستعين المُنتِج للمواد الاستهلاكية بموسيقار ومؤلف مقطوعة موسيقية قصيرة مصحوبة بكلمات دعائية حتى تعلق في ذهن المستهلك، وهنا يخضع الفن بالكلية للدور المغذي للاستهلاك.
2– أن يتقدم الموسيقار الذي نجح في استقطاب جمهورًا إلى شركة إنتاج تقوم على توزيع وإذاعة أعماله وحفظ حقوق ملكيته الفكرية مثل كبار المطربين على ساحتنا.
3– أن يحاول تحمل تكاليف الإنتاج الخاصة به والدعاية لأعماله في مغامرة، قد لا تنجح ماديًا وتؤدي لخسارة مادية كبيرة.

هنا الصراع الأزلي بين الفن والسلطة؛ قد تكون السلطة أخلاقية أومادية أواجتماعية ويصعب على الفنان التخلص من هذه السلطات، ولكن عليه السعي على تحقيق معادلة لتسوية هذه الصراعات، بعض الناس يدافعون عن أهمية دور الرأسمالية في إنتاج الفن والحفاظ على تنوعه ولكن أين هو حضور هذا التنوع على الساحة الموسيقية؟! هل النجاح الذي يتحقق يشمل الجودة الفنية، أم أنه نجاح لأفكار مبدعة تسويقيًا؟

لا يمكن فصل الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفنان عن أفكارعمله الفني، و بالتالي فعناصر كالفقر والصراع والسلطة الرأسمالية تكون مناسبة جدًا لاختيارات الموسيقار الفنية، ولكن هناك ظاهرة جديدة اقتحمت عالم الموسيقى ويُمكن رصدها في مرحلة تكوين الفكرة الفنية، فقبل أي إنتاج موسيقي يُحاول المؤلف تكوين فكرة محددة تتناولها الموسيقى قد تكون هذه الأفكار مجرد مشاعرعن الفرح والحزن والقلق، وقد تكون أكثر تحديدًا، ولكن في كل الأحوال يجب أن تسبق الفكرة العمل الفني الموسيقى، أما الظاهرة الجديدة فتتعلق باختيار المؤلفين الموسيقيين هذه الأفكار الموسيقية بناءً على ما يحبه الجمهو، لا ما تمليه عليه موهبتهم الفنية.. فبهذا الشكل تخضع الموسيقى بالكلية لقواعد التسويق، كأنه يجب أن تتحول من فنان له دوراجتماعي وفني مبدع لفنانٍ خاضع للتسويق بلا دورٍ واضح.

إذًا ما الحل؟

هذه الظاهرة العالمية لها إيجابيات أخلاقية مهمة مثل: حماية حقوق الملكية الفكرية، وهو أكبر مكاسب الرأسمالية في علاقتها بالفن -بغض النظرعن الجودة- ولكن يجب أن نستهدف الأفكارالفنية المُجردة مرة أخرى، كثير من الموسيقيين يعانون بسبب الدعم المادي المطلوب للإنتاج، ولكن لا يمكننا القول بصرامة أنَّ الأفكارالمختلفة فنيًا سوف تُقابَل بالرفض هكذا مطلقًا كما ذكرنا بالقصة، لأن المعروف أن ثقافة المجتمعات تتغير تبعًا للفن؛ فيمكننا ملاحظة ذلك على المجتمع المصري بتحول ذوقه الموسيقي من أغاني شركات الإنتاج الكبرى إلى المهرجانات في أقل من 10 سنوات، فهذا يدل على أن ذوق أي مجتمع قابل للتشكل والتغير تِبعًا للفن المعروض والمتاح أمامه، فيجب أن يتم توفير الدعم المادي للفن المستقل.

هناك نظريتان لتقديم حل..

الأولى: الدعم الحكومي كتجارب الدول السارية، ولكن نقع في محظورٍ جديد هو تدخل الدولة في وضع الأفكارالفنية؛ فبدلًا من خضوع الفن للتسويق، سيقع مرة أخرى تحت رحمة السلطة واستخدامها.

أما الثانية: فهي العمل المجتمعي الهادف للتمويل المباشر للمشاريع الفنية الصغيرة وتوفير مسارح وإذاعات؛ لعرض هذه الأعمال الفنية.

يبدو الوضع معقدًا، ولكن تحويل جزء من الاستثمارات الوطنية لإنشاء مثل هذه الجمعيات أثبتت نجاحها في عدة تجارب في دول مختلفة لأن الصراع دائم وعلينا أن نصل للتسوية المنشودة.

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا