تاريخ وسياسة

أول ثورة في التاريخ

إشكالية الأثرة والإيثار 

تاريخ الإنسان على الأرض متمحور حول إشكالية واحدة منذ قديم الأزل، إشكالية تدور حولها الصراعات والحروب والثورات والأزمات والنزاعات، إشكالية كيف بإمكان الإنسان أن يعيش مع غيره من البشر في مجتمع صغير له قوانينه التي يحترمها الجميع، يفوض فيه بعض أفراد المجتمع بإدارة شئون الناس والفصل فيما بينهم حتى لا تعم الفوضى، بدأت تلك الإشكالية منذ تخلى الإنسان عن حريته المطلقة وحياة الرعي والتنقل والصيد إلى حياة الاستقرار حول ضفاف الأنهار وقيام المجتمعات الصغيرة المستقرة القائمة على الزراعة أولًا ثم اندماج المجتمعات الصغيرة وقيام الدولة وبناء الحضارات القديمة. 

قامت الدولة لأول مرة في التاريخ حسب بعض الروايات في مصر القديمة أولًا أو في العراق أو في البلدين في آن واحد، لكن الدولة حينذاك كانت قائمة لغرض حماية أمان أفرادها، واستقرار المجتمعات الصغيرة المكونة لها وكانت بسيطة التشكيل والتعقيد، ثم ما لبثت أن تحولت الدولة مع الوقت واستبداد الملوك بالنفوذ والسلطان للقامع الأكبر لحرية الإنسان، والسالب الأكبر لحياة سعيدة يطمح فيها منذ فجر التاريخ، فازدادت الإشكالية تعقدًا، فأصبح الإنسان مخيرًا بين حياة الحرية والتنقل والرعي ولكنها حياة غير مستقرة غير آمنة، وبين أن يعيش في مجتمعات مستقرة ويتخلى عن كثير من حقوقه في مقابل هذا الأمان والاستقرار، وإشكالية أخرى أكبر في تعامل الدول القديمة مع بعضها البعض، هل كان في استطاعتهم التعايش وإنشاء نوع من التكامل الإنساني؟ كان ذلك في استطاعتهم قطعًا لو لم يكن هناك ملوك مستبدون تتضارب مصالحهم، وأيضًا كان احتواء من رفض الخضوع للدول من البشر في العصور القديمة أزمة أخرى، فنشأ صراع تاريخي ظل ممتدًّا حتى العصور الوسطى بين الإنسان الذي يعيش في زمام الدول والحضارات، والإنسان الذي يعيش متنقلًا تعتمد حياته على الرعي والصيد والإغارة على الإنسان المستقر حول ضفاف الأنهار، صراع الدول مع ما سمي تاريخيًّا الإستبس، والمقصود بالإستبس غارات الرعاة أي البشر المتنقلين وغير الخاضعين لدولة بعينها وكانت أشهر غارات الإستبس في التاريخ غارات الهكسوس في العصور القديمة والمغول والتتار في العصور الوسطى، والتي كانت تنتهي أيضًا بإقامة دولة للرعاة على حساب دول وشعوب مستقرة في أراضيها منذ مئات السنين، وكانت أسباب تلك الغارات غالبًا ما تكون مجاعات أو مشاكل تجبر هؤلاء الرعاة على التوحد والنجاة  بأنفسهم من خلال الإغارة.

إشكالية الأثرة والإيثار امتدت بالإنسان خلال كل العصور والأزمان حتى يومنا هذا أن هناك من البشر من يحاولون أن ينعموا بالأمن والاستقرار والرفاهية بجانب الحرية والهدوء والتحكم في مقدرات أوطانهم، إشكالية الأثرة من الملوك وضعف الشعوب على انتزاع حقوقها تحت ضغوط مختلفة حياتية أو غزوات من الخارج، والإيثار من الملوك تحت ضغط شعوبهم لينتزع منهم السلطة المطلقة لصالح الشعب، أن يتحكم في مقدراته ويدير شئون حياته أو يساهم في ذلك، نشأت النظريات والأفكار وظهرت دويلات اليونان الديمقراطية، ومجالس الرومان الأشبه بالمجالس النيابية، وظهرت الأديان التي حاولت إخراج الإنسان من تعاسته وشقائه، وحتى يومنا هذا ما زالت الإشكالية قائمة لشعوب، وتم حسمها لصالح شعوب أخرى.

الدولة القديمة والدولة الوسطى في مصر كمثال 

جميعنا يعلم حجم التقدم الذي وصل إليه المصريون القدماء في دولتهم القديمة والذي كلل ببناء الأهرامات العجيبة حتى يومنا هذا، آمن المصريون بالبعث والحياة بعد الموت، لكنهم ككل شعوب الدنيا القديمة وقعوا في فخ الأثرة والإيثار، فكانت مئات السنين من التقدم والحضارة والمادة على حساب الإنسان وسعادته وحريته وإحساسه بأنه جزء وشريك لحاكمه في الوطن، في أواخر عصر الدولة القديمة وصل استبداد ملوك مصر القديمة وضعفهم وفساد حواشيهم لأقصى مدى، طغى رجال الدين واستغلوا مناصبهم، طغى الوزراء واستغلوا مناصبهم، طغى الحكام واستغلوا مناصبهم، ازدادت معاناة الناس حتى وصلوا لنقطة اللاعودة.

ثار المصريون ثورة عارمة أدت لفوضى عارمة، سرقوا ونهبوا قصور الملوك وأمرائهم ووزرائهم ورجال الدين، قتلوهم، نهبت أيضًا مقابر الملوك والأهرامات، كان الشعب الجائع يثور ليأكل، لينتقم من جلاديه، لكنها كانت ثورة اجتماعية بالأساس دون قيادة سياسية ودون هدف سوى الحياة! حسب روايات تاريخية عدة عاشت البلاد سنوات صعبة من التفكك والانهيار (سميت تاريخيًّا بعصر الاضمحلال الأول) نتيجة للثورة الاجتماعية، وصل حال الناس أنهم كانوا يأكلون بعضهم من الجوع أو يأكلون الموتى، انهارت الدولة المركزية التي قامت على ظلمهم وتسخيرهم لرغباتها، وسادت حرية بلا أمن، القوي يأكل الضعيف حتى استقرت الأوضاع رويدًا رويدًا، تكونت دويلات صغيرة مرة أخرى على ضفاف النيل، توحدت في النهاية وأصبحت مصر دولة موحدة مرة أخرى وكان ذلك بداية ما عرف تاريخيا بالدولة الوسطى في مصر القديمة لكنها كانت حقًّا دولة مختلفة عن الدولة القديمة في كل شيء!

الدولة الوسطى ونشأة الضمير وأولوية سعادة الإنسان 

على المستوى المجتمعي فإن أكثر إرث ورثه المصريون القدماء لنا من عصر الدولة الوسطى الذي استمر قرابة 5 قرون كان إرثًا أدبيًّا ومجتمعيًّا خالصًا أكثر وأهم من العمران والمعابد بلا شك، اشتهر العديد من المفكرين في ذلك العصر كأمينومبي المصري، وظهرت قصص عدة مقتبسة من الواقع؛ كالفلاح الفصيح ونصحه للملك والأمراء بالعدل، الشعب تعلم من أخطائه، لم يعد يعبد الملك ولكنه يحاسبه ويدعمه ما دام يسير في قومه بالعدل والإيثار، كذلك دون نصح الآباء لأبنائهم، اهتم المصريون في ذلك الوقت بتدوين الفكر والأدب أكثر من تدوين حروب الملوك وانجازاتهم، كانت تلك السنوات الخصبة بلا شك نتيجة منطقية لما عاناه المصريون بعد الثورة الاجتماعية التي كانت نتيجة حتمية لأثرة ملوك الدولة القديمة، اهتم المصريون في تلك السنوات بسعادة الإنسان، وأن يعيش حياة صالحة من أجل أن يحصل في العالم الآخر بعد الموت على ثواب مستحق. 

أما على المستوى السياسي لم يكن ملك مصر مستأثرًا بالسلطان وحده، فكان أهم ما يميز الدولة الوسطى أن البلاد كانت مقسمة إلى إقطاعات، كل إقطاع له جيشه واقتصاده وأحيانًا قوانينه الخاصة، وكل إقطاع يحكمه أمير يوليه إياه الملك، لكن الأمير في إقطاعه له الحرية في اتخاذ قرارات كثيرة وتنمية إقليمه بشكل جيد، كان الأمراء يستشيرون الشعب في أمورهم ويسمعون له. وقصة الفلاح الفصيح أشهر مثال لذلك، وكانت الجيوش تجتمع تحت إمرة الملك في وقت الحروب فقط لكن لم يكن هناك جيش دائم للبلاد، وقد يكون ذلك هو سبب انهيار الدولة الوسطى التي لم تستطع أن تقاوم غارات الهكسوس.

كانت تلك الفترة بلا شك خطوة من خطوات البشرية لحل إشكالية الأثرة والإيثار، كما تلاها خطوات أكبر لشعوب أخرى، ولكنها كانت أول خطوة في التاريخ، لذلك بإمكاننا أن نستعرض بعضًا من أدب المصريين القدماء الذي وصل إلينا من تلك الحقبة لنعلم أن الثورة الاجتماعية برغم فداحة نتائجها فإنها أدت في النهاية إلى منحة عظيمة للبشرية. 

أمثلة لآداب المصريين القدماء في عصر الدولة الوسطى

بعض أقوال أمينوبي المصري ونصائحه لابنه الذي كان يعمل داخل بلاط الحكومة: 

“لا تتعبنّ نفسك في طلب المزيد حينما تكون قد حصلت على حاجتك، وإذا جلب إليك المال بالسرقه فإنه لا يمكث معك سواد الليل، وحينما يأتي الصباح لا يكون بعد في منزلك، بل يكون قد صنع لنفسه أجنحة كالأوز وطار إلى السماء.”

“أرغفة تحصل عليها في سعادة خير من ثروة تحصل عليها في تعاسة.”

“الثناء على الإنسان كونه شخصًا محبوبًا من الناس، خيرٌ من الغنى.” 

                     في الهرى (المخزن) 

“إذا أشبعت نفسك من طعام محرم فإن ذلك ليس إلا لذة ريقك.”

“انظر فقط وأنت على المائدة إلى الوعاء الذي أمامك وكن مكتفيًا بما فيه.”

“لا تأخذن العطايا من القوي، ولا تضطهد الضعيف من أجله، فالعدالة هبة عظيمة من الله يهبها من يشاء.”

“لا تجعلن إحدى كفتي الميزان تحيد غشا، ولا تعبث بالموازين.”

_ومن أشهر الأقوال التي دونت على متون التوابيت المصرية 

“لقد خلقت المياة العظيمة ليتمكن الفقير من استعمالها كما يتمكن الغني.”

وقصة الفلاح الفصيح الذي وقف ناصحًا الأمير بالعدل، واستماع الأمير له ومكافأته وغير ذلك من الأمثال والروايات التي لن يرهقك البحث عنها إن اتخذت إلى ذلك سبيلًا.

لا نجد ختامًا أفضل من كلمات إيمرسون في مقال له عن السياسة: 

“إن زبدة جميع الأشياء وما ترمي الحرية والتعليم والمخالطة والثورات إلى تكوينه ومنحه، هي الأخلاق.. كما أن غاية الطبيعة أن تصل بمليكها -الإنسان- إلى هذا التتويج -الأخلاق.”

وكان شرفًا للمصريين أن كانت أول ثورة في التاريخ منسوبةً لهم، وأول ذكر للأخلاق والضمير في آداب البشر منسوب لهم

Avatar
علي ذي الفقار
مدون تونسي