فن

الجوكر|جمهور الصالة يصفق لبطله.. قبل أن يصفق له جمهور الفوضويين على الشاشة

تحذير: المقال يتحوي على حرق لأحداث الفيلم.. فينصح بقراءة المقال بعد مشاهدة الفيلم.

لا داعي للقول إنك لن تجد فيلم comic book  هنا، فهذه المعلومة صارت قديمة إلى حد الملل، ربما نصحتك بمشاهدة أفلام مثل Taxi Driver  و The King Of Comedy للعظيم مارتن سكورسيزي وبطولة الأسطوري روبرت دي نيرو، وهي أفلام تعني في الأساس بدراسة تطور الشخصية بطريقة كلاسيكية للغاية، ربما مشاهدة لـ The Dark Knight  قد تفيد أيضًا، ولكن إذا أردت أن تلقي هذا كله وراء ظهرك وتشاهد Joker منفصلًا فلا بأس، فهو قصة قائمة بذاتها، وهذه مزية هامة من مزايا عديدة للفيلم، فلن تجد خطوطًا كثيرة لا غاية لها إلا فتح الباب لأجزاء أخرى أو ربما سلاسل أخرى، بل ستجد بناءً راسخًا محكمًا مستقلًا بنفسه.. ولكن للإنصاف تبقى مشاهدة الأفلام السابق ذكرها متعة إضافية لـ Joker إذا شاهدته وهي في ذهنك.

لماذا أقول ذلك؟ لأن تأثر صانع الفيلم -مخرجه ومؤلفه- تود فيليبس بفيلمي سكورسيزي يبدو ظاهرًا بوضوح، واحتفائه بهم في فيلمه على طريقته، مما يثير الكثير من النوستالچيا، خاصةً مع اختيار روبرت دي نيرو لدور موراي فرانكلين مقدم البرامج الكوميدي الشهير، على الجانب الآخر تشعر وكأنه يسير في طريق ليصل في النهاية إلى چوكر هيث ليدجر، خاصةً مع تطور ضحكة أرثر لتشبه شديدة الشبه بضحكة الأخير، واللقطة الختامية عند قيامه من سيارة الشرطة والتي تذكرك بشكل كبير بلقطة وقوف الچوكر أمام المدينة في المشهد الافتتاحي من The Dark Knight.

بدا واضحًا منذ البداية أن تود فيليبس ينتوي نية سوداء ناحية أعصاب المشاهد، وأن يهدم ثوابت سينمائية على مدار فيلمه، فيلم فيليبس لا يرحم ولا يهادن، ولا يترفق بأعصاب المشاهد، لا تمهيد ولا لحظات تنفيس ولا أي شيء، دقائق مكثفة من الألم والضغط والمعاناة.. الهدف هنا أن يعيش المشاهد معاناة أرثر، وأن يرى العالم بعينيه حتى يمكنك الشعور بالمشاهدين إلى جوارك في دار السينما على وشك الصراخ بالنيابة عنه “كفى”.

نبدأ في المشهد الافتتاحي لنتعرف على المدينة التي انتشر فيها العفن، من خلال خبر يتحدث عن انتشار الفئران في كل مكان، ونرى أرثر يضع أصباغًا ثقيلة أثناء استماعه للخبر، محاولًا بهذه الأصباغ مداراة العفن الذي بداخله، كما سنعرف فيما بعد أن المدينة تضع أصباغها الخاصة بدورها والتي لا تنجح على الإطلاق في مداراة أي شيء، ثم تقترب منه الشاشة لنراه يرغم نفسه على الابتسام إرغامًا، في لقطة مرعبة للغاية تشرح كم الصراع الذي يدور بداخل أرثر بين رغبته في البكاء وإيمانه بضرورة الضحك، وكل هذا في الثواني الأولى.

عادةً إذا أراد الفيلم الكشف عن تطور ما في الشخصية، فإنه يكرر تعرضها لموقف معين، مع تغير تصرفها في كل موقف.. في المشهد الأول يرقص أرثر مرتديًا وواضعًا ثياب وأصباغ المهرج في الشارع، يهجم عليه مجموعة من الصبية ليوسعوه ضربًا، وينتهي به المشهد راقدًا على أرض الشارع يئن في ألم.. تمر أحداث الفيلم، يهدي أحد زملاء أرثر إليه مسدسًا ليدافع عن نفسه، ليؤدي بعدها واكين فينيكس مشهدًا يبدو بشدة وكأنه ارتجاليًّا وهو ممسك بالمسدس في وضعية تجعله يشعر بالقوة والاكتمال، وقد صورته الكاميرا من الأسفل فبدا عظيمًا واثقًا، ونعرف أن أرثر مصاب بداء عصبي يجعله ينفجر ضحكًا كلما مر بضغط أو بتوتر، ثم يتكرر المشهد الأول بشكلٍ مختلف قليلًا.. يجلس أرثر في المترو ليلًا بنفس ثياب المهرج، يحاول ثلاثة من الشباب التحرش بفتاة جالسة في هدوء، تنظر إلى أرثر -هزيل البنيان قليل الحيلة- فلا يستطيع إجابتها إلا بالضحك المتواصل، ونرى في عينيه أنه يتألم، فعلاً يتألم.. يتألم من القهر ويتألم لعجزه عن مساعدة الفتاة ولعجزه حتى عن التوقف عن الضحك، ومن فرط الضحك تخشاه الفتاة فتنهض وتغادر العربة ويدور مشهد متوتر جدًّامع تقطع إضاءة عربة المترو وحركة الشبان حول أرثر وهم يتحرشون به حيث ظنوا أنه يضحك سخريةً منهم، ثم ينهالون عليه ضربًا، بالضبط كما في المشهد الأول. ولكن هنا تختلف النهاية؛ حيث يخرِج مسدسه وينهي حياتهم جميعًا ويجري، يجري ليقف أمام مرآة ويرقص، الرقصة التي لم يستطع إنهائها في مشهد البداية.

نرى أرثر في الدقائق الأولى من الفيلم شابًا وديعًا جدًّا، من فرط المعاناة في هذا المجتمع الظالم القاسي يتناول العديد من الأدوية النفسية فقط لتجعله هادئًا وهذا عن طريق نوع ما من المعونة، تظهر وداعته في مشهده مع روبرت دي نيرو عندما صاح بكل براءة : “أحبك موراي”، ونظرته الطفولية وهو يتحدث عن حبه لأمه وعندما أخبره موراي أنه يود لو كان لديه ابن مثله، شاب وديع هو يعتني بأمه ويشاهد معها برامجها المفضلة، ويستمع إلى كلامها بإيمان تام عندما تتحدث عن توماس واين الرجل النبيل الذي هو أملهم الوحيد في حياة أفضل، شاب وديع تخبره أمه باستمرار أن من واجبه إسعاد الناس عن طريق إضحاكهم حتى أنها تناديه دائمًا Happy أي “سعيد”.. وهذه نقطة محورية جدًّا في صناعة المسخ الذي سنراه لاحقًا، فأمه قد قامت بتربيته تربية منفصلة تمامًا عن الغابة التي يعيش فيها، ربته تربية مثالية فصار طوال الوقت أشبه بالأطفال، ويدور داخله صراع بين ما يعيشه وبين ما تربى عليه، وما يعتقد أنها مبادئه، وقد ترجم هذا إلى مرض نفسي يأخذ له سبعة أدوية مختلفة.

تكون نقطة تحول هامة هي انقطاع المعونة وبالتالي توقفه عن تناول الأدوية، من هنا تتخذ الحياة بالنسبة له مجرى مختلفًا، وكأن الأدوية كانت تخمد الوحش الكامن بداخله.. ومع إدراكه بوهم علاقته مع جارته، ولقائه بتوماس واين -والذي يكون لقائنا الأول به وهو يتبول- الذي ينتهي بمعاملته باحتقار من واين بل ولكمه، وسخرية معشوقه موراي منه على التليفزيون ومرض أمه، يكون المشهد عندما يذهب إلى المستشفى ليجد سجلات قديمة تتحدث عن جنونها وأنها تبنته وتعيش في وهم أنه ابن لها من توماس واين، يقلب أرثر الاحتمالات في رأسه، حتى احتمال أنها مظلومة وأن كل هذا من إعداد توماس واين، ولكنه يقرر أن كل هذا ليس مهمًّا، ومن هنا تكون البداية…

مع انقطاع المهدئات يبدأ أرثر في رؤية العفن أخيرًا، ينقشع التأثير الوردي للأدوية عن العالم ليراه أرثر على حقيقته، ثم نرى مشهدًا وهو يتخلص من كل ما آمن به وما يمثله، أمه وتربيتها المثالية الطفولية.. يقول لها وهو يدخن بجوار فراشها في العناية المركزة: “طالما ناديتني بــ (سعيد).. لم أكن سعيدًا للحظة واحدة في حياتي اللعينة!”

قبل أن ينهض ويخنق أنفاسها في برود تحت الوسادة، هو هنا في الحقيقة يقتل نفسه القديمة، بكل ما تعلقت وآمنت به. 

من الأشياء التي لم يختلف عليها اثنان شاهدوا الفيلم هو أداء واكين فينكس، أداء مجهد جسديًّا ونفسيًّا وذهنيًّا بشدة،

يدخن طيلة الفيلم -وهذا من الأمور الغريبة في فيلم هوليوودي- ارتجاليًّا كما يبدو في لحظات عديدة وأحيانًا مسرحيًّا، لكن صعوبته من وجهة نظري هو التزامه في أوقات كثيرة بالضحك، انفعالات مثل غضب أو خوف أو توتر يعبر عنها بالضحك، ولكن ما يكشف عن انفعالات أرثر وراء الضحك هي عينا واكين فينكس، بالإضافة إلى الموسيقى، التي كانت بطلًا حقيقيًّا في الفيلم، وكانت تكشف عن انفعالات بطلنا أرثر حين عجز عن التعبير، وحققت التوتر في مشاهد جعلت المشاهدين على وشك القفز من مقاعدهم، وعلى المستوى البصري فالمخرج لم يدخر مجهودًا في جعل كل مشهد مميز بصريًّا، وخلق لقطات لا تنسى للفيلم، كما جعل عن طريق الصورة من المدينة بطلًا آخر للفيلم، بل إن معادي البطل هنا Antagonist  هو المدينة ذاتها، المباني الشاهقة والبرامج التليفزيونية والمترو والقمامة والفئران في الشوارع وموراي كل هذا عناصر من عناصر جوثام المعادية لأرثر.. ربما اختلف كثيرون على السيناريو، وهو به بعض الثغرات بالفعل، جميعها في الشخصيات المجاورة لأرثر، فكما هو واضح اهتم فيليبس كثيرًا -أكثر من اللازم- بتطور أرثر نفسه حتى أهمل بعض التفاصيل الفرعية الخاصة بدوافع الشخصيات الثانوية.. مثل لماذا أخبر زميله رئيس العمل عن المسدس، ولماذا كان رجلا الشرطة يحتاجان إلى الكلام معه بشدة إلخ. ولكن يحسب له التكثيف الشديد لدرجة أنك توشك على أن تشهد تطور أرثر في ذات المشهد، وأنه اعتمد بشكل كبير على سرد خلفية الچوكر من خلال موقف وتطورات وليس من خلال الكلام أو الحكي فنراه يستغرق مثلًا في مونولوجات مطولة تستفز تعاطف الجمهور على سرير الفحص النفسي عن قسوة العالم إلخ، وأعطى الفرصة لواكين للارتجال ليقدم دورًا من أفضل ما قدم في حياته.

الفيلم هنا جريء جدًّا.. لا يدعي الشر لبطله ولا يعتذر عنه ولا يقدم رسالة أخلاقية في النهاية، بل على العكس.. هو يتشارك معه في وجهة النظر، ويشرك المشاهد معه في ذلك أيضًا، ولعل ذلك هو سر الجدل والصخب القائمين على صناع الفيلم.. أما عن تجربتي الشخصية في مشاهدة الفيلم في دار السينما ومتابعتي للتعليقات التي تؤكد أن هذا أمر متكرر، تفاعل جمهور السينما بحماس شديد مع مشاهد حرق المدينة، كما حيُّوا واكين فينكس عند ارتدائه زي الچوكر للمرة الأولى، وكأننا في المسرح وقد ظهر أخيرًا البطل المنتظر الذي سينقذ الجميع، قبل ربع ساعة تقريبًا من إنقاذ الفوضويين له من قبضة الشرطة وإعلانهم للجوكر قائدًا وزعيمًا لهم، ولكن المفارقة هنا أن البطل لن ينقذ أحدًا، بل سيحرق كل شيء.. لا أذكر أن نفس الأمر قد حدث في دور عرض Batman Begins  عند ارتداء بروس واين لزي الباتمان للمرة الأولى.. مؤشر مخيف، تجاوز الحد الفاصل بين الإعجاب أو حب الچوكر كونها شخصية درامية مكتوبة وممثلة بعناية إلى التعاطف والاتفاق مع دوافع هذه الشخصية، ولكن ربما ليس غريبًا إذا اعتبرنا أن الچوكر هو أقرب إلى رجل الشارع العادي، الذي ربته أمه على العيب والحرام ليكبر ويجد نفسه وسط مجتمعًا قاسيًا وحشيًّا مخيفًا لا يرحم الضعفاء والطيبين، بينما باتمان -كما نراه هنا- هو مجرد فتى ثري مدلل يحاول ملء فراغ حياته، وهو في النهاية حارس الأغنياء لا المنبوذين البسطاء.. وربما هذه تبقى من أكبر الثوابت التي ضربها الفيلم في مقتل، ربما الناس تنتظر الچوكر لا باتمان في نهاية المطاف.

عمر نبيل
عمر نبيل
طبيب أسنان .. مؤلف ومخرج مسرحي.

اترك تعليقا