فن

أصعب الرحلات تلك التي يخوضها الإنسان باحثًا عن نفسه، ثيون مثالًا

تأتي شخصية “ثيون جريچوي” –في رأيي- في المرتبة الأولى مناصفةً مع شخصية “چايمي لانيستر” كأكثر شخصيات مسلسل Game of Thrones تعقيدًا من حيث:  النشأة، التكوين النفسي والإنقسام الداخلي؛ فكلاهم يحمل داخله صراع بين أجزاء متناقضة، كل جزء منها يسعى ليحمل صاحبه ليكون شخصًا مختلفًا عن الشخص الذي يسعى إليه الجزء الآخر.


بالنسبة لـ “ثيون” فالأمر عائد لطبيعة النشأة التي حظى بها؛ فقد نشأ كطفل ممزق بين إنتماءين: “جريچوي” كأصل و”ستارك” كواقع فرض عليه، عاش “ثيون” هذا الوضع المعقد طويلًا، فلا هو قادر على العودة لأهله من “الجريچوي” والعيش معهم، ولا هو قادر على أن يكون واحدًا من “الستارك”؛ فبالرغم أنه أُجبر على العيش في عهدة “نيد ستارك” إلا أن الجميع ظل يذكره أنه ليس “ستارك”، و أن عليه أن يكون شاكرًا وممتنًا لأن اللورد “ستارك” رباه ضمن أفراد عائلته.


لم يجد “ثيون” مهربًا من هذا الوضع المعقد المتناقض إلا بالإنغماس في الملذات و إدعاء اللامبالاة، لكن قدرة المرء على الإدعاء لها حدود، فليس بوسع المرء أن يتظاهر طوال حياته بعكس ما يشعر به في داخله، وأن ما نهرب منه داخلنا سنصطدم به حالما نستنفذ قدرتنا على الهرب.
لذا عند أول فرصة سنحت له للخروج من هذا الوضع انفجر كل ما كان يكبته داخله من كره ومقت للإزدراء والإنتقاص الذي لاقاه عند “الستارك”، فانقلب ضدهم و ارتكب أبشع الجرائم في حقهم، فقط ليثبت لنفسه قبل أن يثبت لأبوه أنه لم يفقد يومًا چينات “الجريچوي”، وأنه لا يقل قدرًا عنهم.


الجبل الذي قضيت من عمرك دهرًا لتتسلقه، لن يكلفك السقوط من فوقه إلا ثوانٍ
اعتقد “ثيون” أنه حقق من المجد والعظمة ما حققه أساطير التاريخ، فهو الغازي الذي جرّد “الستارك” من “وينترفيل” التي كانت معقلهم لآلاف السنين.
لكنه ما لبث أن وقع بسهولة في أسر “رامزي بولتون “الذي كان بإمكانه أن يسلخه مثلما هي عادته مع أعداءه وأسراه  ومن لا يروقون له، لكن ما فعله بـ “ثيون” أبشع و أقسى من السلخ الفعلي.
“رامزي” سلخ “ثيون” من كينونته وذاته، واستخدم أساليب تعذيب جسدية و نفسية شوهت نفسية “ثيون” وحطمت معنوياته وأنتجت منه مسخ لا يمت له بصلة ولا يشبه شخصيته القديمة في شئ.
لدرجة أنه اتخذ آلية دفاع نفسية متمثلة في إقناع نفسه بأن “ثيون” قد مات، وأن من لاقى الأهوال والتعذيب، ومن عايش هذا القدر من الذل و المهانة على يد “رامزي” شخص آخر اسمه “ريك”، مما دفعه لرفض محاولة أخته “يارا” لمساعدته للتحرر من الأسر.


” مخطئون فيما قالوه عن الماضي، لقد تعلمت كيف أدفنه، إلا أنه دائمًا يجد طريقه للعودة.”
– خالد الحسيني


مهما ادعي الإنسان أنه تخلص من الماضي، ومهما اعتقد أنه تخلص منه فعلًا، سيظل يُفاجئ بأن الماضي يستعصي على النسيان، وأن التربة التي دفنه فيها ما هي إلا رماد لا يستطيع الصمود أما رياح الذكريات العاتية.
وهذا بالظبط ما حدث مع “ثيون” عندما ظهرت “سانسا” في حياته مرة أخرى، حاول “ثيون” التنكر لنفسه بأنه لم يعد “ثيون” بل “ريك”، لكنه لم يستطع التنكر لمعرفته بـ “سانسا”، ولم يستطع أن يدير ظهره لها طويلًا.
ظهور “سانسا” في حياة “ثيون” مرة أخرى بعدما اعتقد أنه قطع كل صلاته بالماضي بدأ بإحياء نفسه القديمة، بل إن صح القول بدأ بإحياء أفضل ما كان فيه سابقًا.
.

– “الندبة التي يتركها الجرح على الجسد هي قصة مختصرة، بعض الندوب تظهر على جسم الإنسان ووجهه.. لكن ندوبًا أخرى تصيب الروح، وفي الغالب لا تظهر بذاتها، لكن يظهر الدليل عليها”.
– عبد الرحمن نصر



لكل رحلة قوانينها، ومسافة تُقطع على مهل، ورحلة إستعادة الذات ليست بهذه السهولة، فندوب الروح تحتاج وقتًا لتُشفى، بل أحيانًا يعيش المرء حاملًا ندوبه إلى الأبد.
وتشوهات النفس تحتاج وقت لتُعالج، أو على الأقل ليستطيع المرء التعايش مع ما أصابه من أذى نفسي.
.
لذا بدأ “ثيون”رحلته الصعبة لإستعادة ذاته و التصالح مع أخطاءه، لعله يكفر عما اركتبه من شناعات.
وبدأ بجمع شتات أجزاءه الداخلية ليُنتج كينونة أفضل مما حظى به يومًا، كينونة تجمع أفضل ما تعلمه في حياته وأفضل ما كانه يومًا بفضل الأشخاص الذين كان لهم عظيم الأثر في نفسه.
.
“What is dead may never die. But rises again harder and stronger”.


في حديث سابق لـ “ثيون” مع “رامزي” قال له:
«ظللت أخبر نفسي أني لا أستطيع أن أكون”ستارك”، فأنا “جريچوي” ولدت في الجزر الحديدية، لذا عندما تحتم عليّ الإختيار بين “جريچوي” أو “ستارك” اخترت “جريچوي”، لكني أخطأت الإختيار، وبالنسبة لأبي الحقيقي فهو الذي مات في “الكينجزلانديج”».
انتهى هذا التمزق الذي عانى منه “ثيون” طوال حياته، وانتهت رحلة بحثه عن نفسه المفقودة والممزقة بين الإنتماءات المتضاربة بعدما أقنعه “چون سنو” أنه ليس مطلوب منه أن يختار إنتماء من”الجريچوي” أو “الستارك” و يتنكر للأخرى، بل من الممكن أن يكون أفضل ما في الكينونتين في وقت واحد.
.
لذا ساعد أخته “يارا” في أن تقود الجزر الحديدية بعد وفاة والده، وساعد في تحريرها من أسر “يوريون جريچوي”.
وبعدما أنهى واجبه كـ “جريچوي” انطلق لـ “وينترفيل” ليس فقط ليُصحح أخطاءه ويكفر عما اركتبه في حق “الستارك”، بل ليقاتل بجانب أخوته و أفراد عائلته، فهو وإن لم يكن ابنًا لـ “نيد ستارك” لكنه تربى على يده ووسط أبناءه، مما يجعلهم أخوته حتى وإن لم تجمعه بهم رابطة الدم، ليموت بعدها دفاعًا عنهم.
.

يمتلك “ثيون” مسيرة معقدة لإنسان كُتب عليه أن يعاني طويلًا من التمزق بين الإنتماءات، ويمتلك تحولات تكاد تكون الأكمل في المسلسل، فقد عاش فترة طويلة كـ “ثيون جريچوي” ثم تحول لـ “ريك” ثم مات كـ “ثيون ستارك” في خاتمة عظيمة تليق بشخصية معقدة كشخصية “ثيون”.

عمر عبدالرؤوف
عمر عبدالرؤوف
مهندس قوى كهربية. إنسان علي هامش الإنتمائات إنسان علي هامش الإنتمائات، مؤمن بالحرية والعدل وبقيمة العقل والفكر الحر، متذوّق للفن، مهتم بالسينما وبالجمال أينما وجد وبالإنسان أينما ولد.