صوت

بين أنياب الدهر

لحظة واحدة من الزمن انغمس بها ستون عامًا ، أراها أمام عينى الآن ، أسمع صوت التفاصيل ، أشعر بها حية كأنى عشتها أمس ..

تمر جميع الألوان، تتداخل وتنفصل، ومن بينهم قلبى ؛مختلط بأزرق السماء ورمادى الأرض .. عندما ألمس وجهى أتحسس شقوق الزمن ، منحوتة به الأيام يومًا بيوم .. شئ ما يضئ أمام عينى ويختفى ، إضاءة شديدة كادت تصيبنى بالعمى من قوتها ثم ظلام دامس كأننى لم أر يومًا .. ماذا أرى الآن ؟

أعتقد أنه عمرى ..

فجر طفولتى .. نهار شبابى .. غروب شيبتى .. أحقيقةٌ أم عدم ؟ كم عشت أنا ؟ أيها الزمن كيف مررت بى ؟! الكثير من الذكريات تأتى وتتلاشى كأننى لم ألبث فيها إلا لحظةً واحدة .. أَنظر الآن إلىّ ، إلى ملابسى ، خطوط يدى ، جسدى المُنهك كثيرًا كأننى مشيت طوال الطريق ولم أجد عربة واحدة تنقلنى إلى المكان المرجو ، قدماى هما اللذان سارا بى طوال ستون عامًا ، كشعور المشى حافيا ونغز كل ما بالأرض وارتطامه بى ، مواجهة الرياح الشديدة وانا لم أتمكن من معرفة أهذا هو الطريق المرغوب أم لا ..
عشت كثيرا .. كثيرا لدرجة أننى لم أُدرك كيف مرت بى السنين ، تاهت بى الأيام وتهتُ بها .. كنت أتعكز عليها ، أتعكز على ما يفنى ، حتى وصلت للحظة الإدراك الأولى ، وهى التى أعيشها الآن .. هى التى أشعر بها فهى مركزى وأيامى كظلال بمجرد أن غربت شمسى لم أعد أراها ..

شمس صباحٍ فى يوم مزدحم ، ذاهبٌ أنا إلى العمل ، أضجر من استيقاظى مبكرًا ، أرى الملل يظهر على وجوه العابرين، خطواتى مُقيدة، أفكر كثيرًا فى ما حدث وما سيحدث ، أتخبط بالمارة ويتخبطون بى، يُخيل لنا أن حركتنا ثابتة ، لكن الحقيقة التى ندركها مؤخرا أننا عشنا طوال الحياة نرتطم بالأشياء وترتطم الأشياء بنا.. أصل كعادتى متأخرًا ، يوبخنى المدير على عدم إتمام مهامى ، أستمع جيدًا إلى ما يقوله ولكن ما يدور فى عقلى الآن ” هل زوجتى طبخت الفاصولياء أم طاجن البامية ” أخرج من المكتب بالإرشادات التى لم أنصت لأى منها ثم أذهب إلى مكتبى وأبدأ بالعمل ، ساعة ثم ساعة ثم العديد من الوقت يمر لينتهى يومى الوظيفى وأخرج لأواجه نفس الوجوه التى يظهر عليها الضيق والضجر ..

مِن المواصلات العامة إلى بيتى ورؤية زوجتى ..

مَن يشدد أزرى؟
من يتحمل مزاجيتى ، من يبحث لساعاتٍ على فردة جورب ضائعة، من يهتم لى، من يأكل قلبى بابتسامه، وعقلى بمناقشة، وعينى بجمالٍ ، و روحى بعفوية ، غيرها .. الأم التى لم تُنجب ، لكن لحسن الحظ هذا؛ فهى لى .. لى فقط .. زوجتى وأمى وطريقى للحياة ..

أدخل البيت، أنادى عليها كى أسرق نظرة وعناق _ يكفى الوجوه التى رأيتها اليوم _ تخرج ببريقها الذى لم ينقص يومًا منذ أن أحببتها ، تُجهز طعام الغداء ولابد من الرائحة أنه يوم طاجن البامية العظيم الذى أكل عقلى فى العمل، أجهز الطاولة ونجلس لنتناول ، ثم الشاي فى الشرفة والحديث الطويل الذى لا ينقطع بيننا عن تفاصيل اليوم.. لابد أن كل منّا يحتاج إلى ما ينصت له ليصبح ما يؤلم أخف ألمًا، لمجرد الشعور بأن هناك من يحمل هذا معنا، لكن الحياة أشبه باللص الذى يسرق كل ما هو ثمين ..

تأتى الحقيقة التى كانت تختبئ خلف الأسوار .. الشئ الوحيد الثابت الذى يأخذ ما يريد فى الوقت الذى يريد، إنه الموت ..
الوقت يندثر فى شرفات الليالى الحزينة، الألم يطفو على شطوط بحر هذا الليل .. الرياح، أشعر بها الآن أكثر من أى وقت مضى، والغيوم تكاد تغلق عينى فلا أستطيع الرؤية ..

يوم تكرر لعقدين كاملين، ثم تبعه وجودى هُنا وانتظارى إلى ما خلف هذا السور كى يأخذ بى إليها .. إلى بريق السماء .. لابد أن الرصيف هذا له عُمر أطول، كما أشعر أنه حى أكثر منى ، فلا يأبه لمن يمشى عليه ، لا يشتاق ، لا ينتظر ، إن هُدم فيكون هذا بعد فترة كبيرة من الوقت ، لكننى أُهدم كل لحظة ..
اللحظة التى إن ذهبت لن تعد مرة ثانية، كيف للوقت أن يمر هكذا! وكيف يسلب فى طريقه كل شئ؛ أجسادًا ، أرواحًا، وشعورًا ، إنه عدوى الوحيد على هذه الأرض! بل إنه عدونا جميعًا ، يختلس منا دون أن نشعر به ، لا ننتبه له أبدًا إلا عندما يأتى يوما ونشعر أنه مرّ علينا ومضى .. مضى سريعًا دون أن نلحظه وأخذ معه كل شئ وتركنا أشبه بالفتات الذى سرعان ما يُطيرُّه الهواء ..

أنا المنتظر الآن الذى لم أنجُ، كلنا تحت عجلات الزمن ، نأتى ونذهب ، وبينهما فقط لحظات ، لا فرق إن عشنا أم لم نعش؛ ففى النهاية ،الحروف تتلاشى والطريق يتقلص ولن يتذكرنا أحد ، حتى هذا الرصيف الذى أجلس عليه لن يتذكرنى يومًا ..

فاطمة محمد
فاطمة محمد
طالبة بلأدب الإِنجليزى.