رأي

خل وهمك وافهم القوامة الشرعية

الرجال قوامون على النساء قول الحق تبارك وتعالى، وهي إخبار عن واقع يفرض نفسه وليست تقريرًا لحكم مفروض. واعلم أيها القارئ الكريم أن قوامة الرجل هذه ليست تفضيلًا لذاتية الرجولة وإنما لصلاحية تحمل المسؤولية.

وهذه القوامة حكاية عما يتعارف عليه البشر منذ أن جعل الله الإنسان خليفة الأرض، وهذا بجبلة وفطرة المرأة أن يكون هناك مدير لشؤونها راعيًا مصالحها محضة حتى تكون في بحبحة السرور والأمان.

وليكون في علمكم، أن سنة الكون تقتضي أن يكون هناك نظام تسري عليه أمور ونشاطات المجتمع، ويقتضي هذا النظام كذلك أن يكون هناك أمير ومدير ومسير مسؤول عن رعيته. وهذا الأمر هو ما يشير إليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال: “إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ”، فهذا مبدأ نظام في أي مجتمع بسيط أو مركب، قروي أو مدني. ولم تكن هذه الإمارة والسيادة تفسيرًا لأفضلية عضو على آخر وإنما هي مسؤولية، وأداؤها بأحسن وجه، والغاية هي أن تحكم روح النظام في المجتمع بعيدًا عن الظلم والجور.

فالأسرة لبنة أساسية في المجتمع يجب أن يكون النظام حاضر بشكل فعّال، والله يخبرنا عن أحوال البشر بمختلف ميادينهم أن الرجال قوّامون على النساء، والقوامة في الإسلام ليست إجحافًا لحق المرأة ولا تحقيرًا لذات النساء، وإنما هي حفاظ لحرمتها وتوقير لذاتها. فالمقال والمقام لا يقتضي لبسط ووسع الأستر على توضيح ذلك.

فالقوامة الشرعية هي الرعاية والإمارة والإدارة لشؤون الأسرة، يقول ابن قيم الجوزي أبي كان قيمًا على المدرسة الجوزية بدمشق، والقيم هو الناظر أي أمين فهو قيم بمعنى أنه يقوم بالأمور يضعها في نصابها فإن وضع الأمور في غير نصابها فهذا هو الظلم، والجائر لا يسند إليه مسؤولية إمارة الأسرة أما الأمير القيم فتعود إليه مسؤولية الإدارة والإشراف.

لم يتزوج الرجل المرأة حتى يشقيها في عمل بيتها، بل هي تنتظر من زوجها أجمل لحظات حياتها، فكن سندًا لزوجتك في وظائف البيت لا سيما تربية الأبناء والبنات فذاك من الواجب الذي ستسأل عنه يوم القيامة، حتى تكون بيوتنا بيوت سكن وراحة ومودة لا بيوت نكد أو تعب وشقاء قال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.

وقد كان سيدنا محمد أعظم قائد وخير معلم ونعم الأب، وهو زوج يرعى حقوق زوجاته، فهو خير أسوة في رعاية بيته والحفاظ على أسرته يساعد أهله في خدمة البيت، فقد سُئلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: “ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -أي: في خدمتهم-، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة” [رواه البخاري]، فقد حكت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن حاله صلى الله عليه وسلم في عبادته لربه فقالت: “كان يلاعبنا ونلاعبه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه”. وإن كانت القوامة كما تتوهمون لما عاشر محمد رسول الله أهله كما يروى بسند صحيح. 

وإن لم يسمح الغرور للرجال أن يعاملوا أزواجهم كمعاملة الرسول مع أزواجه، فعلى الأقل ألا يسلطوا عليهن وألا يقهروهن وألا يجحفوا في حقوقهن، وليتعاملوا معهن بالمعروف والإحسان كما يريدون منهم أن تتعاملن معهم قال تعالى: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”.

فقد بسط الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي القول في هذه النقطة في كتابه المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني، وتوصل إلى أن القوامة على الأسرة في نظام الإسلام وشرعه هي قوامة رعاية وإدارة، وليست قوامة هيمنة وتسلط، وليست كذلك عنوانًا على أفضلية ذاتية عند الله.

هاك مثالًا بسيطًا وواقعيا أيها القارئ العزيز، لو تسرّب فأر فجأة في بقعة فها رجل وامرأة، واقعنا أيها العزيز، يشهد في هذه الحالة أن المرأة عامة لها خياران إما الفرار وإما أن تقدم الرجل وتختبئ خلف الرجل بلا تردد، والشاذة منهن لا حكم لها، فهذا من خصوصيات التي جبلت عليها المرأة، وأخطار المتوقعة داخل الأسرة أجل وأعظم من هذا المثل البسيط.

فالشق الثاني من الآية يلمح إلى ما مثلنا به في الفقرة السالفة، قال الحق سبحانه وتعالى: “بما فضل الله بعضهم على بعض” فالأفضلية المذكورة في الآية إنما هي أفضلية التناسب المصلحي مع الوظيفة التي يجب النهوض بأعبائها داخل الأسرة.

وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور، وفضل الله النساء على الرجال في أمور كذلك، والأجدر ألا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض دفعًا لانحطاط البشري، فكل واحد من رجل وامرأة له خصوصيته التي تتلائم مع طبيعته وجبلته، ولا يسوغ الخروج عما قد تمت كلمات خالقنا عليه حكمًا وعدلًا، إلا وتقع مشاكل كما نراها واضحة فى حياتنا اليومية، وجدير بالإشارة أن قول امرأة عمران “وليس الذكر كالأنثى” المقصود من أن الذكر ليس كالأنثى في طبيعة المهمة كتكنيس البيت وحمل الثقال وما إلى ذلك من الأعمال الشاقة.

وفى الختام، يشير الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه المرأة أن الإنفاق وتوفير العيش الكريم وحماية الأسرة من سائر الأخطار التي قد تحدق بها من أهم الوظائف الاجتماعية وأقدسها، وهذا لا يختلف عن الواجب الذي لا يقل عنه أهمية، وهو واجب الحضانة والرضاعة ورعاية الطفولة، وتوفير مقومات السعادة الزوجية، فمهمة الأولى للرجل وللمرأة الثانية كل بالجبلة الطبيعة، فالقوامة مسؤولية جسيمة على أعتاق الرجال لا سيما لتفضيل نوع الرجل على نوع النساء، ففي قوامة الرجال حفظ لحرمة وحقوق المرأة وإنها لحكمة بالغة فافهمها فهمًا سليمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن قربة


أوّل الصّالحين
أوّل الصّالحين
طالب باحث بجامعة محمد الخامس بالرباط سلك ماستر المتخصص الاجتهاد فى قضايا الأسرة وتجديد الخطاب، عضو بمؤسسة رزان للدراسات الاستراتيجية حول الأسرة والمجتمع.

اترك تعليقا