صوت

ربع قرن وعام، ولم أقترب من البداية!

أفق يا عزيزي لقد شارفَ عامُك السادس والعشرون، لقد دخلت في مرحلة اليقين التي لا مساحة بها أن تخطئ أو أن تتعثر  بعد أن تخطيت عدة مراحل من اكتشاف ما يدور حولك إلى تقليد أعمى، مرورًا بتمرد صغير يتبعه مرحلة اجتهاد للوصول إلى مجهول، ومن ثم مرحلة مراهقة قد فعلت بها ما يصعب على من حولك تصديقه مرورًا بمرحلة يأس الشباب عند الرابعة والعشرين حتى وصلت لهذه المرحلة… ربع قرن من الزمان وعام أتى من بعده، وأنت تبحث عن البداية، هل قررت أن تبدأ؟ هل قررت من أين تبدأ؟ هل وجدت نقطة الصفر وهل تعلم ما هي نقطة الصفر بالنسبة إليك؟!

 أين كنت وكيف أصبحت يا عزيزي فأخبرني!

بدأت من مرحلة الاكتشاف

تحركت لأكتشف العالم المحيط بي في عمر يبدو أنه كان في المتوسط، كنت أتحسس الأمور البسيطة التي تجعلني سعيدًا. لم أعطِ اهتمامًا لأية أمور أخرى… مارست لعب كرة القدم مع رفاقي “كنا نلعبها نهارًا وليلًا دون أن نشعر بالتعب أو الملل”، كنا نصنع صواريخ ورق ومن ثم نجعلها تطير في الهواء باستخدام الأحبال “كنا نحلم أن نطير نحن بدلًا منها.” 

” لم تُرِد أقدامنا أن تطأ الأرض، كنا نبحث عن مواصلة الطيران كالعصافير والصواريخ التي نصنعها بأيدينا.”

البراءة ثم البراءة ثم البراءة حيث كانت تسيطر على عقولنا براءة ممتزجة بسذاجة الطفولة التي كانت تلفت إعجاب الكبار بنا وتجعل الجميع ينظر إليك نظرة جميلة، نظرة ستتبدد في المرحلة القادمة شيئًا فشيئًا.

أصيب عقلي بالتشتت في مرحلة التقليد

وصلت مرحلة التقليد، الجميع ينتقدني، الجميع في موقف بعيد عني وكأنهم سئموا مني فجأة… ماذا حدث!

آآآآآآه.. لقد صرت كالببغاء، التقليد الأعمى ثم التقليد ثم التقليد من تقليد طريقة الكلام التي يتحدث بها الكبار، إلى تقليد صوت المؤذن، إلى تقليد صوت مذيع كرة القدم، إلى تقليد بعض المغنيين، إلى تقليد أصوات الحيوانات أحيانًا، الجميع يخشى أن يتحدث أمامي حتى لا أقوم بتقليده، هي فرصة جيدة للكبار كي يتوقفوا عن التعصب والتفوه ببعض الألفاظ السيئة حتى لا يقوم الطفل بالتقليد الأعمى، لكن كل ما زاد عن حده عادة ما ينقلب إلى الضد.

حتى أتاني العون

هكذا أصبحت في هذه المرحلة، كائن منبوذ تحول عنه الجميع بعد أن كان مصدر اهتمام الجميع… لكنه وقف بجانبي بعد أن هجرني الجميع.. نعم فعلها أبي حيث لم يفعلها سواه، ترك الجميع وأتى إليّ وقرر أن يحتوينى بعدما رفضني الآخرون. كان بالنسبة إلي الشخص الأول والأخير، العون الذي -بعد عون الله- لا عون غيره. لكنها وعلى سبيل الإثارة الدنيوية لم تطل، فترة مضت برحيل أبي -رحمة الله عليه- عن هذه الدنيا. 

بدأت بالإصابة بمرض يمر به العديد من الشباب وهو -سنوات الضياع- السعي وراء اللاشيء، فقط الاستمتاع بما يدور دون النظر لما هو قادم، دون إعارة أي انتباه لأهداف الحياة الدنيا وحدث ذلك جراء ارتباطي الشديد بوالدي، عرفت الصحبة التي لن أصفها بأنها سيئة لكننا كنا صغارًا نبحث عن اللعب ولا شيء سواه. كانت تسرقنا الأيام والعالم يتحرك من حولنا بينما نحن متوقفون لا نتحرك، لا نفعل شيئًا سوى اللعب فقط.

حتى أتاني العون ثانيةً لكنه هذه المرة جاءني عن طريق أخي -أقرب إخوتي لي في العمر- والذي قرر أن يتبنى دور الأخ ويستخرجني من هوة الإحباط والدمار العصبي إلى السعى وراء المجهول الذي لابد منه، إلى السعي وراء كلمة مستقبل نظيف… 

اجتهدت من أجل المجهول

بدأت أشق طريقي نحو المجهول الذي تريده الأسرة والمجتمع والناس، لم يأبه أحدهم لرغبتي. انساق عقلي حول تحقيق الأمنية التي طلبها والدي.. لكني لم أكن أعلم ماذا بعد الوصول لهذه المرحلة -كلية الهندسة- لم أكن أعلم، لم أجد شخصًا يعلم حتى يخبرني، لم أجد من يرشدني على الطريق؛ ففي عائلتي لم يصادف أن رأيت أحدًا التحق بكلية الهندسة “هناك من حاول لكن لا أحد قد وصل” فيبدو أنني إن وصلت سوف أصبح الأول. مجهول لا يعلمه أحد ويبدو أنني مضطر للسعي نحوه لكني لا زلت قلقًا من هذا المجهول!

أصابني داء المراهقة الذي لابد منه

الجميع يصاب في فترة العشرينات بما يسمى “فترة المراهقة” أصابتني بكل مساوئها، لم أكن المسيطر، لم أكن الشخص الذي يتحرك. للأسف ظهر شخص آخر يشبهني في جميع المواصفات من طول ووزن -لا زاد الوزن بعض الشيء وظهر ما يسمى دهون البطن- غير أن الصوت قد تغير والملامح بدأت في التغيير والحالة المزاجية أصبحت متقلبة، في كل وقت أظهر بحالة جديدة.

أحببت الفتاة الأولى لكنه كعادة البدايات الصادمة كان حب الطرف الواحد الذي لم يكن من المقدر أن يستمر، ذهب إلى الأرض من البداية.

اتجهت للفتاة الأخرى لكنها لم تكن مصيري.

ثم الفتاة الأخرى التي ظللت طيلة ستة أشهر أتحدث إليها لكنها أرادت صديقًا على طريقة القرن الواحد والعشرين، ولم تُرد حبيبًا على الرغم من انسجامنا معًا بطريقة جيدة.

ثم بدأت الترفع عن فكرة الارتباط في سن مبكرة، اعتقدت أن قوة كبيرة أكبر مني تبعدني عن هذه الناحية فقررت الابتعاد.

حتى اختارتني إحداهن حيث لم أكن ألتفت للفكرة من الأساس لكنني بمرور الوقت بدأت الاقتناع بالفكرة حتى فشلت لأن الاقتناع كان خارجيًّا فقط.

ثم، ثم، ثم وهلم جرا.

مثلي مثل أبناء عمري، أصيب جسدي وعقلي بآفة فترة المراهقة… تعلمت الكثير وضاع مني الكثير لكنني استفدت منها أشد الاستفادة واستمتعت بالكثير حتى أصابتني صاعقة الرابعة والعشرين!

سيطر عليّ اليأس في الرابعة والعشرين

استيقظت في الخامس عشر من أغسطس عام 2017، تخرجت من الكلية وأنهيت مناقشة مشروع التخرج واحتفلنا أشد الاحتفالات، لكنني في ذلك اليوم استيقظت فزعًا، لقد أصبحت في الرابعة والعشرين من عمري.. بدأت مرحلة اليأس المتصفة بالوجه الشاحب الذي تم إرهاقه جراء فترة المراهقة مرورًا بصراعات الحرم الجامعي، بالإضافة للفترة نفسها في مصير الدول العربية انتهاءً بوصولي لهذه المرحلة دون أن أتزوج، دون أن أكون شخصًا يعمل لكسب رزقه، فقط شاب جامعي تخرج من كليته في انتظار فترة الخدمة العسكرية التي ستكون إما عامًا من الإهانة المميتة أو ثلاثة أعوام من الإهانة الركيكة.

لقد صرفت ما يقارب الـ 100 ألف جنيه أو يزيد على منظومة تعليم كان من الممكن أن تحصل عليها من الكتب العلمية أو من موقع Coursera  

وهذه كانت إحدى أكبر صدمات حياتي التي لم أكتشفها سوى في صواعق العام الرابع والعشرين…

آفة الخدمة العسكرية

العنصر الأخير في الفاتورة الذي علمت أنني مجبر على تسديده لصالح البلد، بعد التعليم وما مر به من تنازلات وبيع أنفسنا بأرخص الأثمان جاء وقت العنصر الأخير الذي سيمحو ما مضى، وسيؤثر على ما هو قادم، مرحلة لا فائدة منها خصوصًا لطالب خريج كلية الهندسة قسم حاسبات وتحكم آلى. 

بداية اختلفوا فى تصنيف الكلية التي تخرجت منها في ورقة الانتقاء والتوجيه، فقرروا أن يضعوا كلمة كهرباء قسم حواسب!!

ثم بدأت في مركز التدريب، حيث الفترة المتصفة بما لم تشاهده من قبل “من حسرتي في أول مكالمة مع والدتي، إلى وصولي لنسيان رقم تليفون المنزل، إلى إهانة ما بعدها إهانة، إلى إرهاق بدني ونفسي متواصل إلى انعزال تام عن كل ما هو في الحياة، إلى أكل دون المستوى ونوم بلا راحة، إلى وصولك للحلم بما هو أدنى من حقوقك الطبيعية.

وصولًا باستمرار للإرهاق في مركز التدريب للتأخر في الوصول للقوة الأساسية، إلى أحد عشر شهرًا من التعب النفسي المتواصل، مشاهدة الأهل مرة كل شهر فقط، أكل دون المستوى، معاملة لم تكن مماثلة لمؤهلك العلمي، غير مناسبة لمؤهلك الأخلاقي، انحدار ثم انحدار تسبب في كسرة تواصلت بعدها الانكسارات.”

العنصر الأخير في هذه الفاتورة والذي قمت بتسديد ما يقارب ال 395 يومًا بالتمام والكمال، وبقي في الفاتورة 15 يومًا، لقد نجحت في تسديد الفاتورة أخيرًا.

من هنا قررت!

تماشيًا مع أغنية بنك مصر “ابن مصر” وضعت في قرارة نفسي أنني:

سأذهب إلى قبر والدي حتى أخبره أنني أنهيت المهمة بنجاح، تم استنزافي بدنيًّا، لكننى لم أسقط ولم ينفطر قلبي إنما أنا لا زلت كما رباني.

لقد تغيرت معاييري؛ فلم أعد أحتسب الخطأ من الصح كما كنت، فها أنا في مرحلة صراع كبيرة أعود إلى حيث بدأت أم أستمر فيما هو قادم بالشكل الذي أصبحت عليه تحت تأثير هذه التجربة.

تعلمت فائدة العائلة، تعلمت كيف تسير الأمور حين تمتلك عائلة تحبك، عائلة ترعى، تأكدت أن هناك على هذه الأرض من يأبه لأمري!

حانت لحظة القرار، سأبدأ حياتي كما أريد وليس كما يريد الآخرون، سأقرر وأفكر وأمارس حياتي وأتعلم كما تعلمت فيما قد مضى لأنني شعرت بأنني قد ضيعت خمسة وعشرين عامًا في منظومة فاشلة وقد حان وقت تصحيح المسار

محمد فتحي
محمد فتحي
محلل رياضي مصري ومدير قناة وصفحة الساحرة المستديرة. مهندس حاسبات وتحكم آلي.

اترك تعليقا