علوم

هل يتعافى ثقب الأوزون؟

لطالما سمعت عبارة “ثقب الأوزون ” عند التحدث عن حالة الطقس هذا العام أو الطقس المُتوقع في الأعوام القادمة، أو عندما تُعلن شركة ما عن منتجٍ جديد صديقًا للبيئة وتُرفِق بإعلانها عبارة “آمن على البيئة، ولا يسبب الضرر، ولا يزيد من سوء حالة ثقب الأوزون” 

 فهل فكرت من قبل عمَّا هو الأوزون، وعن ماهية هذا الثقب الموجود به؟! – والذي ستعرف في نهاية المقال أنَّه ليس ثقبًا كما تظن..

وهل حدث وأن سمعت من قبل كلمة أنتاركاتيكا ارتباطاً مع كلمة الأوزون ؟ أو حتى التقطت عيناك عنوانًا في صحيفةٍ ما تتحدث عن التئام الأوزون ؟

 ستعرف حقيقة كل هذا هنا، لكن بعد عرضٍ مختصر عن ماهية طبقات الغلاف الجوي… لذا إذا كانت لديك خلفية عن تكوين الغلاف الجوي بإمكانك الانتقال مباشرةً لعنواني “أنتاركاتيكا” و” التئام الأوزون” .

عادةً ما يتم الخلط بين عبارتي ثقب الأوزون ” و ” الاحتباس الحراري ” ولا شك أنَّ هناك صلةً بينهما؛ حيث أنَّ الأوزون له تأثير كبير في مشكلة الاحتباس الحراري مايسمى “greenhouse effect “”

إلَّا أنَّ قضية ثقب الأوزون قضية منفصلة.. إليك تفاصيلُها: عليك أن تعرف أولًا أنَّ الكرة الأرضية تُحاط بغلاف جوي مُكوَّن من عدة طبقات وهي (تروبوسفير , ستراتوسفير , ميزوسفير, إيونو سفير ,إكزوسفير )

C:\Users\smart\Desktop\طبقات-الغلاف-الجوي.jpg

والأوزون عبارة عن شكلٍ من أشكال غاز الأكسجين , والذي يتكون من ذرتين أكسجين في صورة O2، ولكن في وجود الضوء والأشعة فوق البنفسجية  يتكون غاز الأوزون من ثلاث ذرات أكسجين O3، والذي يتكون ويتفكك باستمرار لكن بمعدل طبيعي.

 يوجد غاز الأوزون في الغلاف الجوي المحيط بالأرض تحديدًا في طبقة الستراتوسفير(والتي تتراوح بين 15-50 كيلومتر )فوق سطح الأرض ليعملَ كدرعٍ واقٍ، يمنع  وصول أشعة الشمس الضارة كالأشعة فوق البنفسجية UV-Rays وخاصةً النوع (UV-B) والتي يتسبب التعرض لها وغيرها من الأشعة إلى الأرض في حدوث العديد من أمراض الجلد والعين: كسرطان الجلد ,,,

C:\Users\smart\Desktop\yt.png

ما هو ثقب الأوزون ؟

قد يتبادر إلى ذهنك أنَّه ثقبٌ بمعنى منطقة خالية تمامًا من طبقة الأوزون مثلما نعرف دائما معنى كلمة ثقب في حياتنا اليومية، لكنَّه ليس ثقبًا بالمعنى الحرفي فهو مصطلح مجازي للتعبير عن نقص سُمك طبقة الأوزون في منطقة معينة من الغلاف الجوي عن المعدل الطبيعي والذي سيؤثر بدوره على قدرتها على القيام بوظيفتها في منع الأشعة الضارة من المرور إلى الأرض ومن ثَمَّ إلى كل المخاطر التي سنذكرها لاحقًا.. أي أنَّه أقرب لتآكل أو ضعف أكثر من كونه ثقبًا بالمعني الحرفي . 

بمَ تُقاس طبقة الأوزون ؟

تُقاس طبقة الأوزون بما يُسمى وحدة دوبسون (Dobson Unit) لقياس إجمالي الأوزون في عمود من الهواء يمتد من سطح الأرض إلى الفضاء، وطبقًا لمعايير معينة من درجات الحرارة والضغط الجوي وسُمك عمود الهواء يتم حساب إجمالي طبقة الأوزون.

ما السبب وراءَ تآكُل هذه الطبقة ؟

هُنالِك العديد من العوامل التي ساعدت على تلف طبقة الأوزون ولكن من أهمها :

  1. أكاسيد النيتروجين :  نَشَرَ الكيميائي الهولندي ” Paul Crutzen” ورقة في عام 1969 تصف تأثير أكسيد النيتروجين nitrogen oxide على معدلات الأوزون، وأَوضَح أنَّه يتفاعل مع غاز الأكسجين،  ويُبطِئ من عملية تكوين الأوزون، كما أنَّ له القدرة على التفاعل مع الأوزون لتكوين جزئ أكسجين O2وثاني أكسيد النيتروجينnitrogen dioxide NO2.
  1. مركبات الكلوروفلوروكربون (أو الفريونات ): وهي عبارة عن مركبات عضوية تحتوي على ذرات من الكلور والفلور وذرة كربون، وتستخدم في عدة أجهزة كالثلَّاجات وأجهزة التكييف والمبيدات الحشرية وغيرها، ولكن بالرغم من الثورة الصناعية التي أحدثتها هذه المُركبات بعد اكتشافها، إلَّا أنَّ عالمين أمريكيين من جامعة كاليفورنيا وهما 

 “Mario Molina” and” F. Sherwood Rowland” قاما عام 1974 بدراسة تأثيرها على طبقة الأوزون، واتَّضح أنَّ هذه المركبات هي مصدر كبير لمركب الكلور (chlorine) في طبقة الستراتوسفير بتأثير تعرض هذه المركبات للأشعة فوق البنفسجية فيما يُسمى” الانحلال الضوئي ” وباستطاعة ذرات الكلور هذه تدمير كميات لا بأس بها من غاز الأوزون؛  حيث ترتبط به وتُفكِّكه إلى جزئ أكسجين وذرة أكسجين، وترتبط هذه الذرة مع أخرى لتكوين جزيئات أكسجين عديدة، وهكذا بلا أوزون ! وقد حصل كل من العلماء الثلاثة السابق ذكرهم على جائزة نوبل للكيمياء عام 1995 تقديرًا لجهودهم .

C:\Users\smart\Desktop\cfc.png

C:\Users\smart\Desktop\yyy.png
C:\Users\smart\Desktop\3.png

  1. التجارب النووية والانفجارات البركانية أيضًا تُمثل إحدى الأسباب؛ لأنها تحرر العديد من الغازات السامة.

ما الصلة بين انتاركاتيكا و ثقب الأوزون ؟ أو بمعني أوضح لماذا ارتبط اسم انتاركاتيكا ب “ثقب الأوزون ” في بدايات اكتشافه….؟

C:\Users\smart\Desktop\222.png

لقد تم تسجيل أخطر حالات نفاذ الأوزون في عام 1985 بواسطة مجموعة من العلماء في منطقة أنتاركاتيكا “القارة القطبية الجنوبية ” في فترة الربيع بالتحديد ما بين سبتمبر لنوفمبر؛ حيث النقص الكبير والسريع في طبقة الأوزون بما يزيد عن 60% مقارنةً بالمعدل العالمي، ممَّا جذب اهتمام العلماء وقادهم لوضع نظريات لتفسر زيادة التآكل في انتاركاتيكا بالتحديد،  لقد فُرِض في البداية بأنَّ هذا النقص ربما يكون بسبب زيادة مركب الكلور chlorine كما أوضحنا سابقًا آلية عمله، لكنه نظرًا لحدوث المزيد من الفقد في الأوزون بمعدل أكثر من تأثير كميات الكلورين المتواجدة في المناطق القطبية بسبب عمليات معروفة في هذه الحقبة الزمنية فكان لابد من وضع نظريات أخرى، حيث قامت وكالة ناسا ‘NASA” بحملة قياس خاصة بها وأثبتت أن كلًا من الكلور والبروم مسؤولان عن الثقب ولكن لسببٍ آخر بدا أنَّ الثقب نتيجة لتفاعلات كيميائية تحدث في الجزيئات التي تُشكِّل على وجه الخصوص غيوم الستراتوسفير القطبية المعروفة ب “PSCs” .

بمعنى آخر : فإنَّه أثناء الشتاء ونتيجةً لبرودة هواء أنتاركاتيكا لنقص ضوء الشمس، يقل الاختلاط بين هواء أنتاركاتيكا وهواء المناطق المحيطة بها، وكأنَّ هذه الرياح تدور في منطقة معزولة  ولاعلاقة لها برياح المناطق المحيطة، كل هذه الخصائص بالإضافة للانخفاض الشديد في درجة الحرارة عند القطب الجنوبي يؤدي إلى تكوين “PSCs” على ارتفاع 12-22 كم , والتفاعلات الكيميائية التي تحدث في جزيئات هذه الغيوم تؤدي إلي تنشيط غازات الكلور وتحولها لجزيئات أكثر تفاعلًا تتراكم طوال فترة الليل القطبي – عبارة عن فترة من الانقلاب الشتوي حيث لاترى الشمس لعدة أيام أو حتى أشهر بشكل واضح- وبإمكانية هذه الجزيئات التفاعل مع البروم وأكسيد النيتروجين أيضًا، وعندما يعود الربيع وضوء الشمس يبدأ بتكسير جزيئات الكلور الأكثر تفاعلًا هذه إلى ذرات كلور عديدة تعمل على تكسير الأوزون بشكلٍ كبير، ويستمر هذا التكسير حتى تتفكك دوامة الرياح القطبية هذه، وهو مايحدث غالبًا في نوفمبر، ومن ثمَّ تُعاد الدورة من جديد مع حلول شتاء جديد .

ماذا عن التئام أو تجدد  الأوزون إذن؟ هل هو تعبير مجازي أم حقيقة تم اختبارها بالفعل ؟

بعد اكتشاف الأوزون ومعرفة مدى خطورته، وخاصةً بعد التعرف على المواد المتهمة في حدوثه، تم عقد اتفاقية عالمية عام 1987 سُميت “بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفذة للأوزون “Montreal Protocol on Substances That Deplete the Ozone Layer” ليتم التخلص من استخدام المواد الضارة واستبدالها بمواد صديقة للبيئة، وأشارت الإحصائيات في الولايات المتحدة أنه بغير هذا البروتوكول كانت ستشهد أكثر من 280 مليون حالة لسرطانات الجلد منها 1.5 مليون وفيات، و45 مليون حالة عتامة لعدسة العين “”cataract، وارتفاع في  درجة حرارة العالم بنسبة 25% .

وبعد مرور أكثر من 30 عامًا على هذه الاتفاقية، تمَّ توثيق أول تعافي لطبقة الأوزون في انتاركاتيكا، حيث انخفض التآكل بنسبة 20 % في عام 2005، وفي نهاية عام 2018 أكدت الدول في تقييم علمي( و للتفاصيل حول هذا التقييم يمكنك الاطلاع عليه من المصادر ) أنَّ طبقة الأوزون تتعافى بالفعل متوقعة اختفاءها بالكامل بحلول عام 2030بدايةً في نصف الكرة الشمالي، وصولًا للنصف الجنوبي بحلول عام 2060.

لكن على غرار تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد لا يستمر هذا التعافي كما هو متوقع له؛ حيث أشارت دراسة حديثة في بدايات 2018 إلى انخفاض الأوزون في الطبقات العليا من الستراتوسفير بصورة غير متوقعة، و لسببٍ لا نعلمه حتى الآن …  كما لمّحت دراسة أخرى إلي أنَّه ربما تمَّ انتهاك اتفاقية مونتريال بشكلٍ ما .

فمن الواضح أنَّ هناك آمالًا كثيرة حول الوصول للتعافي الكامل لطبقة الأوزون، لكن ستكون هناك عقبات أيضًا علينا فهمها والتغلب عليها كي تستمر العملية كما خُطِّطَ لها، فيبدو أنَّ بعض المركبات البديلة الأقل ضررًا لاتزال ضارة للأوزون، وبعض الدول النامية لازالت تستخدم المركبات الأخرى، وتحتاج إلى تمويل من صندوق بروتوكول مونتريال للتخلص من هذه المواد .

وحديثًا تم إضافة تعديل لبروتوكول مونتريال، سُمي تعديل كيغالي” Kigali Amendment” ويهدف إلى خفض استخدام مركبات الهيدروفلوروكربون  HFCsبأكثر من 80% على مدى العقود الثلاثة القادمة تزامنًا مع عمل الشركات والعلماء على بدائل وتقنيات صناعية صديقة للبيئة، وعلى الرغم من أنَّ مركبات الهيدروفلوروكربون هذه قد تكون أقل تأثيرًا مقارنةً بالعديد من الغازات الأخرى، إلَّا أنها تؤثر بشكل غير مباشر عن طريق احتباس الحرارة “”green house effect  كما ذكرنا سابقاً…

تمَّ وضع هذا التعديل تحت التنفيذ في يناير 2019 ونستمر في دراسات وقياسات أخرى آملين أن نقضي على هذه القضية تمامًا لحماية مناخ الكرة الأرضية وحماية كائناتها من تأثيراته الضارة التي تنبثق كل عام .

المصادر:

https://www.epa.gov/ozone-layer-protection/health-and-environmental-effects-ozone-layer-depletion

https://www.un.org/sustainabledevelopment/blog/2018/11/montreal-protocol-assessment-reveals-healing-ozone-untapped-potential-for-climate-action/ التقييم العلمي 

https://www.unenvironment.org/ozonaction/who-we-are/about-montreal-protocol بروتوكول مونتريال

https://www.britannica.com/science/ozone-depletion

https://www.nationalgeographic.com/environment/global-warming/ozone-depletion/

https://www.encyclopedia.com/science-and-technology/biology-and-genetics/environmental-studies/ozone-layer#3233900185

https://ozonewatch.gsfc.nasa.gov/

آية أحمد
آية أحمد
طالبة بكلية الطب بجامعة طنطا.