فن

كيف نستمع للموسيقى؟ برزخ الدويندي!

في اللغة العربية البرزخ حائل بين شيئين وحتى تعبر للضفة الأخرى عليك اجتيازه، وفي الفلامنكو البرزخ فاصل بينك وبين الدويندي، ولكن كيف تجتاز ذلك البرزخ؟

كمشهد متكرر في حياتك لا بد وأنك تعزل سماعك للموسيقى عن حياتك اليومية، فعلى سبيل المثال من أجل الاستماع إلى موسيقى حية فإنك تخرج من بيتك للذهاب إلى المسرح للاستماع أو حتى لو كانت موسيقى مسجلة فإنك مضطر لوضع سماعتك لتنفصل عن العالم، هذه التجربة النفسية في حد ذاتها ترسخ فينا فكرة البعد، أي أن الموسيقى منفصلة عن حياتنا ويجب أن نبذل مجهودًا للاستماع إليها، وهذا في حد ذاته عائق يخفى تمامًا عن إدراك الكثيرين، بشكل شخصي يمكنني أن أعدد لك مئات المرات التي اضطررت فيها للسفر للاستماع إلى حفلة واحدة ثم العودة إلى مدينتي، مما يرسخ ضرورة الحديث عن البرزخ الذي يفصلنا عن الموسيقى، وهذا الحديث للأسف يستلزم منا الاعتراف بوجود حاجز في البداية بيننا وبينها فعندما أقول أنني في حياتي اليومية منفصل عن الموسيقى بما يطغى على حياتي من عملية وبحث عن القوت والدراسة وغيرها من الاجتماعيات فإنني أثبت منطقيًا أن الموسيقى ليست في الحياة نفسها التي أعيشها..

أصغي إلى الموسيقى
يقول الناس بيننا برزخ
فمن علّم العندليب الغناء؟

هذا الانفصال الوهمي بيننا وبين الموسيقى يوحي كذبًا بأن هناك برزخًا يجب أن نعبره للاستماع لها وقد يكون هذا البرزخ هو الفاصل بين حياتنا الروتينية وبين الهدوء المناسب للاستماع للموسيقى أو غيره، ولكننا نشكك بقوة في هذا المفهوم.. ففي حالة الدويندي الإسبانية تجتاح الموسيقى كل من يعزف ويرقص ويستمع بشكل ينفي انفصالهم النفسي عنها، وهذا بالتحديد هو الغاية.. الخروج من إحساسنا بالانفصال عن الموسيقى بشكل يشبه الميلاد في المثيولوجيا؛ حيث يمر البطل برحلة ميلاد ثانية ليختبر مساحات أوسع جديدة من الحياة.

تميل الفلسفة المعاصرة إلى التعرض لمفهوم الموسيقى محاولة تعريفه، فيقول البعض أنها أصوات منظمة تنتج بغاية الجماليات وعدم النشاز، ولكن هذا التعريف قاصر وسنتعرض للأسباب فيما بعد.. أما الآن فيمكننا القول أن الموسيقى تحوي الصمت وسكتات الموسيقى وسط العزف هي موسيقى وبالتالي فالموسيقى ليست أصواتًا منظمة بالضرورة، وهنا نجد أنفسنا في مواجهة البنيتين الأساسيتين اللتان تحملان الموسيقى كما تحملان فنونًا كثيرةً أخرى، وعند فهم هذه البنية يمكننا أن نقترب من إدراك الدويندي وممارسته.

الزمن والعاطفة

تجسيد الزمن في الموسيقى يتم عن طريق الإيقاع، وعند التدريبات للاعبي الإيقاع تتعمد بعض المدارس توعية اللاعبين على أن الإيقاع موجود في كل شيء حولهم في حياتهم، للمشي إيقاع وللنبض إيقاع وكل حركة إيقاع بل كل سكون يتوسط الحركة له إيقاعه، كأن جسدك في حالة المشي أو السكون يحمل طاقة ما متحركة نابضة يمكنها أن تلهمنا لخلق جزء أساسي من أي مقطوعة كإيقاعها، كل شيء متصل في حقيقة الأمر، ولاعبو الإيقاع يدربون أنفسهم على استنباط أعداد ضخمة من الإيقاعات من حركة وسكون الحياة حولهم للتميز بينها حتى يتشربوا تمامًا إحساس الزمن.

وعلى الجانب الآخر فالعاطفة ليست شيئًا ثابتًا، بل تتغير داخل أنفسنا بتغير الظروف في اليوم الواحد بين الحزن والخوف والسعادة والحب والغضب وغيرها، وكل عاطفة فيهم تستحق التعبير عنها لكونها إنسانية.. وكفى. 

عند الاستماع إلى صوت تغريد الطيور تتحرك عواطفنا وذلك لأن الكثير من أصوات الطيور تتوافق مع بعض المقامات الموسيقية، عند التحدث مع شخص ما يمكنك استنتاج حالته الشعورية من كلامه، فقد تدرك غضبه أو سعادته أو حماسه أو حزنه فقط من صوته دون أن تراه، لأننا في حديثنا نصدر أصواتا تخضع لقواعد الزمن والعاطفة؛ ولذلك فالموسيقى تنطلق استنادًا على هاتين اللبنتين اللتين هما جزء لا يتجزأ منا ليتم تشكيلهما بعدة قواعد لبناءٍ موسيقيٍّ مجرد.

من هنا يمكننا الزعم أن الموسيقى ليست منفصلة عن الحياة، بل هي الحياة بشكل سمعيّ مجرد، فباب الدويندي مفتوح دائمًا لا تحتاج إلا للإنصات وستجد الحياة النابضة داخلك تزداد نبضًا، الحياة حركة مستمرة وكذلك الإيقاع لا يتوقف طيلة العزف، ولكن الحياة متغيرة فوجب على الإيقاع التغير دائمًا لتجسيد ملهمته الأزلية! 

  • في عتمة الليل – مقام الكرد صادح
  • حوار عندليب مع القمر.
عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا