رأي

لا تمت وحيدًا

ليس سهلًا أبدًا على أحدٍ تقبل هذه الحقيقة المؤكدة التي نؤمن بها جميعًا،   لكن يختلف كلٌ منا في استقبال حدوثها ( الموت الفجأة).. من أقسى الصدمات التي يمر بها الإنسان، كثيرون لا يستطيعون استيعاب ماحدث إلَّا بعد مرور عدة أشهر وربما عدة سنوات.

كيف مات؟ كان على ما يرام البارحة؟ كيف حدث هذا؟

أسئلةٌ تقفز إلى أذهاننا حين نعلم بوفاة عزيزٍ علينا خاصةً إذا كان في ريعان الشباب، ثم نبدأ في محاسبة أنفسنا.. هل قصرنا في حقه أثناء حياته؟  أم شعرنا فجأةً بهذا الفراغ الداخلي بأنَّ هذا الشخص لم يعد موجوداً بعد الآن.

جميعنا صُدِمنا من خبر وفاة الفنان الشاب هيثم أحمد زكي – رحمه الله –  الذي باغته الموت وهو لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، تضاربت الأقوال عن سبب الوفاة.. فبحسب جريدة الوطن فسبب الوفاة هو هبوط حاد في الدورة الدموية، إلَّا أنَّ جميع المصادر أجمعت أنَّه كان وحيدًا حين كان ينازع في لحظاته الأخيرة.

رحيل هيثم زكي وحيدًا.. مثلما عاش حياته وحيدًا

 في حوارٍ تليفزيوني له مع عمرو الليثي، قال أنَّه كان يعاني من الوحدة مثلما عانى منها والده، كانت تبدو عليه دومًا علامات الحزن والأسى.    

حلقة اللقاء التلفزيوني مع عمرو الليثي

 ربما فقده لوالدته في طفولته 

ثم  رحيل والده  وهو في بداية شبابه في العشرينات من عمره.. 

 وعدم وجود إخوة له بالقرب منه، ساهم  ذلك كثيرًا في تكوين حالة الوحدة والعزلة التي عاشها، وأنفق فيها أروع سنوات شبابه، حتى أنه تأنى بشدة في قرار الزواج وتأسيس عائلة فرحل- رحمه الله -وهو لا يزال خاطبًا.  

 ربما شعر أصدقاؤه  أنهم خذلوه، لم يسألوا عنه، لم يعرفوا أخباره، لكنه أيضًا وكما قيل فضَّلَ أن يبقى بعيدًا هادئًا منعزلًا ومتعايشًا مع وحدته.

الوحدة ليست من طبيعة البشر 

الوحدة والانعزال ضد الطبيعة البشرية، فالإنسان مخلوقٌ اجتماعي يحتاج إلى الناس، يريد أن يشارك أفراحه وأحزانه مع أحدٍ يُحبه، يحتاج إلى العلاقات الاجتماعية ومخالطة الناس والتعلم منهم وتنمية مهاراته. ثمَّ ماجدوى الفرحة إن لم تجد من تحتفل بها معه! وما أقسى الألم حين لا تجد من يحمله معك ويخفف عنك..  

الشاعر الكبير كريم العراقي تعرَّض لأزمة صحية  قال عنها في حوارٍ تليفزيوني أنه لم يشأ أن يمر بهذة المحنة وحده،  كان معه دائمًا صديقاه فهو- كما قال- كان في تجربة مُرعبة وأصدقاؤه ساعدوه في تجاوزها  بسلام.

وفقًا للدراسات: لا تعش وحيدًا..  حتى لا تموت سريعًا.. ووحيدًا!  

ففي  دراسة تحليلية للباحث جوليان هولتلنستد من جامعة برغام يونغ الأمريكية، شملت ١٤٨بحثاً ودراسة قديمة، تُبيِّن أن أخطار العزلة على الصحة ليست بأقل من أخطار التدخين، فبعد الأخذ في الاعتبار عوامل الخطر الأخرى، سجَّل المشرفون على الدراسة النتائج الآتية:

 تأثير العزلة يُشبه تأثير تدخين 15 سيجارة في اليوم، وضرر العزلة يساوي الضرر الناجم عن تعاطي الكحول، وهي أكثر ضرراً من عدم ممارسة الرياضة، وضررها أشد من ضرر الإفراط في زيادة الوزن بمرتين.

 وفي السياق نفسه، توصَّلَ باحثون من جامعة شيكاغو إلى نتائج مثيرة للغاية في شأن العزلة.

 ففي دراسة استغرقت ست سنوات وشملت أكثر من 2000 شخص من الرجال والنساء الذين تخطت أعمارهم الـ ٥٠ سنة، أكدت النتائج أنَّ أخطار العزلة تفوق أخطار السمنة، وأبرز هذه الأخطار هي:

  •  ارتفاع ضغط الدم، وزيادة خطر الوفاة، والإصابة باضطرابات النوم، والشعور بالخمول والكسل في اليوم التالي، والدفع إلى تناول المنومات والمسكنات، مما يجعل الأمور أكثر تعقيدًا.

وأوصى الباحثون كبار السن بأن يكوّنوا دوائر اجتماعية، وأن يتواصلوا مع الآخرين، وأن يقصدوا المناطق المشمسة ويقوموا بالأنشطة الرياضية والحيوية، وأن يكونوا فعّالين في الأعمال التطوعية. 

فالأشخاص الذين يعيشون في عزلة دائمة يعانون من تغيرات مزاجية حادة قد تؤدي بهم إلى الاكتئاب!  وليس شرطًا أن ينعزل الإنسان في مكانٍ بعيد.. ربما كان وسط عائلته لكن لا يشعر به أحد فهو منطوٍ على نفسه، يتخذ من غرفته صومعةً له، دائمًا شاحب الوجه وحزين ولا يتكلم كثيرًا، وإذا تكلم ربما يصدر عنه كلمات جارحة فهو يفتقر إلى الذكاء الاجتماعي ومهارات التواصل مع الأشخاص والعالم المحيط به، هنا يجب على العائلة أن تُخرجَه من هذه الحالة، وتساعده في أن يُكوِّن أصدقاءَ ويجرب أنشطة جديدة، وينمي مهاراته ويخرج للحياة.. ففي العالم ما هو أجمل بكثير من جدران غرفته وشاشة هاتفه. 

هناك بعض الدراسات أشارت أيضًا إلى أن التكنولوجيا ساعدت هؤلاء الأشخاص الذين يميلون إلى الوحدة أو الانطواء على التقوقع أكثر وملازمة البيت لفتراتٍ كبيرة والبعد عن الناس، فهو يجد في هذا العالم الافتراضي كل ما يريده، بل ينتقي ما يريد مشاهدته.. إلا أنه لا يدرك مع الوقت أن هذا العالم الافتراضي أصبح أحد أهم مسببات الاكتئاب الحاد، كما أنه يسبب أحيانًا الأرق المزمن، وسيؤخر اندماجه في المجتمع حين يريد أن يرتبط عاطفياً، أو حين البحث عن وظيفة، كما أنَّ خبرته ستظل ثابتة عند حدٍ معين، و سيعانى من قلة الثقة بنفسه أكثر مع مرور كل يومٍ في عزلته.

حان الوقت للخروج من عزلتك 

هذه الحياة  وهذا العالم أرحب وأجمل  بكثير من تلك العزلة التي فرضتها على نفسك، اخرج الآن من عزلتك واكتشف العالم من حولك! جرب أشياء جديدة، كوِّن صداقات جديدة، وتعلم من كل محاولة فشلت فيها.. أعد اكتشاف نفسك وستدهشك قدراتك وطاقتك الإبداعية الكامنة بداخلك.. فوفقًٰا للواقع: الحياة كئيبة جدًا حين تظللها الوحدة، والأسوأ أن تنتهي بك الحياة على هذا الشكل، وأيضًا الدراسات العلمية التي أجراها الباحثون على الأشخاص الذين يميلون للوحدة أثبتت أنَّ الاكتئاب الشديد والموت مبكرًا من أهم أسبابه الوحدة والانطواء على النفس. 

وإذا كنت تميل إلى العزلة أحيانًا فلا بأس.  

  فهناك عُزلة  مفيدة ينصح بها الباحثون،  وهي عزلة مؤقتة ولوقتٍ قصيرٍ محدود لا يتعدى الأيام، يحتاجها الإنسان ليعيد حساباته وتفكيره ليعود أفضل ممَّا كان.  

المصادر  

موقع مجلة لها  

مروة صابر
مروة صابر
كاتبة قصص قصيرة وباحثة ماجستير فى الصحافة كلية الآداب جامعة الزقازيق. رئيس تحرير سابق لدى موقع عنوان عملت باليوم السابع وقبله جريدة كفر الشيخ كمحررة فى صفحة الأدب.

اترك تعليقا