فن

خواطر أبطال الطفولة.. الجزء الأول

خواطر سينمائية 

الخاطرة الأولى/ “أبطال الطفولة” ج1

اسمحوا لي أن أبدأ بعبارة “مما لا شك فيه” بما أننا سنتحدث عن الطفولة، وأقول: مما لا شك فيه أن خبرات الطفولة تشكل وعينا وإدراكنا لما حولنا، ونظرتنا الأولية نحو العالم، وجزء كبير من هذه الخبرات يأتي من تأثرنا بما نشاهده من أفلام ومسلسلات وما نقرؤه من قصص مصورة وما نسمعه من موسيقى، وبما أن صفحتنا كأطفال بيضاء، فتأثرنا بالممثلين الذين نراهم على الشاشة يكون عظيمًا، حيث نصورهم في أذهاننا كملائكة، يزوروننا في أحلامنا ويهونون علينا وحدتنا ويسعدوننا عندما نشعر بالضيق، وترتبط وجوههم بذكرياتنا بل وربما يكونون سببًا في اسكتشاف مشاعر بعينها للمرة الأولى. وفي السطور القادمة أتجول معكم في ذاكرتي حول أبطال طفولتي، الممثلين الذين حين أعود إلى سنواتي الأولى في الدنيا، أجد حضورهم قويًا ومؤثرًا، والشخصيات التي ربما قد أداها أكثر من ممثل لكنها كانت حقيقية وحية بالنسبة لي في تلك الفترة أكثر من أي شيء آخر، سأقوم بتقسيم هؤلاء الأبطال إلى عدة فئات: المضحكون، الخارقون، المرعبون. بما أنها سلسلة سينمائية في الأساس فلا تتوقع تواجد شخصيات أدبية غير مجسدة على الشاشة الفضية، شخصيات الرسوم المتحركة أيضًا خارج حديثنا، وبالطبع لن أتحدث عن لاعبي الكرة المفضلين لدي في فترة الطفولة، آسف! والآن، لنبدأ حديثنا فورًا عن الفئة الأولى. 

المضحكون ..

  1. باولو فيللاجيو:

ظاهرة ربما تجدها عند الكثير من شباب جيلي -مواليد أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات- فيما يخص مضحكيه المفضلين في فترة الطفولة، أن تجد لهم في الغالب ممثلًا مفضلًا عربيًا، كويتيًا ربما أو سعوديًا إلخ، وهذا لأن الكثير وُلد أو قضى فترة طويلة من طفولته خارج مصر، فتأثر بطبيعة الحال بكوميدياهم المحلية وأبطالها، لكني لم أكن من مواليد الخليج بل من مواليد إيطاليا، بلد آخر لها حظ كبير من المغتربين المصريين، لذا سأقدم لكم للمرة الأولى أحد أبرز نجوم الكوميديا في إيطاليا في فترة السبعينيات والثمانينيات، باولو فيللاجيو Paolo Villagio، أو فانتوتزي Fantozzi. 

اخترع فيللاجيو شخصية المحاسب “أوجو فانتوتزي” كشخصية كاريكاتورية في الصحف، وصارت بطلًا لمجموعة قصص قصيرة تُنشر بشكل دوري، حتى تم نشرها في كتاب صدر عام 1971، وتم إنتاج أول فيلم بعنوان “فانتوتزي” عام 1975 ليجسد الرجل الشخصية التي استغرق في كتابتها أعوامًا طالت. ذكرياتي عن الفيلم أنه كوميديا هزلية Farce صرف، مبالغات في المواقف وردود الأفعال عليها، وفيللاجيو كان مخلصًا بشكل غير عادي فلم يكن لديه أي مانع في أن يغرق بالكامل في الطين وأن يُقذف بالكريمة في وجهه وأن يقع من الأتوبيس أثناء سيره والكثير غيرها من “المرمطة” لانتزاع الضحكات، رشيق التعبيرات والحركات لم يتوانَ لحظةً في استغلال أي موقف ولو بسيط في الكوميديا. أعدت مشاهدة الفيلم مؤخرًا لأجد عاملًا مهمًا في نجاح الشخصية هو تعبيرها ببساطة عن المواطن المطحون؛ هناك ربع ساعة من الصراع في بداية الفيلم فقط ليستطيع فانتوتزي الوصول إلى مكان توقيع الحضور في الوقت المحدد، حتى يجد الجميع في استقباله وكأنه في نهاية ماراثون، فعلى الرغم من الكوميديا التي قد تجد بعضها سخيفةً جدًا ونحن في 2019 الآن، إلا أنك لا تمتلك إلا الشعور بالشفقة والأسى على هذا الموظف المسكين طيب القلب، وساهمت ملامح فيللاجيو الطفولية في ذلك إلى حد كبير.

يشترك فيللاجيو مع اثنين آخرين هما لينو بانفي Lino Panfi وماسيمو بولدي Massimo Boldi في فيلم الطفولة المفضل لي “مدرسة اللصوص Scuola di Ladri”، عشقت هذا الفيلم فعلًا بكل تفاصيله، من أغنية البداية وأغنية النهاية، والمواقف الكوميدية أتذكرها حتى الآن وكأني رأيتها البارحة. القصة هي البساطة ذاتها، ثلاثة من الحمقى يستغلهم نصاب محترف في إنشاء عصابة للسرقة بأنواعها، نصب ونشل وسطو على منازل ومحلات، تتتبع قصة الثلاثة وهم في البداية يفشلون في حياتهم، يقابلون النصاب المحترف ويقنعهم بالعمل في السرقة، ترى رحلتهم في تعلم السرقة والهرب من الشرطة إلخ، ثم محاولاتهم للسرقة الفاشلة في البداية والتي تبوء بالنجاح فيما بعد، كل ذلك في إطار لا يخلو من ضحك صاخب مع ثلاثة يجيدون فعلًا التعامل بشكل كوميدي مع أدائهم الصوتي والجسدي وتعبيرات وجوههم، بشكل كبير لا تحتاج إلى ترجمة عند مشاهدة الفيلم، وربما تجده متوافرًا بترجمة إنجليزية، ولكن الحوار في الفيلم قليل للغاية والمواقف واضحة جدًا من لغة جسد الممثلين. 

إليكم مشهدًا بسيطًا من “مدرسة اللصوص”، الحوار منعدم تقريبًا ولستم بحاجة إلى ترجمة، ونرى فيه عملية السرقة الأولى التي يقوم بها اللصوص الثلاثة: 

وهذا رابط للاستماع إلى أغنية تتر بداية الفيلم: 

وهنا يمكنك مشاهدة المشهد الافتتاحي، كالعادة لست بحاجة إلى ترجمة: 

استمر فيللاجيو في عمل شخصية فانتوتزي لسنوات عديدة حتى التصق به الاسم، فقدم بعد ذلك أفلامًا تحمل اسم فانتوتزي لمدة تزيد على عشرين عامًا، هناك “المأساة الثانية لفانتوتزي” و”فانتوتزي ضد الجميع” و”معاناة فانتوتزي مستمرة” و”سوبر فانتوتزي” و”تقاعد فانتوتزي” و”إنقاذ فانتوتزي” و”فانتوتزي في الجنة” و”فانتوتزي – العودة” و”فانتوتزي 2000، و… ألا يذكرنا هذا بممثل آخر، قام بنفس الشيء قبل فيللاجيو بعشرين عامًا؟ بل إنه امتلك الجرأة على استخدام اسمه الشخصي نفسه كعنوان لأفلامه؟ نعم هذا صحيح، ومن غيره؟! بالطبع أتحدث عن الرائع أبو ضحكة جنان “سمعة”. 

2. إسماعيل ياسين والشلة:

قرأت من قبل مقولة تلخص تجربتي مع إسماعيل ياسين: “أنت تشاهد إسماعيل ياسين في الطفولة فتحبه، تكبر قليلًا وتشاهده ثانية فتشعر أنه سخيف، تكبر أكثر وتشاهده فتدرك أنه عظيم”، هذا هو بالضبط إسماعيل ياسين، بالطبع من أنجح الكوميديانات في زمانه، وما زالت نكاته صامدة كما الدهر حتى الآن، جُمل مثل “فتشني فتش” و”لاتكونش شوكلاتة” و”والله يابني مانا شايف” و”شغلتك ع المدفع بررم” و”مخالي شل” وغيرها هي جزء من الوعي الجمعي المصري، بالإضافة لضحكته الشهيرة وتعبيرات وجهه عندما يقع في مصيبة. كنت أخجل كثيرًا وأنا صغير من الاعتراف بهذا، ولكني كنت في حالة عشق لأغاني سُمعة لدرجة أني حفظتها ورددتها أكثر من أغنيات المطربين المعاصرين لتلك الفترة! لا يمكنك إطلاقًا أن تملَّ من سماع أغنيات مثل “يا عيني ع العز” و”حظرة لاري” و”صاحب السعادة” وغيرها… حتى عشقي لنجوم تلك الفترة مثل عبد المنعم إبراهيم وعبد الفتاح القصري وزينات صدقي وستيفان روستي وتوفيق الدقن وتحية كاريوكا وعبد السلام النابلسي إلخ، جاء من فكرة أنهم “شلة إسماعيل ياسين”، قبل أن أكبر ويصيبني الذهول من تجمع كل هؤلاء العظماء في جيل واحد!

 لا يمكن إغفال ضحكتين تاريخيتين بدورهما، هما ضحكتا حسن فايق وماري منيب، كيف يمكنك ألا تقع في غرام أي منهما؟! بالمناسبة، هذا الجيل بالكامل بدأ فن الأداء التمثيلي لأول مرة على المسرح، فيمكنك بسهولة أن ترى مشاهد سينمائية لهم وتجزم بمنتهى الثقة أنها من ارتجالهم أمام الكاميرا، مثل مشهد في فيلم “أم رتيبة” عبارة عن دقائق من الضحك المتبادل الخجول بين حسن فايق وماري منيب، ترى مشهدًا لإسماعيل ياسين في “ابن حميدو” وهو يحاول استخراج المفتاح من صدر فستان زينات صدقي بالمغرفة فتكاد تقسم أنه لا يوجد سيناريست في الكون مجنون كفاية ليكتب مثل هذه الفكرة على الورق! عرفنا جميعًا فيما بعد بداية هذا الجيل التي كانت في الكازينوهات أو “التياترو” ففهمنا سر تقديس التياترو في أفلامهم، التياترو في هذا الزمن يختلف تمامًا عن صورته المعاصرة التي رأيناها في فيلم “كباريه”، التياترو -كما صوروه لنا- هو مكان يقدم بالطبع رقصات شرقية، وأيضًا غربية وجميعها تُؤدى بإتقان وليس مجرد امرأة عارية تتلوى على المسرح محاولةً إظهار أكبر قدر ممكن من جسدها! بالإضافة إلى سكتشات كوميدية ومونولوجست وغناء. لذا يمكنك فهم مواقف كثيرة تتعلق بالتياترو في أفلام هذا الجيل عامةً وإسماعيل ياسين خاصةً، يمكنك فهم قول إسماعيل ياسين لصديقه: “نكمل كلامنا ف التياترو” أو “نتقابل ف التياترو”، يقع إسماعيل ياسين في حب الخادمة في فيلم “المليونير” فيقرر قبل خطبتها أن يجعلها تعمل معه (في التياترو)، دعك من أسهل وسيلة للهرب من أخطر عصابة في العالم كما رأينا مع سمعة، نعم هي كما خمنت، عمل استعراض في التياترو! لا تقلق؛ لن تقوم العصابة باقتحام المسرح لاختطافك، بل ستنتظر في أدب حتى تنتهي من استعراضك ثم تستأنف المطاردة، إسماعيل ياسين في هذه المواقف لا يحتاج إلى مؤلف ولا ملحن ولا بروفات، بل يجد نفسه على المسرح أثناء المطاردة فيقوم بتأليف وتلحين وغناء مونولوج كامل، بل وتعزفه له الفرقة وترقص معه الراقصات دون قراءة أفكار أو اتفاق مسبق، هل تريد دليلًا آخر على عظمة سُمعة؟! خمن من الشرطي الذي يذهب في مهمة سرية ومعه بطاقة تثبت شخصيته كشرطي متخفٍ؟ هو نفسه سمعة في فيلم “ابن حميدو” أعتقد أنك اقتنعت. 

شاهد هنا معي هذا المشهد من (أم رتيبة)، وتأمل في هذا الحوار، وضع في اعتبارك أنه حوار لرجل ذاهب لطلب زواج محبوبته، ولكن أهل العروس طلبوا منه طلبًا بسيطًا قبل لقاء ولي أمرها: 

ولقاء بين إسماعيل ياسين وتوفيق الدقن: 

وهنا مع الجميل عبد الغني النجدي: 

وأخيرًا: 

3. ثلاثي أضواء المسرح:

ونبتعد عن هذه (الشلة) قليلًا لنذهب إلى شلة أخرى، الضيف وجورج وسمير، شلة (روشة) جدًا، عشقت غناءهم قبل تمثيلهم -في تلك الفترة- ولكنهم ينضمون بجدارة في هذه القائمة، فغنائهم ضمن سياق أعمال سينمائية، ولا يمكنك استرجاع أغنية من أغنياتهم بلا ابتسام على الأقل، ويمكن القول إنهم أول من ساهم -بدون قصد- في عمل أفلام Light Romance في السينما المصرية، وهي الأفلام الرومانسية الخفيفة التي تتخذ طابعًا شبابيًا، منتشرة جدًا في هوليوود بالمناسبة، ولكنها معدودة في السينما المصرية، وبقليلٍ من الخيال يمكن استنتاج كيف تم ذلك مع ثلاثي أضواء المسرح، المخرج أو المنتج أو كلاهما يريد عمل فيلم رومانسي للنجم الفلاني الحساس الشفاف لينهمر في بحر الغرام مع النجمة الحسناء الحساسة الشفافة، ولكنهم يدركون بخبرة السوق مدى تأثير هذا الكم من الشفافية والهيام على أمعاء الجمهور المصري، فيقومون بتخفيف هذا بإدخال الثلاثي في اللعبة، لتصبح الوجبة في النهاية سهلة الهضم، وبدلًا من صنع فيلم Romance بحت يقوم الثلاثي بعمل خط Light داخل الفيلم ليتكون لنا المُركَّب Light Romance  كما يحدث في معامل الكيمياء، ومن هنا ترى بالفعل أن تواجد الثلاثي في كثير من الأفلام هو محاولة إنقاذ الجمهور وأموال المنتج من ساعتين من اللزوجة وثقل الظل، بألحان رشيقة وكلمات (روشة) لم تفقد الكثير من روشنتها حتى الآن، وأداء صوتي وجسماني متكامل من الثلاثة، حفر الضيف وجورج وسمير أغانيهم في الذاكرة، وبالفعل حتى الآن أحاول تذكر موقف كوميدي تمثيلي له نفس تأثير الأغنيات فلا أجد! يسهل رؤية أن سمير أكثر الثلاثة اجتهادًا في ذلك الوقت وهو اجتهاد اضطراري بسبب مظهره، الضيف وجورج امتلكا مظهرًا كاريكاتوريًا واستخدما مظهريهما كأداة هامة سهلت لهما الكثير من المواقف الكوميدية؛ جورج بدين للغاية ويكفي فقط رؤيته في زي سيدة لتنفجر ضحكًا لدقائق، هكذا دون أن يتكلم أو يفعل شيئًا، ربما تخترع له مشهد مطاردة ويكون كل ما عليه هو الجري ليترجرج جسده البدين أمام الشاشة، دعك من وجهه الطفولي للغاية مما ساعده في أداء شخصية الفتى البدين عاشق الطعام كما في أدائه لشخصية مخيمر في “الزواج على الطريقة الحديثة” كذلك الضيف، على النقيض فهو ضئيل جدًا، ضعه فقط في زي ساحر النساء ، أو في دور الفتى الرياضي كما في “الزواج على الطريقة الحديثة” وانتهت المهمة، ضعه أمام رجل ضخم واترك له زمام الحديث بعجرفة وشاهد الجمهور يبكي ضحكًا. أما عن سمير فالأمر مختلف، هو لا هذا ولا ذاك، ملامحه متناسقة إلى حد كبير وطوله مناسب ووزنه معقول وصوته عادي، ضعه في دور ساحر النساء ستجد الأمر مقبولًا، في دور الشرير -أتحدث كمظهر- مقبول، اجعله يرتدي زي سيدة ستجد المشاهد يتنهد متسائلًا: ” هاه، وماذا بعد؟”، لذا سمير احتاج إلى الإبداع والابتكار أكثر من زميليه؛ عندما يجري الثلاثة على الشاشة أو يغنون أو يرقصون تجد سمير أكثرهم اهتمامًا باختلاف وتنوع الحركات والتفاصيل، في النهاية، الوجبة متكاملة، وتجد أن كلًا من الثلاثة بالفعل يكمل ما ليس موجودًا عند زميليه. 

دعنا نرى ماذا يفعل ثلاثي أضواء المسرح عندما يدخلون السجن: 

وعندما يشاهدون (الحليوة) راكبة تاكسي: 

مع أن هذه الأغنية بالذات حيرتني كثيرًا، هي تنتهي -المفترض- برسالة أخلاقية وتحذير من (شقاوة الشباب)، أي شقاوة؟ الرجل رأى فتاة أعجبته فذهب ورائها فورًا ليطلب من والدها الزواج، أي أنه دخل البيت من بابه! ولكن، من يأخذ دروس في الحياة من ثلاثي أضواء المسرح على أي حال؟! 

4. فؤاد المهندس وشويكار

نترك (الشلل) كلها الآن، ونتجه للأزواج، ومن أفضل من الزوجين الرائعين فؤاد المهندس وشويكار مر على السينما المصرية، ووقعنا في غرامه صغارًا وكبارًا؟! بدايةً كطفل كان أول ماجذبني لفؤاد المهندس هو فيلم من أفلام “مستر إكس” وكان “العتبة جزاز” على ما أظن، فكرة التوأم المتماثل أحدهما طيب والآخر شرير، تنويعة كوميدية على دكتور جيكل ومستر هايد، واختلاط الأمر على الناس بينهما وكم المواقف الكوميدية الناتجة من ذلك كانت فعلًا أشبه بحلم، وكنت أستطيع مشاهدة هذه التيمة للأبد، ما كان جذابًا بالفعل عندما يبدأ الاثنان في الغناء والرقص سويًا، كل تفاهم وانسجام الدنيا يتلخص في رقصة! ورقص فؤاد المهندس نفسه قصة، الرجل قادر بالفعل على جعل كل عضلة في جسده ترقص، وهذا يرجع لأنه بدأ التمثيل على المسرح بدوره، فصنع لنا اسكتشات للتاريخ مثل “يا واد يا مفكر يا هايل” و “قلبي يا غاوي خمس قارات” وغيرهم…

  أما شويكار، فحتى الآن يذهلني كيف تواجد كل هذا الكم من المواهب في امرأة، تمثيل وخفة ظل وغناء ورقص وجمال ودلال… وأتوقف عند الأخيرة كثيرًا، دلال شويكار يُضرب به المثل، ولا أظن ممثلة من الجيل الحالي قادرة على المجازفة و قول جملة “خالص مالص ، وأكيد بالص” بثقة شويكار إلا إذا كانت تلقي بمستقبلها التمثيلي في النار إلى الأبد!

فؤاد المهندس يختلف عن من سبق ذكرهم في أنه ليس شخصية كاريكاتورية، لا يصنع كوميدياه من السخرية من عيوبه الشخصية، مثلما يفعل إسماعيل ياسين مع فمه والقصري مع عينيه وجورج سيدهم مع بدانته إلخ… كما كسر قاعدة مهمة، الفتاة الجميلة -أي شويكار والتي بالقطع تكون أجمل امرأة في الفيلم- تقع في حب  الرجل العادي وهو المهندس، الذي ليس في عنترية فريد شوقي ولا نعومة عمر الشريف ولا رقة عبد الحليم حافظ ولا سحر رشدي أباظة. وأفكار أفلام الثنائي مبتكرة بالفعل وكل فيلم له عالم خاص به، تذكر قائمة أفلامهما التي تضم “شنبو في المصيدة” و “اعترافات زوج” و “مطاردة غرامية” و “إنت اللي قتلت بابايا” و “سفاح النساء” وستفهم ما أريد قوله. 

شاهد هنا كيف يرقص فؤاد المهندس: 

وشاهد هنا كيف ترقص شويكار: 

5. روبين ويليامز 

يأتي الآن دور بطل آخر، روبين ويليامز Robin Williams، الممثل ذو الوجه الحنون والنظرة المحبة العطوف، لا يختلف ويليامز كثيرًا عن من سبق فيما يتعلق بالانطلاق أمام الكاميرا، واستغلال لغة الجسد بشكل مبتكر، لكن هناك شيء مميز جدًا لدى ويليامز يجعلك كطفل تتعلق به، هو أنه يضيف عُمقًا أبويًا هادئًا مُطَمئِنًا إلى أدائه، لا أعني عندما أتحدث عن الأبوية أنك تشعر معه بنوع من الوصاية -ليس محمد صبحي مثلًا- بل هو الأب حين يكون صديقًا، هو الجانب المشجع الذي يشعرك بالأمل من الأبوية، كما جعلنا نرى الجانب الآخر من الآباء، نحن نرى آباءنا في تلك الصورة الأسطورية، حيث الرجل الواثق الذي يعرف كل شيء ويفعل كل شيء، نرى مع ويليامز معاناة الأب وراء الابتسامة التي يظهرها لأبنائه، نرى الأب في كثيرٍ من الأحيان مرتبكًا لا يعرف ما ينبغي فعله، ولكنه مضطر للتماسك حتى لا يفقد أطفاله الثقة والأمل، لذا على الرغم من الكوميديا، وربما بسبب الكوميديا، كنت تشعر بالكثير من الحميمية في حضرة هذا الرجل، يكفي فقط أن تقترب الكاميرا من عينيه الصادقتين ويتحدث بصوته الدافئ لتشعر أنك تعرفه من زمن. لقائي الأول به كان مع Mrs Doubtfire أو كما عُرف في مصر بـ”مغامرات بابا الشغالة” وهو عن رجل يتنكر بإتقان في زي امرأة بريطانية ليعمل في بيت طليقته كمربية ويكون قريبًا من أولاده طيلة الوقت، هل هناك أب أروع من هذا؟ ماذا عن دور الجني في فيلم ديزني “علاء الدين” والذي هو عبارة عن رجل عجوز يحقق أحلام الفتى بالحب والثراء، كالفتى الذي يشتري له أبوه الآيس كريم والملابس الزاهية؟ تريد شيئًا أكثر؟ هناك فيلم اسمه Fathers’ Day بالاشتراك مع صديقه بيلي كريستال، عبارة عن رحلة رجلين للبحث عن ابن عشيقة سابقة لكليهما، وكل منهما يظن أنه ابنه ويسعى لضم الفتى إليه، في إطار من المنافسات الكوميدية شديدة الظرف. هناك Patch Adams وفيه نرى ويليامز طبيبًا يرتدي كمهرج أمام الأطفال المصابين بالسرطان لإضحاكهم وجعل أيامهم الأخيرة أقل قسوة، و Dead Poets Society حيث المعلم الذي يأخذ بيد تلامذته إلى النور، ويجعلهم يرون الجمال في الحياة، ويتذوقون الشعر والموسيقى والأدب، ويتعرفون على أنفسهم وأحلامهم. ربما تمنى معظم أطفال جيلي أن يجلسوا على حجر روبين ويليامز وأن ينادوه (بابا)، لذا كانت وفاة الرجل صدمة هائلة لنا بالفعل، وتركت غصة لن نتعافى منها بسهولة. 


6. جيم كاري

أما من احتل التسعينات بالكامل، الفتى المجنون الممتلئ بالطاقة والحيوية، الذي فتحنا عيوننا على ذروة تألقه، أتحدث عن الكندي اللطيف المحبب جيم كاري Jim Carrey. تأمل معي أفلام جيم كاري في التسعينات: آيس فنتورا، غباء في غباء، القناع، آيس فنتورا 2، كذب في كذب… كوميديا Farce جامحة جعلت هذا الفتى يتربع على عرش كوميديا التسعينيات، وهو بالفعل كان غير متوقع ويعطيك الانطباع بالقدرة على فعل أي شيء أمام الكاميرا، تعبيرات وجه وأوضاع جسدية مستحيلة! فتراه يرقص مع شارع بأكمله في “القناع” ويتحدث من مؤخرته في “آيس فنتورا” وتجده يحمل على وجهه ثلاث أو أربع تعبيرات متضادة في “كذب في كذب” وتكون المفاجأة عندما يؤدي دور The Riddler في فيلم Batman Forever ونرى فتانا المفضل في دور الشرير لأول مرة، ولكن في بداية ونهاية الشخصية نجد أنفسنا نلتمس له العذر فهو -المسكين- بائس وحزين وكان فقط يريد إنجاح مشروعه، وبهذا ينجح جيم كاري في جعلنا في سن صغيرة نتعاطف مع دوافع شخصية درامية، حتى لو كانت شريرة! جيم كاري بالنسبة لنا هو (أروش) طالب في الصف، صديقك خفيف الظل الذي تذهب إليه في لحظات الضيق فيقوم بالرقص وصنع وجوه عجيبة لإضحاكك، وهو الدور الذي عرفنا فيما بعد أنه اعتاد القيام به فعلًا في عالم الواقع مع أمه المريضة! 

شاهد من هنا مشهد رقصة الكوكوبانجو من فيلم “القناع”، وكيف تفاعلت كاميرون دياز -الممثلة المبتدئة آنذاك- مع جيم كاري أثناء الرقصة، بأنها كانت تتطلع إليه في انبهار فقط: 

7- مرور شرفي

لا أنسى أن أذكر هنا جو مانتينيا Joe Mantegna، الممثل الإيطالي الذي رأيناه فيما بعد في الجزء الأخير من The Godfather، وسيكون مرورًا عابرًا ولكنه ضروري لتقديمه أداءً كوميديًا من أروع ما يكون في Baby’s Day Out الذي ينتصر فيه الطفل الصغير -أي نحن المشاهدون الأطفال- على عصابة من ثلاثة من الرجال الأشداء (البالغين)، وقد استمتعنا كثيرًا برؤية مانتينيا -مؤديًا دور زعيم العصابة إيدي- وهو يُضرب ويُحرق ويسقط من عَلٍ ويُلقى القبض عليه في النهاية في عقر داره، كانت تجربة مسلية لطيفة يُشكر عليها الرجل للغاية. والرائع “خلف الدهشوري خلف” الذي هزَّ دور العرض في التسعينيات وأعلن ميلاد عملاق -ليس عملاقاً بالضبط، أعني مجازًا طبعًا- نحبه حتى الآن اسمه محمد هنيدي، وسأفسح المجال للحديث عنه في مقال منفصل فيما بعد. ربما تساءل البعض عن الزعيم عادل إمام أثناء قراءة هذه السطور، حسنًا، الزعيم موجود بالفعل، ولكن في فئة مختلفة بعض الشيء سنتحدث عنها لاحقًا.  

ولنتذكر سويًا شيئًا من Baby’s Day Out: 

وهذا كل شيء فيما يخص (المضحكون)، في المرة القادمة أتحدث عن فئة أخرى من أبطال الطفولة، فئة الرجال الأقوياء الشداد الذين يقسمون الخشب إلى نصفين، ويُصابون بالرصاص في المخ والقلب فينامون ساعتين ثم يستيقظون على خير ما يرام، أما من سبقوا هم من اعتادوا على إضحاكي صغيرًا، إذا قرأت المقال وجاء في ذهنك مضحكون آخرون، فمن فضلك لا تتردد في مشاركتهم معنا، وللحديث بقية. 

يُتبع…

عمر نبيل
عمر نبيل
طبيب أسنان .. مؤلف ومخرج مسرحي.

اترك تعليقا