فن

‎كان ياما كان في هوليود | كبسولة زمن تارانتينو المفضلة

‎كان ياما كان في هوليود: كبسولة زمن تارانتينو المفضلة

‎عندما سمعت بالفيلم لأول مرة لم أهتم به لأجل ممثليه حتى وهُم: براد بيت وليوناردو دي كابريو وآل باتشينو وغيرهم، ما جذبني وجذب غيري هو الاسم الموضوع أعلى الأفيش الفيلم التاسع لـ 

‎(كوينتن تارانتينو)

‎كوينتن من المخرجين القلائل المتبقين الذين يعرفهم أي شخص ذي أي معرفة بالسينما، المخرجين الذين تشاهد أفلامهم مهما كان من يمثل بها، تارانتينو صنع لنفسه اسمًا على مر السنين عن طريق أفلام مثل بالب فيكشن، كيل بيل بجزأيه وانجلوريس باستردز وغيرهم، تميز تارانتينو دائمًا بالعنف والدموية والحوار الذي تعرف كاتبه فقط من سماع أبطاله يتحدثون فقط، أسلوب لا مثيل له رغم كونه مقتبسًا من مئات الأفلام الأخرى التي شاهدها تارانتينو على مر سنين اهتمامه الدائم بالسينما، اقتباس هو شخصيًّا يسميه سرقة.

‎لم يتعلم الإخراج في الجامعة بل تعلمه من مشاهدة الأفلام، حتى أنه قال في لقاء ذات مرة (أنه إذا أحببت الأفلام بشكلٍ كافٍ فستصنع فيلمًا جيدًا) وقد صنع.

‎في فيلمه التاسع يظهر حب تارانتينو للسينما أكثر من أي وقت مضى عنها في حقبته المفضلة الستينيات، في نهايتها والتي انتهت بحادثة قتل عائلة مانسون للممثلة شارون تايت وضيوفها في منزلها، هذه الحادثة التي أمر بها تشارلز مانسون زعيم العائلة وفيلسوفها، هذه الحادثة جزء مهم من الفيلم يتمثل في الممثلة شارون تايت والتي تلعب دورها الأسترالية الجميلة مارجو روبي.

‎يؤكد تارانتينو في هذا الفيلم معرفته الموسوعية بالسينما والتلفزيون في حقبة الستينيات بممثليها وأغانيها وإعلاناتها على الراديو بمسلسلاتها عن الغرب الأمريكي، يلقي بشذرات من كل هذا طوال فترة الفيلم، فُتات من النوستالچيا لكل من عاش هذه الحقبة وأحبها حتى تعتقد أن الفيلم يتحدث عن الحقبة أكثر من تحدثه عن حبكة ما أو شخص بذاته.

‎الحبـكة

‎يتحدث الفيلم عن ريك دالتون (ليوناردو دي كابريو) ودوبلير مخاطره وصديقه وسائقه كليف بوث (براد بيت)، ريك دالتون ممثل تلفزيوني غابت شهرته وبدأ نجمُه يطفو، نرى محاولاته للسطوع مرة أخرى عن طريق أدوار ضيفية في مسلسلات ومحاولته الدائمة للحصول على فيلم جيد بعد فيلمي إثارة تجاريين.

‎خلال رحلته في التلفزيون والسينما يقف دائمًا بجواره صديقه وتقنيًّا خادمه كليف بوث بشخصيته الهادئة الرزينة بوجهه الذي يصلح أن يكون نجم سنيما بذاته، يعمل محمسًا دائمًا لريك ويسانده في أي شيء يفعله، صديق مثالي تسكن بجوار ريك الممثلة الساطعة شارون تايت -والذي تحدثنا عنها سابقًا- زوجة المخرج المثير للجدل رومان بولانسكي، شارون بالنسبة لتارانتينو تمثل مرحلة الستينات ببرائتها وطفولتها وجمالها.

‎اللاحبكة

‎يجري الفيلم مهتمًا بالحقبة، مهتمًا بهوليود وبصناعة السينما والتلفزيون أكثر من اهتمامه بتقديم حبكة كأي عمل أدبي أو سنيمائي، وبهذا الفعل يثير تارانتينو حفيظة معجبي السينما التقليديين ومحبيه غير العالمين بهذه الحقبة وما جرى فيها، ويخسر الكثير منهم، فالفيلم ينقسم إلى مشاهد منفصلة بذاتها تحدث على مدار يومين ونصف لشخصيتينا الرئيسيتين، أكثر من كونها خط واحد يسيران عليه، وبجانب مشاهدهم هناك مشاهد لشارون تايت تُظهر شخصيتها وحياتها البارقة المليئة بالمرح، وحياة هذه الحقبة خلال هذه المشاهد يظهر ممثلون كبار مثل (آل باتشينو) في أدوار جانبية صغيرة للغاية، الفيلم مليء بممثلين كبار، كل منهم له كاريره الممتلئ، كلهم يقومون بظهور بسيط كممثل ما أو فتاة من عائلة مانسون، هذا الإحساس بعدم أهمية أدوارهم سببه عدم تأثيرهم على الأحداث؛ ولكن الفكرة أنه لا توجد حبكة من الأساس لتؤثر الأحداث عليها، تارانتينو يريد فقط أن يُريك قطعة من الحياة في هذه الفترة من الزمن.

‎النهاية

‎ينتهي الفيلم نهاية بديعة تجعلك تفكر فيها لأيام، بعدها تتذكر وتضحك وتتسائل كيف قام بهذه النهاية العبثية المضحكة الدموية الرائعة، لا أريد أن أتحدث عنها كي لا أحرق شيئًا؛ ولكن إن شاهدت الفيلم فأنت تعرف عما أتحدث، وإن لم تشاهده فترقبها.

‎تقنيًّـا

‎صورة الفيلم رائعة تُظهر جمال هذه الحقبة وجمال هوليود.

‎موسيقى تارانتينو كعادتها تضعك في المكان المناسب دون أن تعرف أي أغنية مما تسمع؛ لأنه يعرف أغاني لا يعرفها أحد غيره على ما يبدو. 

‎كل تفصيلة قام بها الإنتاج ليرجع هذه الحقبة تجعلك تحس أنه تم تصوير هذا الفيلم في الستينيات لا اليوم. 

‎براد وليو يقومان بدورين مثاليين كعادتهما ليو يخرج عن أدواره المعتادة بشخصية مختلفة كثيرًا ويؤديها بحرفيته الدائمة، براد يحتفظ برونقه طوال الفيلم حتى تحس أنه بطل من أفلام الستينات بالفعل، يُذكرك بكلينت ايستود أو ستيف ماكوين وأظن أن كاريزما براد تطغى على أداء ليو رغم جودته!

‎حوار تارانتينو مميز كعادته وهذا الفيلم خصيصًا له حس فكاهة أعلى من أي أفلامه.

‎تقييـم

‎”كان ياما كان في هوليود” هو فيلم عن نهاية مرحلة، عن قسوة الزمن، عن فقدان الشهرة، يعرض كل هذا في لوحة زمنية كأنها كانت مختبئة لعقود وظهرت لتوها ممتلئة بروح الستينيات، وتحمل بين طياتها أملًا خياليًّا لما كان يمكن أن يكون. 

‎4 من 5

‎نصيحتي لمن يريد دخول الفيلم:

‎1. لا تنتظر شيئًا مشابهًا لأعمال تارانتينو السابقة ولا مشابهًا للأفلام العادية.

‎2. حاول أن تكون أكثر تقبلًا.

‎3. اقرأ عن تشارلز مانسون وعائلته وعن موت شارون تايت.

‎والنصيحة الثالثة أهمهم.