فن

هتلر.. الوجه الآخر للفن

حين ولدنا، كنا جميعًا سواء، خلقنا الله على فطرة سليمة نقية، ودارت عجلة الحياة في الرضاعة والحبو وتعلم المشي حتى صرنا كبارًا يافعين كل واحدٍ منا يختار طريقه بنفسه، ولكن هل نتحكم نحن في مصائرنا جميعها؟ أم تدفعنا الحياة أحيانًا إلى مصائر مجهولة؟ 

في الحقيقة، مهما بلغت من السيطرة على أمورك الحياتية فهناك أوقات لابد أن تفقد التحكم وتخرج الأمور عن إرادتك، تذكر كم مرة قلت أنك لن تفعل كذا وبمرور الأيام فعلته، والأخطاء التي قلت أنك لن ترتكبها وارتكبتها، ستندهش من التغير الدائم لتوجهاتك، وربما ستكون بعد عام أو عامين من الآن شخصًا آخر لا تعرفه. فهل بإمكانك تصور أن فنانًا يمكن أن يصبح قائدًا حربيًا ويتسبب في مقتل الملايين من البشر ؟! 

الحب والفن والديكتاتورية والقتل، أشياء لا يمكنك أن تتوقع أنها قد تجتمع في شخصٍ واحد، فالحب والفن يسموان بالروح، وصفة القتل لا توجد إلا في الذئاب البشرية ومعدومي الرحمة، ولكنها اجتمعت في هتلر، فبالرغم مما تتسبب فيه من دمار، إلا أنه أيضًا انغمس في الفن، وأراد أن يتخذه سبيلاً لكسب الرزق في فترة من حياته.  

أدولف هتلر، الذي تسبب في قتل الكثير من المدنيين والعسكريين، كان يحب الرسم ويحمل لوحاته معه أينما ذهب، وفي صغره تمرد على أبيه الذي كان يريده أن يعمل مثله في مصلحة الجمارك ليتبع شغفه، وقال عن نفسه أنه فنان أساء من حوله فهمه. وبالفعل شق طريقه في فيينا كرسام، حيث كان ينسخ المناظر الطبيعية على البطاقات البريدية ويبيع لوحاته للسائحين، وهناك العديد من اللوحات التي تحمل اسمه إلي الآن، وتم بيعها في مزادات علنية بأموال طائلة.


تقدم هتلر لدراسة الفنون الجميلة في فيينا عام 1907، ولكن تم رفضه مرتين، وأخبروه هناك أن عليه أن يوجه قدراته للهندسة المعمارية، لأن لوحاته ركزت أكثر على أعمال البناء، ولعل أشهر لوحاته هي قلعة نيوشفانستاين في بافاريا ، والتي بيعت في عام 2015 بما يقارب النصف مليون يورو، وقد أظهرت مذكراته افتنانه بالمعمار: 

 

” كان الهدف من رحلتي – في فيينا- هو دراسة اللوحات الموجودة في صالة العرض في المتحف الذي كان يطلق عليه Court Museum، ولكنني نادراً ما كنت ألتفت إلى أي شيء آخر سوى المتحف نفسه. فمنذ الصباح وحتى وقت متأخر من الليل، كنت أتنقل بين المعروضات التي تجذب انتباهي، ولكن كانت المباني دائمًا هي التي تستولي على كامل انتباهي”

ولكن إهمال هتلر لدراسته، وتركه للمدرسة الثانوية في السادسة عشرة حال بينه وبين أن يصبح مهندسًا معماريًا كذلك، حيث لا يمكن أن يلتحق بالمدرسة المعمارية دون أن يجتاز قبلها مدرسة البناء الخاصة بالدراسة الفنية، والتي كان الالتحاق بها يستلزم الحصول على شهادة الثانوية. 

هكذا أوصد الفن أبوابه في وجه هتلر، وبعدها بسنوات تم تجنيده في الحرب العالمية الأولى، ورغم ذلك كان يرسم في فترات استراحته خلال الحرب. ومن هنا بدأ عمله السياسي، ولكن ماذا لو أصبح هتلر رسامًا بالفعل أو مهندسًا معماريًا؟ هل تتخيل كم التغير الذي سيطرأ على تاريخ العصر الحديث؟ الحرب العالمية الثانية، ومحرقة الهولوكوست، وأمريكا ذات الاقتصاد الأقوى في العالم، دولة إسرائيل، ربما لم نكن لنسمع عن هذه الأشياء في يومنا هذا. فالحرب التي شنها هتلر دعمت اقتصاد أمريكا، واضطهاده لليهود كان تمهيدًا لفكرة انشاء دولة تضمهم.

وكذلك كان للحب جزءًا من حياة هتلر، فقد أحب إيفا براون، والتي التقاها مع هوفمان مصور الحزب النازي، حيث كانت تعمل مساعدة له، ومعظم صور هتلر نسبت لها بعد ذلك. كان هتلر يخطط للقائها في فترات الحرب، وتزوجا، وانتحرا معًا في النهاية عقب خسارته للحرب العالمية الثانية، وتم حرق جثتيهما مع اقتراب الجيش السوفيتي من معسكره في برلين.

بداخل كلٌ منا، مهما تدنست أرواحنا، بذرة خير من الممكن أن تنقذنا دائمًا. فالحب والفن كان بإمكانهما إنقاذ هتلر وإنقاذ العالم من الخراب الذي جرته الحرب العالمية الثانية، ولكننا لا نعلم ما الذي كان يدور برأسه وقتها، وكيف تحول من رسام إلى سفاح نازي، فربما آمن هتلر بقضيةٍ ما دفعته إلى ذلك. 

أذكر أحد الأفلام الأجنبية التي شاهدتها، وقال فيها البطل.. ” كيف سأعيش إن لم أبقَ متمسكًا بما أؤمن به”.  من هنا ندرك أهمية الإيمان في دفع المرء ليفعل الكثير من الأمور لا سبب لفعلها سوى أنه فقط يؤمن بذلك. نحن البشر نخوض تجارب مختلفة كل يوم، وبالتالي آرائنا تختلف باختلاف ما نراه ونسمعه، وتتغاير معاييرنا في تحديد الصواب من الخطأ، وهذه الآراء والمعايير التي تشكل الدوافع.. اختلافها أحيانًا قد يكون كارثة حقيقية، وخصوصًا إذا كان ورائها إيمانًا راسخًا. 

فبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى، وسخط هتلر على معاهدة فرساي التي ألقت بمسئولية الحرب على عاتق ألمانيا، عمل هتلر في السلك السياسي، ودخل إلى حزب العمال الذي تأثر فيه بأفكار معاداة السامية التي كان يتبناها الحزب، وآمن بها، بالإضافة للفترة التي قضاها في فيينا، حيث كانت هذه المدينة معروفة بتمييزها العرقي. 

ومن المحتمل أنه قد تأثر بالدراسة التي قام بها مارتن لوثر – راهب ألماني ومطلق عصر الإصلاح في أوروبا- والتي كانت عنوانها “عن اليهود وأكاذيبهم” حيث اعتبر هتلر في كتابه “كفاحي” أن مارتن لوثر كان رجل دولة ومصلحًا عظيمًا. 

” مما لا شك فيه أن مذهب مارتن لوثر كان له تأثير على التاريخ السياسي والروحي والاجتماعي في ألمانيا بطريقة – بعد التفكير المتأمل في كل جوانبها – يمكن وصفها بأنها كانت جزءاً من أقدار ألمانيا.” فيلهلم روبك معلقًا بعد الهولوكوست. 

الإيمان قد يدفع المرء لفعل أشياء عظيمة، سواء كان مرادها الخير أو الدمار، وبالطبع لن تتخلى عما تؤمن بسهولة.. كيف ستركل جزءًا من هويتك بعيدًا وتعيش بدونه؟! 

وربما كان هتلر ضحية لطفولته، فقد عاش طفولة مضطربة بعض الشيء، وكان أبوه يمارس العنف تجاهه وتجاه أمه، وقد أرجع هتلر تعثره في التعليم إلى هذا السبب. وقال في واحد من تصريحاته عن ضرب أبيه له:

“عقدت – حينئذ – العزم على ألا أبكي مرة أخرى عندما ينهال عليّ والدي بالسوط. وبعد ذلك بأيام سنحت لي الفرصة كي أضع إرادتي موضع الاختبار. أما والدتي فقد وقفت في رعب تحتمي وراء الباب. أما أنا فأخذت أحصي في صمت عدد الضربات التي كانت تنهال على مؤخرتي”

بالإضافة إلى وفاة أمه بسرطان الثدي بعد وفاة والده، وعيشه بعد ذلك في مأوى للمشردين. لذا ربما أثرت طفولة هتلر في تكوين شخصيته، فالمرء ما هو إلا انعكاس لهذه المرحلة من حياته، حيث تعد سوء المعاملة التي يتعرض لها الطفل في سنواته الأولى عامل مهم في الكثير من المشاكل النفسية والسلوكية لدى الطفل في المستقبل. وقد ظهر عند البالغين الذين عانوا في مراحلهم الأولى نسب أعلى في الإصابة بالاكتئاب والسلوك العدواني.

الحياة أكثر تعقيدًا من أن يتم النظر إليها من جانب واحد، وهناك احتمال أن السفاحين أنفسهم كانوا ضحايا في فترة من حياتهم، أو من الممكن أن نكون نحن من ساهمنا في خلقهم بأفعالنا. فهل أثر الوسط الاجتماعي لهتلر في إيمانه ودوافعه وخلق وحشيته أم أن للفن وجهًا آخر عدوانيًا لا نعرفه؟

أؤمن بالفن والموسيقى والحب والأدب في تغيير العالم ونبذ العنصرية، وهناك مقولة شهيرة تقول ” ابقَ حيث الغناء، فالأشرار لا يغنون”، والكثير من الفنانين الذين انتحروا في النهاية كانوا يريدون عالم أفضل مثل فان جوخ وفرجينيا وولف وغيرهما، ولكن هناك فئة -وإن كانت قليلة العدد- تحولت من الفن إلى القتل، مثل تشارلز مانسن الذي كان يعشق الموسيقى، وانتهي به الأمر كقاتل أمريكي معروف أشتهر بعمليات القتل التي قامت بها عصابته “عائلة مانسن”، ولعل أبرزها قتل الممثلة شارون تايت، والتي طعنها عدة طعنات، وكانت حاملاً وقتها في الشهر الثامن. ربما الفن هو الآخر سلاح ذو حدين.

أحمد صفا
أحمد صفا
طالب بكلية الطب البشري جامعة طنطا