فن

صعيدي في الجامعة الأمريكية.. ولا بنخاف

في عام 1998 انتشر الزحام أمام دور السينما في مصر، لنزول فيلم كوميدي جديد من بطولة شاب قصير القامة شديد الخفة لطالما اشتهر بأداء الأدوار الثانوية، اسمه محمد هنيدي.

حقق هذا الفيلم ذو الاسم اللافت للانتباه “صعيدي في الجامعة الأمريكية” نجاحًا كاسحًا في دور العرض، كونه مختلفًا عن نوعية باقي الأفلام آنذاك، كما أنه أحدث نقلة نوعية في السينما المصرية نتيجة ضخ العديد من الدماء الشابة الذين أصبحوا نجومًا فيما بعد، مثل أحمد السقا ومنى زكي وفتحي عبد الوهاب وغيرهم، وفتح الباب لتجارب أخرى متتالية تعتمد أيضًا على الشباب مثل “الناظر” و”شورت وفانلة وكاب” إلخ، اللافت للنظر -خاصةً لمن عاصروا صدور الفيلم- أن عشرين عامًا مرت على ظهوره للنور، وأنه حاليًا صار من الكلاسيكيات، على الرغم من ذلك لم يتراكم عليه غبار السنوات وما زال محتفظًا برونقه وجاذبيته وسط شباب الجيل الجديد حتى! وهذا يظهر في استخدام العديد من لقطات الفيلم في نكات مواقع التواصل الاجتماعي، إذن ربما كان الفيلم أكثر من مجرد تجربة جريئة مختلفة في زمانها…

الفيلم قائم على (البساطة لا السطحية)؛ يمر على أغلب مشاكل الشباب المبكر، ولكن مرورًا سلسًا خفيفًا غير معقد ولا متكلف، ونرى هذا من أول لقطةٍ في تقديم شخصية خلف نفسه، الذي نراه للمرة الأولى مرتديًا الجلباب الصعيدي وممسكًا بكتاب في يده، هكذا أمكنك التعرف على خلف من الثواني الأولى، هو ليس صعيدي النكات الذي يرى المكنسة فيحسبها فرشاة أسنان، هو صعيدي مثقف متنور.

بشكلٍ رائع فإن الفيلم يحدث تماسًا مع أي شاب يشاهده في لقطة منه على الأقل، الشاب الذي يرحل من بلدته الصغيرة إلى جنة العاصمة الضخمة المبهرة وجحيمها، القاهرة التي تتيه بسهولة في زحامها، وتشعر بالضآلة وأنت ترى مبانيها العملاقة وشوارعها الواسعة وآلاف البشر الرائحين والغادين من حولك، ألا يتسق هذا مع تجارب وربما طموحات أغلب الشباب؟ وماذا عن الصدمة الحضارية وصراع الهوية عندما تلتقي للمرة الأولى في حياتك بالحضارة الغربية ويكون عليك أن تقرر ما إذا كنت تنتمي لحضارة البرجر والبيبسي أم لحضارة الفول والطعمية، أم أن هذا لا يتنافى مع ذاك؟ ماذا عن موقفك من قضية قومية ضخمة كالقضية الفلسطينية، وأنت شاب قليل الحيلة مرتبك تبحث فقط عن موطئ لقدميك، والجميع يطالبك باتخاذ موقف من القضية بينما فشلوا هم ومن سبقوهم في فعل أي شيء؟!

كل هذا في إطار قصة شبابية لطيفة لا بد أن أي شاب قد مر بها في مرحلة ما من حياته، حب الفتاة البارزة في الكلية ومحاولة تغيير نفسه، هناك بالطبع من ينافسه على الفتاة ولا بد أن يكون متقدمًا عنه بخطوات بحيث يلهث البطل في محاولة اللحاق به، هكذا القصة دائمًا، على الهامش هناك الصديقان (حسين وعلي) اللذان يتشاجران من أجل الفتاة لمياء، لمياء التي تشبه القاهرة كثيرًا، فهي مبهرة غدارة ساحرة تعطي الوعود وتبيع الأوهام للجميع ولا تبتسم حقًا إلا لأصحاب رؤوس الأموال. ربما بدا كل هذا سهلًا، ولكنه سهل ممتنع، والدليل أن هذه الخلطة لم تنجح مع أي فيلم آخر بهذا الشكل منذ تلك الأيام.

اللافت للنظر والذي يعطي الفيلم جاذبيته المستمرة إلى الآن هو رشاقة المواقف وطزاجة الحوار الكوميدي، والتفاهم والتناغم الشديد بين أبطاله الذي يعطيك انطباعًا أن الكثير من الحوار هو نتاج لارتجال ما بين الممثلين أثناء التصوير، ممثلين في نفس الفئة العمرية للشخصيات وفي ظروف مشابهة، فهم لم يصيروا نجومًا بعد، بالتالي كانوا على قرب من إحساس الشخصيات ولغة الشباب وكانوا يحملون شيئًا من روح الهواة، فكانوا يؤدون في الفيلم باستمتاع. ربما ترى فيلمًا مثل “عن العشق والهوى” بعده بسنوات طويلة، بعد أن اكتسب أحمد السقا وطارق لطفي سنوات من الخبرة التمثيلية، فتتساءل أين ذهبت الروح الرائعة التي كانت بين الاثنين في صعيدي في الجامعة الأمريكية، والتى جعلتك للوهلة الأولى تظن أن حسين وعلي إخوة بينما هم مجرد أصدقاء؟!

الجميل في الفيلم أنه ينتهي نهاية واقعية تمامًا؛ هناك النهاية السحرية بأن تحب الجميلة البطل في النهاية ويتزوجان، وهناك نهاية أن ينضج الفتى ويعرف قيمة الأشياء والأشخاص، ويعرف أن من تستحقه حقًا هي صديقته التي وقفت بجانبه (على الحلوة والمرة) في لحظات ضعفه وانكساره، في إشارة لطيفة جدًا إلى أن الحياة ليست قصة أسطورية. وحسين الذي كان يعيش أحلامًا أسطورية لا تناسبه أيضًا، فنراه في مشهد مع خلف في محل عمله فيقول له خلف: “إنت بتتعب ف المكان دة قوي يا حسين، أمال لو كنت صاحبه!” ليرد عليه حسين: “إن شاء الله ربنا يكرمني وابقى صاحبه”، ينضج حسين أيضًا في نهاية الفيلم فيتخلى عن أحلام لمياء والثراء ويتصالح مع نفسه الرومانسية البسيطة ليتزوج فتاة رقيقة تلائمه بطريقة جامحة  تتناسب مع جنون الشباب. علي أخيرًا يحقق الشهرة في عالم الغناء، فبعدما كان يغني أغاني المطربين الآخرين، ينجح في تحقيق حلمه فقط عندما قرر أن يعبر عن نفسه، في أغنية كانت خير ختام لهذه الملحمة الشبابية، ملحمة يمكن أن ترى نفسك فيها؛ في رقة حسين وشغف علي وحماس أحمد و(روشنة) هاشم ودلال عبلة و(جدعنة) زيادة وحيرة خلف، أغنية تنتصر للشباب ولحيويته ولطموحه:

ولا بنخاف من الدنيا بحالها 
لو عايزين الشمس نطولها 
نمسك نجم السما بإيدينا 
والدنيا إن مالت نعدلها 
ولا بنخاف

عمر نبيل
عمر نبيل
طبيب أسنان .. مؤلف ومخرج مسرحي.

اترك تعليقا