ترجمات

قراءة في تاريخ الحضارة

الناشرTHE WEEK
تاريخ النشر3 نوفمبر 2018
العنوان The true history of civilization
الكاتب David Wengrow

لقد عادت الحضارة، لكنها لم تعد بهذا المصطلح المُعبِّر عن «رجل عصور النهضة» أو «رجل الغرب» أو حتى «المجتمعات المتعلمة»، فالحضارة هي أسلوب للتعبير عن التاريخ الإنساني في أوسع نطاقٍ له، ابتداءً بلوحات كهوف لاسكو، وصولًا إلى أحدث معرض للفن الحديث، هذا هو ما يربط التاريخ الإنساني بعضه ببعض.

لكن -وعلى الأقل- في جانب واحد أساسي، يظل مفهوم الحضارة مفهومًا إقصائيًّا، فنراه ما زال متمثلًا في المعارض، المتاحف، مواقع اليونيسكو للتراث العالمي، الصور، الأبنية، والأغراض الثمينة القيمة، بدلًا من أن يتمثل في الإنسانية الحية.

قرب الحدود بين سوريا وتركيا، افتُتِحت الآن حديقة التراث التي تحوي هياكل (جوبيكلي تيبي) الحجرية، والتي تعود لما قبل التاريخ، والتي تُطرَح على أنها كل شيء بدايةً من جنة عدن، وصولًا إلى المهد الحقيقي للحضارة، وأول معابد العالم. على أننا لا نزال في حاجة إلى حضارة تسمو فوق واقع صُنَّاعها والمحافظين عليها، ففي مناطق مضطربة -كالحدود السورية التركية- سرعان ما تتحول معالم أثرية كتلك إلى مسارح يُضحَّى بحياة الإنسان فوقها.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى استمرار وجود طرق أخرى مكنتنا من استيعاب «الحضارة».

في القرن العشرين، اعتقد عالم الأنثروبيولوجيا الفرنسي «مارسيل موس» أنَّه لا ينبغي اختصار الحضارة في مجرد قائمة إنجازات فنية أو جمالية، كما لا ينبغي أن تُمثل مرحلة معينة من التطور الثقافي كصراع التحضر في مقابل الهمجية وما إلى ذلك. بالطبع يمكننا إيجاد الحضارة بشكل أقوى في الأشياء المادية الملموسة، لكن في الوقت ذاته علينا ألَّا ننسى أنها تشير -قبل كل شيء- إلى إمكانيات المجتمع الإنساني.

 ففي نظر «موس»، الحضارة هي نتاج لتقاسم المجتمعات المتباعدة لأدبياتها ومادياتها، عابرةً للحدود، ومشكِّلة علاقات متينة تتجاوز الاختلاف.

وقد يبدو هذا نقاشًا نظريًّا مُجردًا، لكنه ليس كذلك، فدعونا نحاول التوضيح…

قد مرَّت تقريبًا أربع سنوات منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في الشرق الأوسط، التي سعت بانتظام في تدمير الآثار وبيعها، وقد بلغ هجومهم ذروته في عام 2015 عندما هاجموا مدينة تدمر بسوريا- المركز التجاري القديم وأحد مواقع التراث العالمي- وفي ظل الاحتلال الداعشي، صار المسرح الروماني في تدمر مسرحًا يعرض أبشع الفظائع، كعملية الذبح العلني لخالد الأسعد -أحد مواطني تدمر ومدير المواقع الأثرية حين ذاك-.

في ربيع 2016، وبعد التحرير المؤقت -الذي حدث بدعم روسي كما تبين فيما بعد-، استضافت تدمر أوركسترا «ماريانسكي» التي قدمت معزوفات لـ «باخ» و«بروكوفيف» و«شيدرين» واستمع إليها حشد من الجنود الروس.

في كلمة للرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» قالها في بث مباشر من روسيا، علَّق على هذا الحدث قائلًا: «إنه حدث دُشِّن ليقدم فكرة معينة عن الحضارة، وأنا أرى هذه فكرة مُضلِّلَة، بل إنَّ هذا الحدث هو جزء من تراث البشرية».

عبر العصور، فتحت تدمر أبوابها لكل أرباب الحضارات الأجنبية.

كتب المؤرخ الروسي «مايكل روستوفيتسيف» في عام 1932 أن «كل شيء غريب في مدينة تدمر الغريبة»، على أنه بالتأكيد ليس بغرابة تلك الأحداث في 2015 و2016.

فما الذي قد يمثل «التحضر» في لعب موسيقى «بروكوفيف» وسط حطام جميل لمدينة سورية عريقة بينما في الوقت ذاته يتعرض سكان مدينة أخرى -حلب-للقصف؟

لم تُصمَّم معابد تدمر القديمة بوصفها أعمالًا فنية يُنظَر إليها أو يُعجَب بها بسلبية أكثر من كهوف «لاسكو» أو «فون دي جوم» التي كان الغرض منها أن تكون معارض للفن، أو «جوبيكلي تيبي» التي تعد إصدار ما قبل التاريخ لكنيسة «سيستين».

في العصور القديمة، طالبت المعبودات بقرابين وأضحيات، ويبدو أن عصر المطالبة بها قد عاد ثانية، والأضحيات من هذا النوع يرتبط بشكل ما بمفهومنا الحديث لـ «التراث» و«الفن» و«الحضارة»، وبطرق يندر التعبير عنها أو التفكير فيها. لكن بالتأكيد ما يخبرنا به هذا هو أنَّ هذه هي مقاصدنا وأغراضنا، آلهتنا الحديثة، وآلهة الشمال العالمي.

عندما يستخدم الناس مصطلح «الحضارات القديمة» فإنَّ غالبًا ما يقفز إلى أذهانهم هو مصر الفرعونية، حضارة الانكا في «بيرو»، الازتك في «المكسيك»، الهان في «الصين»، الامبراطورية الرومانية، اليونان القديمة، أو غيرها من المجتمعات القديمة التي لها مستوى معين من الأثرية. 

وقد كانت جميعًا مجتمعات طبقية بامتياز، يقوم تماسُكُ بنيانها على الحكومات الاستبدادية والعنف وتبعية المرأة المُطلقة. والتضحية هي الظل الذي اختبأ وراءه هذا المفهوم للحضارة، مفهوم التضحية بالحرية وبالحياة ذاتها في سبيل شيء بعيد المنال دائمًا، مثل فكرة أسطورية عن نظام العالم وتفويضات من قوى عُليا، وبركات من تلك الآلهة النهمة التي لا تشبع.

وهناك خطأ ما هنا، فكلمة «حضارة» نابعة من مصدر و منظومة مُثُل مختلفة تمامًا، فقديمًا كانت كلمة «المدنيون» باللاتينية تعني صفات الحكماء السياسيين والمساعي المتبادلة التي تسمح للمجتمعات بتنظيم نفسها من خلال التحالف الطوعي. ويضرب لنا الشرق الأوسط عددًا من الأمثلة المُلهمة على ذلك، ففي صيف عام 2014 كسر تحالف من الوحدات الكردية حصارَ جبل (سنجار) في العراق لتوفير ممر آمن وغذاء ومأوى لآلاف من النازحين الأيزيديين، وحتى الآن يشيد سكان الموصل مدينة جديدة تقوم من تحت الأنقاض التي سببتها الحرب، شارعًا تلو الآخر، وبحد أدنى من الدعم الحكومي.

تبادل المساعدة، التعاون الاجتماعي، الأنشطة المدنية، كرم المعاملة، أو ببساطة الاعتناء بشؤون الآخرين. هذه -ببساطة- هي العوامل التي تعمل على تَشكل الحضارات. وفي هذه الحالة، فإننا لم نبدأ في كتابة التاريخ الحقيقي للحضارة سوى الآن. ربما يبدأ الأمر بما يدعوه علماء الآثار «المجالات الثقافية» أو «المجالات التفاعلية»، وهي مساحات شاسعة من التبادل الثقافي والابتكار تستحق مكانة أبرز في اعتباراتنا عن الحضارة.

في الشرق الأوسط، لديهم جذور عريقة تعود لنهاية آخر العصور الجليدية، أي حوالي عشرة آلاف عام قبل الميلاد. وقبل آلاف من الأعوام من نشأة المدن (حوالي أربعة آلاف عام قبل الميلاد)، شاركت المجتمعات القروية بالفعل مفاهيمها الأساسية للنظام الاجتماعي في جميع أنحاء المنطقة التي تعرف بـ «الهلال الخصيب»، والأدلة المادية التي خَلَّفتها الأنماط الشائعة من حياتهم المنزلية وطقوسهم وطرق ضيافتهم، تظهر لنا عمق تاريخ الحضارة هذا. وهذا وبشكل ما، يعد أكثر إلهامًا بكثير من الآثار. وأهم ما توصل إليه علم الآثار الحديث قد يتمثل في واقع هذه التشابكات الاجتماعية الواسعة النابضة بالحياة، في حين توقع الآخرون أن يجدوا محض «قبائل» معزولة متخلفة.

وقد كونت هذه المجتمعات الصغيره منذ ما قبل التاريخ حضارات تحوي مجتمعات متخلِّقة بمدى واسعٍ من القيم الأخلاقية. وبدون ملوك دائمين، أو أنظمة بيروقراطية ،أو فاشية عسكرية، استطاعوا تعزيز نمو المعرفة الرياضية والتقويمية، وعلم المعادن المتقدم، وزراعة الزيتون وكروم العنب وأشجار النخيل ، واختراع الخبز المختمر وبيرة الشعير. كما أنشأوا التقنيات الكبرى لصناعة الأنسجة التي طبقوها على الأقمشة والسِّلال، وصناعة الفخار والخزف، والصناعات الحجرية وما يتصل بالإبحار والملاحة. ومن خلال روابط النسب والتجارة، نجحوا في نشر هذه الصفات القيمة التي لا تقدر بثمن وتعبر عن حضارة حقيقية نعتز بها.

ومع التدقيق المتزايد باطراد تتيح لنا الأدلة الأثرية متابعة خيوط الأساس التي أنشأت هذا النسيج الحضاري المنبثق، الذي يعبر سهول أودية العراق ليمر بشواطئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود جيئةً وذهابًا حتى يكتمل نسجه في سفوح جبال طوروس و زاجروس وصولًا إلى رأس الخليج العربي والحضارة، بهذا المعنى الجديد ، تَشكَّل نسيجًا ثقافيًا من التعقيد والعظمة المذهليْن،أقل مركزية وأكثر انفتاحًا، منسوجًا من ملايين الروابط الاجتماعية البالغة الصغر.

وبإمعان النظر للحظة يتبين لنا أن النساء وأعمالهن ومخاوفهن وابتكاراتهن هي لب هذا الفهم الأدق للحضارة.

غالبًا ما يعني اقتفاء أثر المرأة في المجتمعات بدون كتابة أن نستخدم الأدلة المتروكة، بالمعنى الحرفي للكلمة، في نسيج الثقافة المادية كالخزف المطلي الذي يُحاكي كلًّا من تصاميم النسيج وأجساد النساء في شكلها ويعتني بالهياكل الزخرفية. وسنأخذ مثالًا واحدًا على هذا: من الصعب تصديق أنَّ هذا النوع من المعرفة الرياضية المعقدة التي نراها في الوثائق المسمارية للعصور القديمة، أو نراها في تصميمات المعابد الحضرية، قد انبثقت بالكامل من عقل ذكر كما انبثق أثينا من رأس «زيوس»، وإنما يُرجَّح أكثر بكثير أن تُمثل هذه الأعمال المعرفة المتراكمة في عصور ما قبل تطور اللغة المكتوبة، من خلال ممارسات ملموسة مثل: التفاضل والتكامل التطبيقي والهندسة الفراغية للحياكة والزخرفة بالخرز.

وعليه فإنَّ ما وصلنا من مفهوم للحضارة قد لا يكون في الحقيقة سوى عملية استغلال جنساني لنظام معرفي قديم كانت المرأةُ مركزَه الحقيقي، ذلك الاستغلال الذي كان من شأنه نقش ادعاءات الرجال وما اقترفوه على الصخر.

آخذين هذا في الاعتبار كنقطة بداية، يمكننا رؤية التاريخ الحقيقي للحضارة المعاصرة، إنها تعود لما هو أبعد من أقدم الملكيات والإمبراطوريات مقاومةً حتى أكثر التوغلات الوحشية للدولة الحديثة. إنَّها الحضارة التي يمكننا حقًّا أن نتعرف عليها حالما نراها أو نتذوقها أو نلمسها حتى في أحلك الأوقات. ويستحيل وجود مبرر للتدمير الوحشي للآثار العريقة.

ولكن دعونا لا نخلط بين ذلك وبين نبض الحضارة الحي الذي يكمن فيما قد يبدو للوهلة الأولي صغيرًا أو مستأنسًا أو عاديًّا، لكننا هنالك سنجده، يطرق الباب في أناة منتظرًا الضوء.

الكلمات الدلالية
فيروز النمر
فيروز النمر
طالبة بكلية الألسن جامعة كفر الشيخ.