ترجمات

أسطورة سيزيف: دروس في العبثية

الناشر Ancient Origins
تاريخ النشر26 مارس 2018
العنوان The Myth of Sisyphus: Lessons in Absurdity
الكاتب Van Bryan

إذا كنا سنصدق ما قاله هوميروس، فإن أسطورة سيزيف تبدأ بكونه أحد أكثر البشر حكمةً ورشدًا، غير أنه أسخط عليه آلهة اليونان القديمة، ونُقل بعدئذ إلى مملكة العالم السفلي ليصبح مجبرًا على تحمل إحدى أكثر عقوبات الأساطير القديمة إيلامًا وعبثية.

كان يجبَر سيزيف يوميًّا علي حمل جُلمود ضخم إلى قمة جبل، معانيًا الجهد والعرق طوال هذه الأثناء، وتو وصوله إلى القمة، يتدحرج الجلمود عائدًا أسفل التل في غضون لحظات، فيتحتم على سيزيف أن يتحمل عبء العودة مرةً أخرى إلى أسفل التل، حيث يبدأ مهمته من جديد. ويقال أن سيزيف مُجبر على هذا إلى الأبد، مؤديًا مهمة مرهقة عديمة المعنى حتى نهاية الوجود.

سيزيف بريشة أنطونيو زانشي

كيف أغضب سيزيف الآلهة؟ ماذا فعل سيزيف ليجني غضب الآلهة؟ هناك عدة روايات مختلفة.

في مقالة أسطورة سيزيف يفضل ألبير كامو الرواية المتعلقة باختبار سيزيف لحب زوجته وإخلاصها بينما هو على فراش الموت.

وفقًا للقصة فقد طلب سيزيف إلى زوجته أن تلقي بجثته في ساحة البلدة. يموت سيزيف ويستيقظ في العالم الآخر ليجد أن زوجته قد نفذت له ما طلب، وهو ما ملأه غضبًا لكونها اختارت الطاعة العمياء له بدلًا من الحب الخالص لذكراه ومنزلته، من ثم يصاب سيزيف بالاضطراب -لأسباب لا أفهمها شخصيًا- ويطلب من هاديس إعادته إلى عالم الأحياء ليوبخ زوجته.

قد تبدو لنا زوجة سيزيف أنها البطل المأساوي في هذه القصة، فبعد أن حققت وصية زوجها تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع نسخته العائدة إلى الحياة لتوبيخها على مجرد تنفيذها طلبه. لا يبدو الأمر منطقيًا! أعلم هذا، لكن ركز معي في هذه النقطة..

بعد عودة سيزيف إلى عالم الأحياء مرة أخرى، قرر وبسرعة أنه لا يريد العودة إلى العالم السفلي، فقد تعلم حب الأشجار والمحيطات الرائعة وإحساسه بدفء الأرض تحت قدميه، رغب في البقاء! ما ترتب عليه خيانة العهد الذي قطعه لهاديس بالعودة، وسرعان ما ألقى هيرميز القبض على سيزيف الذي لم يلبث أن حُرر من أسره، وأعاده إلى أرض الموتى، حيث ينتظره جُلموده.

مزهرية سوداء من العام 350 قبل الميلاد تظهر بيرسفوني بينما تشرف على سيزيف في العالم السفلي – ستاتليش أنتيكينسمولونجن.

نحو العبثية

ليس من الصعب أن نرى كيف استوحى الكاتب والفيلسوف الجزائري ألبير كامو إلهام فلسفته العبثية من هذه الأسطورة. في مقاله الأول الذي نشر في العام 1942 حاملًا اسم أسطورة سيزيف يستخدم كامو الأسطورة بوصفها حجر الأساس الذي بني عليه مدرسته الوجودية المتفردة التي نعرفها باسم العبثية.

من مبادئ العبثية أن البشر في كفاح مع تنقيبهم الداخلي الذي لا ينتهي أبدًا عن الهدف من هذه الحياة والشعور بالاكتمال، ويتعارض هذا التنقيب تعارضًا مباشرًا مع الاعتباطية الظاهرة في هذا الكون! المعاناة لإيجاد معنى في كونٍ خالٍ من كل معنى، هو شعور متأصل في قلب الإنسان، وهو الشعور الذي يعذبنا كلما حاولنا مقاومته.

ألبير كامو

يكتب كامو أنه لا يهتم بمراقبة العبث، وإنما بالأحرى يهتم بعواقب إدراكه، موضحًا أن بإمكاننا إما تجاهل العبث أو الاستمرار في البحث عن معنى دون طائل، أو رفض العبث والتمرد على عدمية الكون، فيقول: «لا مصير لا يمكننا التغلب عليه بالازدراء». 

وعلى عكس ما قد يظهر لنا -وهذا هو الجزء المهم-فإن أسطورة سيزيف ليست محض تأملات رجل مجنون يصر على تدمير ذاته، بل إنها دليل توجيهي للسعادة. ويخبرنا كامو أن الصخرة كلما تدحرجت إلى أسفل التل وجب على سيزيف الهبوط ببطء واسترداد صخرته ليكرر جزاءه الأبدي، وفي هذه اللحظة يتفكر في عقوبته مثلما على الإنسان أن يكون واعيًا لمأزق الحياة السخيف، وعندما نصل إلى هذه اللحظة من التأمل في الذات، نصبح في أسعد أحوالنا.

بقبول حقيقة العبث بإمكاننا كذلك أن نقبل حقيقة أن لا معني للحياة، وحينها نصبح قادرين على أن نعيش حياتنا إلى المنتهى. أصبحت حياتنا ثورة مستمرة على لا معنى الكون وأخيرًا أصبح بإمكاننا العيش بحرية، وفي ذات وقت هدوء الكون، يتلاشى وجود الآلهة التي قد ترغب في السيطرة علينا، فتصبح حيواتنا ملكنا وحسب، ولا تمليها علينا أي قوى خارجية، وتتحول مصائرنا إلى مسألة إنسانية لا يمكن حسمها إلا بين البشر.

ما توضحه لنا أسطورة سيزيف

قد تبدو أسطورة سيزيف مأساويه لرجل حكم عليه بنضال أبدي خاو من القيمة والإنجاز، و يخبرنا الفيلسوف ألبير كامو أننا مثل سيزيف وأن نضالنا للبحث عن الهدف غير الموجود أصلًا هو منبع اليأس البشري. فقط عندما نقبل عبثية الحياة، وفقط عندما نتمرد على لا معنى الكون نصبح أحرارًا بحق، ونعيش الحياة بأحسن حال إذا حررناها من الغرض، وأصبحنا قباطنة سفننا، ومؤلفي قصصنا الخاصة، حينها وحسب نستطيع في أكثر حالاتنا هشاشةً والتباسًا أن نخبر ذواتنا أن كل شيء على ما يرام.

فيروز النمر
فيروز النمر
طالبة بكلية الألسن جامعة كفر الشيخ.