أدب

جدي

لقد مررت به حين كنت عائدة من مدرستي، يبدو أنها السنة اﻷخيرة لي فيها. هو عجوز وسيم ملامحه طيبة كطفل، يفضل التنزه تحت الشمس كما لو كان بحارًا مبتلًا، لا يزال يتمتع بصحة جيدة، له ابتسامة تجعلني أقف مشدوهة دائمًا. لا يعرفه أحد غيري تقريبًا، عرفته عن طريق صدفة، وجدت هاتفه في محطة المواصلات، ذهبت إليه قبل أن يغادر نظري وقدمته له. حينها دعاني إلى لعبة شطرنج، ولما كنت قد بدأت أحب تلك اللعبة قبلت على الفور ولم أذهب إلى حصة الرياضيات، بالطبع فاز هو لكني سعيدة ﻷني وجدته في طريقي، قال لي حين كنت عائدة «في المرة القادمة، سأعد لك الشاي». 

صرت أزوره كل أسبوعين حتى لا أنسى أساسيات الرياضيات. ذكر لي أنه كان بحارًا وأنه اﻵن محال إلى التقاعد بسبب صديقه. سألته عن صديقه فقال إنه بإمكاني لقاءه إن زرته في يوم غير الثلاثاء؛ لذلك زرته في اليوم التالي متفادية بذلك درس اللغة الفرنسية. حين لمحته كان يطعم هرًا أسود. أذكر أنه غضب مني مرة حين سألته عن أولاده أو أحفاده، فأنهى لعبتنا بحركة مميتة ودخل منزله. كانت له حديقة جميلة فسقيتها له بنية ااعتذار وغادرت. 

في اليوم التالي انتظرني أمام مدرستي، كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا إذ كان الجو باردًا بعض الشيء. أوصلني يومهًا إلى منزلي ثم عاد. لا نتكلم كثيرًا عادةً لكنه يعرف عني الكثير، بطريقة ما كان مستواي في المدرسة يتحسن، سألته عن سبب ذلك فقال «ما رأيك أن نلعب مرة أخرى؟» ذلك اليوم تعادلنا بصعوبة حتى أني كنت ألهث حين انتهينا. 

في عيد ميلاده أهداني مكعبًا أسود يتوسطه تجويف صغير، كان من الخشب. يوم ميلادي أعطيته قلمًا وأوراق، قلت له «ليتك تكتب شيئا ما، سيكون جميلًا، أنا متأكدة!» ابتسم وأدخلني إلى منزله ونادرًا ما كان يفعل هذا. دخل غرفته وأحضر ديوانًا صغيرًا، قال لي «أنهيته يوم التقيتك». 

كان يتقن العزف على الناي، وكم كنت أستمتع بسماعه، طلبت منه تعليمي فقال بأنه لا يزال يتعلم. ذكرت له ابتعاد صديقاتي عني أو ابتعادي عنهن فأجابني بأنه علي أن أهتم بهن أكثر، كان ذلك متوقعًا منه لذلك انطلقت أقهقه بصوت عالٍ. في الصيف زرته ليلًا بينما كنت أتمشى بحثًا عن نسيم بارد. وجدته يرسم، قال بأن لديه ثلاث رسومات فقط، اﻷولى كانت لفتاة تحاول الكتابة، والثانية لنفس الفتاة وهي تحاول الرسم، والثالثة لها نفسها وهي تحرق كل ما كتبته ورسمته، ضحكت وسألته كيف عرف بأني أعطيت كل رسوماتي ﻷستاذ العربية، فأجاب بأنه يعرف كمية الكتابات التي أهدرتها في مزبلة المدرسة، في اليوم التالي رسمت ضفدعًا وخنفساء. 

اصطحبني في آخر رحلة لنا إلى النهر قرب المدينة، كان يسبح فيم أنا خائفة من صوت الماء، يومها تكلم أكثر من المعتاد، فسر ذلك بأنه تذكر أيامه في البحر، سألته إن كان قائد السفينة، شرع يضحك بقوة كما لو كنت قد أخبرته بنكتة، أثار ذلك احتجاجي، فقال «كنت نورسًا». 

– وهل كانت لديك عائلة حين كنت كذلك؟

– لا، لم تكن لدي عائلة من قبلك. 

– جدي!

ثم عدنا أدراجنا.

صرت أمر به كل يوم، نشرب الشاي وندردش قليلًا فيم نلعب الشطرنج ثم أغادر، سألني اليوم عن الوقت الذي سيكون بإمكانه إلقاء نظرة على كتابي الذي أخفيته عنه منذ أسبوع، كنت قد كتبت فيه جملة واحدة، «حين فقدت جدي حزنت كثيرًا لكني اﻵن سعيدة بجدي هذا»، اﻵن سأغادر ﻷقدم له ما كتبته اﻵن وسنرى إن كان سيضطرب مثلي.

زكية بلحساوية
زكية بلحساوية
طالبة في شعبة الدراسات العربية

اترك تعليقا