أدب

قصة قصيرة إلى روحي | قربة

أخذت معطفها و كتابها المفضل و جواب تُرِكَ و لم يُرسل يومًا، وهربت.. لم تلتفت للوراء، ذهبت لتُحقِق هذه الأحلام التي كانت تَحوطها كُلَّ ليلة و تختطف معاها أحلام يقظتها، انتظرت طوال عشرين عامًا، انتظرت أن يتحقق أحدهم، ولكن لم يتحقق..

 تركت كل الأشياء في محاولة إيجاد ما فُقِدَ، أخذت قطار الثالثة فجرًا، كانت العتمة في كل مكان، وبردًا قارصًا لم تنفق أن وضعت المعطف والشال، وأخذت ما حملته معها، و ظلَّت تنتظر حتى جاء القطار…  صعدت لم يكن القطار ممتلئًا، سَعِدت لعدم وجود الكثير من الأشخاص؛ لأنها لم تعد قادرة على احتمال هذه الدموع… عندما جلست أطلقت العنان لروحها أن تخرج ما في جُعبتها، ظلت تنظر من النافذة فها هي تترك مسكنها وقريتها التي ترعرعت بها طوالخمسة وعشرين عامًا، و تذكرت اللحظات المتفرقة، أصدقاء يتبددون يومًا بعد يوم واليأس والعجز و الارتباك، ظلت تبكي حتى همَّ عليها النوم، وعندما استيقظت وجدت نفسها وقد وصلت إلى محطتها- مدينة الأحلام- تذكرت اللحظة الأولى عندما وصلت لهذه المدينة للمرة الأولى، كانت ممسكةً بيد والدها، يقول لها:” لا تفلتي يديَّ يا صغيرتي! قد أفقدك و ينكسر قلبي”  كانت كالحلم كأنَّ هناك أشياء لم ترها من قبل، تركض في كل مكان، تذهب بجانب المحلات والأوعية الفارغة لتقفزَ من فوقها، كانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي تشعر بها بالحياة، كانت تنظر لملابس الأطفال المُهندَمَة ولتلك الألعاب التي لم تحصل يومًا عليها كأنَّ والدها يريد بيع ما تبقى من ممتلكاته القيمة ساعة ورثها عن أجداده، كأنه يريد أن يحقق لها ما لا يستطيع تحقيقه، التفت إلى طفل صغير يبكي ورجل كهل يبتسم له حتي يهدأ، وفتاة جالسة لا تدرك العالم بمن فيه، أخذت عنوان المصنع من أحد أقاربها وذهبت، وأول يوم في العمل كانت تُحدث نفسها أنه يومٌ لتحقيق حلم العمر ويومٌ آخر يليه، كانت تحب حياتها الجديدة …  تسكن مع فتيات المصنع، لم تكن الغرفة أفضل غرفة في العالم و لكن كان ملاذها الأكثر أمانًا من سابقيه، كانت تنظر للسماء كل يوم و تقول: ” سيكون لنا لقاء في الغد لنحيي ما خُلِقَ بداخلنا، ذلك الحلم الواهن” مضي شهر و بدأت تلملم ما تبقى من مالٍ وذهبت لترى ما أتت من أجله بأن تصبح أول فتاة تحصل على تأشيرة سفر للخروج من هذه المدينة وتذهب إلى مدينة الأحلام، لم تكن هذه المدينة للفقراء كانت ملاذاً لكل غني وحالِم، ذهبت إلى المركز وأفرغت كل ما في جيوبها وانتظرت أن يأتي اسمها الذي سماها والدها تيمنا بجدتها روح، تذكرت كم كانت لحظة فراقها صعبةً، وما حدث بعد فراقها من موت والدها و وزوج أمها وأولاده، وغرفتها التي شهدت دموعها المتكررة و لكن لم تنس تلك العبارة ظلت خالدة في روحها “اذهبِ يا ابنتي إلى مدينة الأحلام فهنا الواقع مؤلم و أنت وردة إذا تُرِكَت هنا ستذبُل وتموت! ” كانت هذه آخر جملةٍ منه، كان ملاذها و أمانها كان نصفها الآخر و روحها التي ذهبت إلى العالم الآخر و ترك فراغًا في جسد لا يملأه سوى تلك العبارة،  كانت تنتظر كل يوم لتمتلك الشجاعة لتترك، تترك و تغادر… نادى اسمها و قال لها:” ماذا لديكِ لتذهبي لمدينة الأحلام؟ هل لديكِ مالٌ أم حلم؟” صمتت طويلاً حتى قالت:” أنتظر الحلم بأن أُكوِّنَ هنا رحلة الألف ميل من الهروب المتتالي للوصول إلى هنا ، الهروب من نفسي ثم من البشر.. بأن أرى أمانًا، أرى حياة، فكيف تُسجَن الحياة بداخلي ولا أدرك العالم! كيف أموت وأنا أريد أن أحيا لحلمي و الأحلام لا تموت، أنا ما تبقى مني فهل سأُترَك هنا بين رفاتي و مدامعي، بين هوسي وجوفي وأنصاع للبشر في كل مكانٍ، لا تتركوني هنا فأنا أُقتَل واُقاتِل كل يوم، لا ترى دمي الآن لكنه محفور بداخل جسدي في كل خانة و مدخل أرى نفسي أتعلق فوق الجسور، حلمي هناك بين الشقين بين الحياة و الموت، هذه الفواصل و هذه المرساة هي مرساتي فاتركوني لحلمي فإن بقى بقيت معه، وإن فنى سأفني معه، فانظر في ثنايا روحي ولملم ما بقى فأذهب بعيدًا فحلمي ينمو بداخلي، اتركُني اجفي عن مدمعي هولي وهلاكي، اتركني لنفسي و أنا أرى ماذا سيفعل ما تبقى مني، اتركوا للورد أثر فإذا ذبل سَيذبُل وبها بعض الحياة، ولا تتركوه يذبل و تفوح منه رائحة الهلاك، لا تتركوني كما أنا فكل يوم يذهب يترك ما لا يستحق أن يُترك، اتركوني أغلب الناس وأغلب كوني هنا اتركوني لأعيش ما تبقى مني،  ما تبقى من روحي.

نرمين سند
نرمين سند
فتاة في مقتبل العمر تهوي الكتابة و اري العالم بعيني و احلم بأن يراه الجميع من كتابتي

اترك تعليقا