رأي

كيف أثرت الرأسمالية على شكل علاقاتنا؟ | قربة

من المعروف أن الإنسان ابن عصره، أي أن العصر الذي يعيش فيه تساهم سماته في تشكيل وعي أبنائه وتشكيل تكوينهم النفسي -السيكولوچي، وبالتالي تشكيل دوافعهم وانفعالاتهم اللاواعية التي بدورها تساهم بشكل كبير في أفعالهم وأقوالهم.

وفي عصر الرأسمالية والمجتمع الصناعي تم الإعلاء من شأن المادة على حساب الروح، المعنى والمشاعر، وتم تنميط الناس بعدة أنماط من السلوك ساهمت في تشكيل وعيهم بشكلٍ ما، ومن ثمّ التأثير على طريقة تعاملهم مع الحياة بشكلٍ عام ومع العلاقات بشكلٍ خاص، ولكن في هذا المقال سوف نتعرض لنمطين -فقط- من السلوك لكنها يؤثران بشكلٍ كبير على علاقاتنا، هما:

  1. التمـلك:
    يحدثنا “إيريك فروم” في كتابه  To have or to be) ) على أن هناك حالتين أساسيتين من حالات الوجود هما “التملك” و “الكينونة”.

يقول: «ومن يقوم بتوجيه حياته إلي “التملك” فهو يحسم مسألة ماهيته وماهية وجوده ومعنى حياته وأسلوبه في الحياة بناءً على ما يملكه».

الرأسمالية لعبت دورًا كبيرًا في إقناع الإنسان بأن قيمته فيما يمتلكه؛ وبالتالي جعلت معنى حياته في السعي للامتلاك، وجعلته يعرف نفسه ويحدد قيمته في مجموع ما يمتلكه من أشياء.
ومن يقوم بالنزوع باتجاه التملك فهو يظل في سعي دائم ومحموم للامتلاك؛ وبالتالي فلن يتوقف، ولن يصل إلى لحظة يشعر فيها بالرضا عن حياته.
بل يخبرنا “إيريك” أن التملك لا ينتهي عند الأشياء، بل يمتد للصورة الذهنية التي يمتلكها الناس عنه؛ فأصبح يحدد قيمته من خلالها وأصبحت عنده أهم من حقيقته، حتى وإن كان أبعد ما يكون عن الصورة التي يمتكلها الناس عنه.
ويمتد التملك للقناعات والأفكار ويعاملها معاملة الممتلكات ويدافع عنها بشراسة، والأسوء أنه يمتد إلى العلاقات الإنسانية؛ فأصبح يتعامل معها بنفس المنطق الذي يتعامل به مع الأشياء من حيث نفعها والفائدة العائدة عليه منها.

ونمط مثل هذا يعزز النرجسية الفردية المتضخمة، وإذا كان «الربح مقدم على الشعب» -بتعبير “نعوم تشومسكي”- بالنسبة للأنظمة الرأسمالية؛ فإن الإنسان الذي أفرزته الرأسمالية تُعد سعادته ومصلحته والنفع العائد عليه مقدمين على الأفراد المتواجدين في حياته.

2) الاستهلاك:
الرأسمالية قائمة على الاستهلاك، وتسعى جاهدةً لجعل عملية البيع والشراء مستمرة طوال الوقت، ولا يتوقف البيع والشراء عند الحاجات الضرورية فقط، بل تقوم بخلق الحاجات بصفة مستمرة بحيث تقنع الناس عبر وسائلها الإعلامية أنهم في حاجة إلى شراء كذا وكذا وكذا، وما أن يستهلك الناس ما اشتروه، ينطلقون لشراء شيء جديد.
أي أنها حولت عملية (الشراء/الاستهلاك) من “وسيلة” لإشباع حاجات الإنسان الأساسية وضرورة للبقاء إلى “غاية” في حد ذاتها؛ فأصبح أسلوب حياة لدى الناس.

في كتاب “الحب السائل” يرصد فيه “زيجمونت باومان”:
«مدى هشاشة العلاقات الإنسانية في عصر الرأسمالية، وكيف دمرت ما تتسم به العلاقات الوجدانية من ديمومة وعفوية -تلقائية- عاطفية.
مشيرًا إلى أن التأقيت والمدى القصير اللذيْن تقوم عليهما حسابات المجتمع الاستهلاكي الحديث، يقومان بتوليد الحاجات بشكلٍ مستمر، وتحويل كل قديم إلى شيء مستهجن يستحق أن يوضع في سلة النفايات، بما في ذلك المشاعر والأجساد والصلات».

يقول: 

 «تندر القدرة على الحب في ثقافة استهلاكية مثل ثقافتنا؛ فهي ثقافة تفضل المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري والاستعمال السريع والإشباع اللحظي، والنتائج التي لا تحتاج إلى جهد طويل، والوصفات السهلة المضمونة، والتأمين ضد كافة المخاطر.

والوعد بتعلم فن الحب إنما هو وعد بتحويل تجربة الحب إلى ما يشبه السلع الأخرى التي لها مفعول السحر والإغواء بالتلويح بكل تلك المميزات والوعد بالإشباع الفوري للحاجات من دون انتظار ولا جهد ولا تعب».


فظاهرة الـ Scroll مثلًا في مواقع التواصل الاجتماعي التي تساهم في تحفيز (عقلية القرد) -الانتقال من post/موضوع لآخر بسرعة بحثًا عن الممتع والجديد مثلما ينتقل القرد من شجرة لأخرى- هي ظاهرة استهلاكية بامتياز؛ فهي تجعل الإنسان يستهلك الموضوع وينتقل من موضوع لآخر بحثًا عن المتعة والإشباع الفوري واللذة اللحظية.

والأمر لا يتوقف عند حدود مواقع التواصل، بل يمتد لجميع مناحي حياة الإنسان، ولا توقف عند حدود الاستهلاك المادي، بل يمتد إلى صور أعقد من الاستهلاك كالاستهلاك المعنوي -كما في حالة الـ Scroll في مواقع التواصل الاجتماعي- والاستهلاك العاطفي -كاستهلاك المشاعر في العلاقات العابرة المؤقتة، حيث يؤثر السعى الدائم للتملك المصحوب بسلوك استهلاكي على الإنسان بتحفيز (عقلية القرد) ليصبح البحث عن امتلاك شيء/شخص جديد وممتع سلوك عام في حياة الإنسان.

و عندما ينعكس هذا الأمر على العلاقات عامةً والعلاقات العاطفية خاصةً يمكنك بوضوح تقصي التغيير الجذري الحاصل لشكل العلاقات في أيامنا الحالية:

فبسبب التملك أصبحت علاقات اليوم يغلب عليها مبدأ “المصالح والمنافع”، فلا يدخل الإنسان علاقة إلا بعد حساب المنافع العائدة عليه من دخوله العلاقة، فهو ينظر إليها على أنها استثمار لابد أن يعود بالنفع عليه، وإلا اعتبره استثمارًا سيئًا ومضيعة للوقت والجهد ومن ثَمّ يقوم بإنهاء العلاقة، وبهذا الشكل تحولت العلاقة من علاقة مشاركة -بمعناها الواسع والعميق- لعلاقة امتلاك، يمتلك فيها الإنسان صديقه/شريكه ليحقق أكبر قدرٍ من النفع وإشباع للحاجات النفسية والعاطفية من خلاله.
.

و تجد أن مفاهيم مثل “التضحية” و”الإيثار” و “إنكار الذات” و “الصبر” -التي هي أساس الحب وجوهر العلاقات- اضمحلت وأصبحت مرفوضة بالنسبة لكثيرين، أو بمعنى أدق أصبحوا غير قادرين على تحملها؛ فذاتهم تم تضخيمها، وتكوينهم النفسي تم تنميطه على الإشباع الفوري.. اللذة اللحظية وعدم الإرجاء والتخلص من القديم بدلًا من محاولة إصلاحه والبحث عن الجديد الممتع بدلًا من القديم الملل، وبالتالي أصبح البقاء في علاقة طبيعية لها أوقاتها المشرقة وأوقاتها المُظلمة صعبًا، لأن الاستهلاك -الذي يعزز الإشباع اللحظي لِـلّذات – يُنمّط الإنسان على “إما الآن وإما فلا“، والتملك -الذي يعزز النرجسية الفردية المتضخمة- يُنمّط الإنسان على “إما الأفضل وإما فلا“.

ومثلما لا يوجد ارتباط شعوري بين الناس وممتلكاتهم ولا يتعلقوا بها وتقوم علاقتهم بها على أساس أنها نافعة ومفيدة في الوقت الحالي ووقتما يجد الإنسان ممتلكات أفضل وأحدث منها يتخلص منها بسهولة ويمتلك غيرها أصبحت علاقاتنا على نفس الشاكلة، قد تجد أصدقاء يلتقون يوميًّا ولا يحمل أحدهم للآخر أي مشاعر، وتجد آخرين لا يفترقون لسنوات وعندما يتعرف أحدهم على أصدقاء جدد ينسحب من صداقاته القديمة بكل بساطة وسهولة، فالأولوية دائمًا للجديد وللممتع.


وعلى مستوى العلاقات العاطفية أصبحت العلاقات كالعلكة، يستهلكها الطرفان لحين زوال جمال البدايات أو تعارض المصالح أو حدوث أول مشكلة ثم يفترقون وكأن شيئًا لم يكن وينطلقون للدخول في علاقات عاطفية جديدة يكررون فيها نفس النمط الاستهلاكي للوقت وللمشاعر بدون تعمق حقيقي في العلاقة وبدون رغبة حقيقية في تحمل البقاء في علاقة طويلة الأمد يتطلب الأمر فيها مسؤولية لحل المشكلات، تضحية لنجاح العلاقة واستمرارها، إيثار لسعادة الطرف الآخر، صبر على أوقات الملل والفتور والوقوف بجانب الطرف الآخر والإيمان به ودعمه ومساعدته للخروج من المِحن.


أخيرًا، سأختم باقتباس آخر لـ “زيجمونت باومان” من كتابه المذكور سابقًا:
«إنه عصر قطع الغيار واستبدال المنتج قبل نهاية فترة الضمان، وليس عصر فن إصلاح الأشياء، إنه عصر الفرصة القادمة التي تجعل ما في يدك قابلًا للتخلي عنه فلا ترتبط به بشدة، فقد لا يكون شريكك هو الآخر راغبًا أو قابلًا لعلاقة طويلة تحرمه بدوره من فرصٍ أفضل.
وليس الأمر خيارات أفراد يكفي تعديلها فحسب، بل المشهد برمته يحتاج إلى تغيير جذري كي يسترد الإنسان إنسانيته ومجتمعيته.
فقد أنتجت الحداثة والرأسمالية إنسانها الذي يناسبها، ونشّأته -عبر قرون وبشكلٍ منظم- على النفعية والتفكير النرجسي.
والحق أن الحب والصداقة وغيرهما من العلاقات تُبنى على تكامل مجموع عناصر مختلفة، وإقامة علاقة طويلة الأمد بينها، واستثمار وقت فيها واستعداد صادق للتضحية، وفي ثقافة مثل ثقافتنا تندر فيها تلك الخصال، لا بد من أن تندر القدرة على الحب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن قربة

عمر عبدالرؤوف
عمر عبدالرؤوف
مهندس قوى كهربية. إنسان علي هامش الإنتمائات إنسان علي هامش الإنتمائات، مؤمن بالحرية والعدل وبقيمة العقل والفكر الحر، متذوّق للفن، مهتم بالسينما وبالجمال أينما وجد وبالإنسان أينما ولد.