فن

كيف تستمع للموسيقى؟ الدويندي مثالًا!

يقول الشاعر الإسباني لوركا

لم تكن الوردة

تبحث عن الفجر..

بالكاد خالدة على غصنها  

كانت تبحث عن شيء آخر.

لم تكن الوردة

تبحث عن علم ولا عن ظل..

أفق بين جسد وحلم،

كانت تبحث عن شيء آخر.

لم تكن الوردة

تبحث عن الوردة..

ثابتة في السماء،

كانت تبحث عن شيء آخر.

تعبر هذه القصيدة عن الدويندي! جوهر الفن في أسبانيا، لا محال أن وقع الكلمة غريب ولكننا سنضرب مثالًا بسيطًا قبل شرح معنى الكلمة اللغوي في الإسبانية، بالتأكيد شاهدت حفلات لعازفين محترفين وبالتأكيد رأيت حجم تأثرهم بالموسيقى وانفعالاتهم وحركة جسدهم أثناء العزف، ربما قفز إلى ذهنك عدةُ أفكار فيها تقدير لحجم الاندماج والإحساس الذي يعيش فيه العازف وقدرته على تحويل هذا الإحساس إلى نوع الموسيقى الذي يقدمه ولكن دعني أخبرك أن في إسبانيا يطلق على هذه الحالة كلمة الدويندي.

الدويندي في اللغة تعني الروح ولكن بسبب اختلاف الثقافات فالروح المقصودة عندهم هي التي تعبر عن نفسها عبر الفن بشكلٍ فيه شعور فائض وحركة جسدية لا تقاوم الموسيقى ولا تغرق في التفكير فقط ترقص بعفوية، هذا هو الدويندي وهو سر العزف الإسباني بل كل الفنون الإسبانية بما فيها الفنون الكتابية ولكن ما الذي تعبر عنه الروح؟

على مدار قرون عانى المسلمون المورسكيون الأسبان والغجر من المطاردات والاضطهاد والنبذ من الممالك الإسبانية، مما جعلهم يؤمنون بالتواصل الحضاري بينهم كمجموعات من البشر منعزلة عن الاعتراف الرسمي للدولة، ولكنها تسعى لإثبات تراثها وقيمها، هذا التواصل أنتج فن الفلامنكو الذي اندمج فيه الرقص المورسكي الممتلئ بالتعبيرات الجسدية عن الغضب والقوة والإقدام والحب بطريقة الغناء الغجرية التي تتسم بازدواجية الغناء بالصوت المتهدج المتألم وكلمات الحب والشوق والغزل، تبدو هذه الثنائية واضحةً جدًّا في الديوان الغجري للشاعر الأسباني لوركا وديوان الأغاني وهي دواوين تم تأليفها لتكون كلمات لأغاني فلامنكو تعبر عن التيه داخل الحب وداخل الوطن وداخل الحياة، ولكن لوركا بارعٌ جدًّا في تجسيد واقعية الحب، فحتى مطاردات الغجر لا تنفي قدرتهم على الاستمتاع بالحب فهنا الدويندي يقدر في سهرة وسط المطاردات أن يخلق الحب والشغف لليلة تحت ضوء القمر تعلو فيها الموسيقى والغناء والرقص وسط الغجر المطاردين لأن الحياة مهما كانت قاسية فقد تعلم الغجر الاستمتاع بها.

أما الموسيقى فهي فن أكثر تعقيدًا من أن نستمع إليه خلفية لحياتنا اليومية، رغم أنه لا يوجد ما يعيب ذلك ولكننا بهذه الطريقة نفوت على أنفسنا أدق وأصدق لحظات التعبير، بعض العازفين يتغلبون على آلامهم بالعزف المنفرد الذي يصاحبه اندماج ودموع أو غضب وبعض الراقصين يشفون إحباطهم بحركاتهم الجسدية المحددة والواثقة وبعض المستمعين ينفعلون بشدة مع الألحان حتى يصيرون وحدة واحدة مع اللحن، الدويندي شفاء وشغف.

حتى لو كنت تائهًا فهناك مساحة للدويندي، كل ما بداخلك يستحق التعبير عنه، ارقص لتعبر عن الالم وارقص لتعبر عن الحب، استمع للموسيقى بروحك حتى ترى روحها تسري فيك، روح الموسيقى هي الإيقاع.. انصت إليه جيدًّا واتبعه في رحلتك في الحياة، في بعض الأحيان تجبرنا حياتنا على تصور أننا يجب أن نمتلك العالم ويجب أن نحرز كل أهدافنا فيها، لا بأس من ذلك ولكن لا يجب أن ننسى أننا نملك روحًا متعطشة للحياة والتعبير عن أسرارها بكل الطرق فقط لأنها حية.  

لم تكن الوردة

تبحث عن الوردة.

ثابتة في السماء،

كانت تبحث عن شيء آخر

ربما كانت الوردة تبحث عن الدويندي الذي نعيشه ولا نمتلكه!

عمرو أيمن
عمرو أيمن
طبيب بيطري مصري و عازف كمان، مهتم بالفنون والبحث الموسيقي وعلم النفس.

اترك تعليقا