تاريخ وسياسة

سيكولوجيا العفاريت | قربة

لعبت العفاريت دور هام ومؤثر في تشكيل وعي وثقافة الكثير من المجتمعات والشعوب، والسيطرة على خيال الكثير من الجماهير المقهورة عبر التاريخ.

وعبر التاريخ كان الشيطان فكرة، وفي اليونان كان أسطورة، وفي شرق أوروبا كان فلسفة، وفي أمريكا والهند كان إله.
وعبر قرون عديدة، وإلى الآن، لازالت العفاريت في مجتمعات ما يعرف بالعالم الثالث، هي التعليل الأول لما يتفلت من سيطرة الإنسان، وهي التفسير الأوحد للذي قد يستعصي على المرء تفسيره.

وبالنسبة للكثيرين، العفريت هو فك العقد، وحل المشكلات، وتبرير النواقص، وستارة العيب، وغطاء الفضيحة.
وهناك كثيرين يخشون الفضيحة..
وهناك مجتمعات أيضًا قد تخشى الفضيحة، وهناك مجتمعات قامت على فضيحة، وأخرى أندثرت بسبب الفضيحة..
وهي مجتمعات في غالب الأمر متخلفة، وأبناؤها كذلك..
وفي غالب الأمر تمارس سياسات التخلف والقهر، وفي غالب الأمر أبناؤها مقهورين.
والإنسان المقهور يتمسك بالموروث كما يتمسك الشوك بالصوف المبتل، وهو لا يملك من أمر نفسه شيئًا، ولا يملك شيئا، وقد لا يملك حتى نفسه، يسوقه الموروث، ويسوقه الخوف.

والإنسان المقهور، مغلوبٌ على أمره، خائف دائمًا وأبدًا..
والخوف أحيانًا يقود إلى الكذب، وأحيانا يقود إلى الجنون.
وقد يكذب الإنسان على نفسه الكذبة، ويصدقها، ويؤمن بها، فإذا هي تثبت في نفسه، وتترسخ في عقله اللاواعي، حتى تصير جزءا أصيلًا في اعتقاده، فيتمسك بها، ويدعو لها، ويحكي عنها، ويموت عليها.

والعفاريت أيضًا تموت، وتأكل وتشرب، وتلبس المودرن والكاجوال، وأحيانًا البني آدمين!
والشيطان شاطر، وقد يلف العالم كله في غضون ثوانٍ!
وقد يفتح الأبواب المغلقة، أو يبدل مواضع الأشياء، تمامًا كالعفاريت الإنسية الصغيرة!
وبإمكانه أن يسرق الأموال، ويحرق البيوت، ويزوج العانس، ويرد المطلقة، ويجلب الحبيب، ويفك النحس، ويعطي البركة.
وقد يسرب العفريت إمتحانات الثانوية العامة..
وقد يجعل البنت العاقر تنجب ذكورًا وإناثًا، وأحيانًا أبو فصادة!
والعفريت أيضا يحب ويكره، ويتزوج ويطلق ويرفع قضايا الخلع!
وقد يتزوج عفريت من إنسية، وقد تتزوج عفريتة من إنسيّ، وتقع في حبه، وفي دباديبه، وتقتلها الغيرة من زوجته، فتزوره ليلًا، وتقنعه بالنزول إلى الأرض السفلى، ويقتنع، وينزل، ويعود بعد شهر ليحكي عما شاهده.
وهي كلها حواديت تدور بين جماعات المراهقين، أو تحكى للأطفال قبل النوم.
وفي كتاب (شجرة البؤس) لطه حسين، تجد حواديت أخرى من هذا النوع، ولكن أكثر غرابة.
وهي كلها حلات إسقاط مرضية، تلصق بتلك الكائنات قدرات كبيرة على تحقيق ما يعجز المرء عن تحقيقه، كما تسقط عليها المصائب والعيوب والشرور والمخاطر.
وقد يلصق المدمن فشله بالعفريت، وفي تشاد سنة 2003 نشرت صحيفة محلية خبرًا عن بنك سرقه إبليس وعصابته.

وإبليس دائما كان رمز للشر والتمرد والغواية، ومهد هذا سبيلًا للإنسان ليلصق به كل شر إنساني، وكل غواية إنسانية، وكل تقصيرإنساني في النهوض بواجبات المصير الذاتي.

وكثير من الحواديت لازالت تشيع، وكثير من حالات الهلوسة البصرية والسمعية لازالت أيضا تشيع عن رؤية الجن واللقاء به، وكلها إسقاطات لمكنونات النفس اللاواعية، وتجسيد لها على شكل كائنات خفية، أو هي إسقاطات لرغبات المرء الدفينة والتي في الغالب تعرضت لقمع اجتماعي شديد.
والمجتمعات التي تمارس سياسات القمع، وتفرض أقصى سياسات الجهل على أبنائها، هي أكثر المجتمعات التي ينتشر فيها حالات الطلاق، وحالات الإدمان، والأمراض الجنسية، والتربية المتسلطة، وهي أكثر المجتمعات التي يمارس أبناؤها فنون الدجل والسحر وحلقات الزار.
وفي حلقات الزار يحل الكوديا (شيخ الزار) محل الأنا الأعلى للمريض من خلال عملية سيطرة نفسية عليه، ويؤدي هذا إلى تحلل مؤقت من التزمت النفسي للمريض، تطفو خلاله المكبوتات على السطح، فيشعر المريض براحه نفسية، ويتحرر مؤقتا من صراعاته النفسية، ومكبوتاته الجنسية والعدوانية التي تنخر في جسده، بإسقاطها على شماعة العفاريت.
وشماعة العفاريت دائمًا تقضي الغرض، وتحقق الرضا، وتحفظ السمعة، وهي شماعة معترف بها محليًا، أو إقليميًا، والمهم أنها خفية، فلا أحد سيلومها أو يعتب عليها، وهو المطلوب بعينه.

والدول النامية تمارس سياسات خفية أيضا كالعفاريت،
ومن مصلحتها تشجيع التفسيرات الخرافية، لإلهاء الشعوب عن التحليل والتفكير والنقد، ولتستمر في سياسات القمع والإستغلال المفروضة على الإنسان المغبون في العالم النامي.

عمرو مصطفى
عمرو مصطفى
طالب بالفرقة الثالثة بكلية الآداب، جامعة الفيوم، قسم علم النفس هواياتي: القراءة ولعب الشطرنج