فن

الدراما المصرية ومتطلبات السوق

حين سألتني صديقتي ذات مرة: “ما هي الفترة التي برعت فيها مصر دراميًّا وسينمائيًّا”؟ لم أستطع أن أجيبها وأحدد لها الفترة الحقيقية التي كانت فيها مصر بارعة في مجال الفن السينمائي والتلفيزيون، ولم يكن لدي المعيار المناسب للفصل بين الفترات، ربما يقول أحدهم: “الجوائز هي التي تحدد جدوى الأعمال”، ويقول آخر: “إيرادات الفيلم في السينما تحدد مدى نجاحه”، وآخر يقول أن الأعمال الأكثر تأثيرًا في الأجيال القادمة هي الأكثر نجاحًا، ويقول أخير: “حبيبتي هي التي تحدد، وأنا أتفق تمامًا معها لأنني أحبها”…

يمكنني الآن -والآن فقط- أن أجيبها، لكن لم يعد يعرف أي منا طريق الآخر، وربما هي ستقرأ هذا وتعرف ما لم أستطع أن أجيبها عليه يومًا ما.

في الستينيات تم تأميم صناعة السينما لصالح الحكومة كبنك مصر وشركاته، ومنها مصر للتمثيل والسينما، وأُممت شركات التوزيع الكبيرة مثل الشروق ودولار فيلم، وبعض الاستديوهات الكبرى مثل مصر والنحاس والأهرام وجلال، وبعض شركات الإنتاج والتوزيع وظلت الأستديوهات الصغيرة في ملكية أصحابها، ومن هنا كانت بداية دخول الدولة المصرية في مجال السينما، وأُنشئت المؤسسة المصرية العامة للسينما عام 1962. ومع ظهور التلفزيون عام 1960 ظهرت مصطلحات جديدة مثل (الفيلم الهادف) و (الفيلم الجاد)، فقامت الدولة بشراء الروايات الأدبية من أصحابها، وتكلف المخرجون بإخراجها أو إخراج السيناريوهات التي يتم مراجعتها من قبل لجان القراءة.

في فترة السبعينيات ظهرت مجموعة أفلام بارزة وهامة في تاريخ السينما المصرية، تلك التي ارتبطت بأسماء لامعة في تاريخ مصر كالكاتب الكبير الأستاذ نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي والمخرج يوسف شاهين وصلاح أبو سيف، في الوقت الذي تمت فيه تصفية مؤسسة السينما وإنشاء هيئة عامة تضم السينما والمسرح والموسيقى، وتوقفت الهيئة عن الإنتاج السينمائي مكتفية بتمويل القطاع الخاص وعاد القطاع الخاص من جديد، إلى أن تم إنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي من خلال اتحاد الإذاعة والتلفزيون عام 1989 وبدأت مصر مرحلة جديدة في الإنتاج السينمائي والدرامي، وكانت الدولة مساهمة بنسبة كبيرة في صناعة السينما والدراما وتمويل أدوات الإنتاج، لكن الشيء الذي لم يكن من الضروري أن يحدث هو أن يصبح كل شيء معروضًا للبيع!

 وبقوانين العولمة والخصخصة الجديدة تم فتح الباب على مصراعيه لكل أصحاب رؤوس الأموال لإنشاء شركات إنتاج، ولأن هؤلاء تميزوا بالثراء الفاحش إثر سياسات الانفتاح الاقتصادي التي جعلت كل شيء قابلًا للبيع والشراء، كان من السهل أن يصبح على قمة الطبقات الاجتماعية أناس جهلاء بقيمة الفن ودوره في المجتمعات، وحين واتتهم الفرصة كي يفسدوا كل ما أدّاه مَن قبلهم من دور في تحريك المياه الراكدة في السينما والدراما، صار إنشاء شركات الإنتاج لمن يملك أكثر، وظهرت شركات إنتاج بتفكير نجوم الشباك من أجل كسب الأرباح فقط، فاستخدم العنف والجنس كأداتين يفضلهما عدد كبير من الناس، والذين يعرفون قيمة الفن عددهم محدود وأصواتهم لا يمكنها أن تعلو على صوت طقطقة الأوراق المالية الحادَّة!

لو وضعنا حالة السينما جانبًا وتناولنا حالة الدراما المصرية فقط -وذلك لأن السينما شيء معقد جدًّا- فسنرى أن الدراما المصرية قد قدمت أشياء في غاية الإبداع وذات جدوى، وهنا يجب أن أذكر الأب الروحي للدراما المصرية وأتحدث عن تجربته قليلًا، الكاتب الكبير (أسامة أنور عكاشة).

المشروع الذي ظل يركض خلفه عكاشة هو سؤال كان يحاصره في كل كتاباته، سؤال لم يعتنِ به سواه، نسجه داخل شخصياته وغيَّر في شكل الحوار عدة مرات والفكرة واحدة، سؤاله الذي تكرر على ألسنة كل أبطاله: “أنا مين؟”، وهنا تكون مسيرة عكاشة هي البحث عن الهوية المصرية، البحث عن الأصول التي تمتد لها الجذور المصرية، فتناول سؤاله في البداية بملحمته الخماسية (ليالي الحلمية) التي ارتبطت بالمشروع الناصري المتمثل في (علي البدري)، واستكمله في (أرابيسك) الذي تناول فيه الفكرة بصورة مباشرة تمامًا، ومن ثم (زيزينيا) الذي استطاع أن يدمج فكرته في بطله، بأن يجعل (بشر عامر عبد الظاهر) هو مصر المختلطة، وينتهي مشواره مرورًا بـ(أميرة في عابدين) إلى (المصراوية) بجزأيها والثالث غير المكتمل بأن يصرح أخيرًا أن (بشنين) والتي ترمز لمصر هي في الأصل مصراوية فقط ولا شيء آخر.

لم يكن عكاشة بمفرده في كتابة الأعمال الدرامية الإبداعية، فقد ظهرت بجانبه أسماء لامعة وفريدة كمحمد صفاء عامر ومصطفى محرم ومحمد جلال عبد القوي ومحسن زايد وماجدة خير الله ويوسف معاطي وأخيرًا عبد الرحيم كمال ومريم نعوم، فقدموا مجموعة من الأعمال الجميلة في تاريخ الدراما المصرية كالضوء الشارد، ذئاب الجبل، لن أعيش في جلباب أبي، حديث الصباح والمساء، شمس يوم جديد، عباس الأبيض، دهشة، تحت السيطرة، سقوط حر، وغيرهم من العلامات التي تركت أثرها في ذاكرة أجيال متتالية وخاصةً جيل الثمانينيات. 

حظت الدراما المصرية بلمعانها وإنارتها في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين أكثر من أي وقت آخر، ولم يكن العمل يقوم على المؤلف والسيناريست فقط، بل كانت هناك عائلة كبيرة تحاول جاهدةً أن تصنع عملًا دراميًّا مصريًّا كما يجب أن يكون، سنجد مثلًا في عمل مثل (ليالي الحلمية) اجتماع المؤلف أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ والملحن عمَّار الشريعي وكاتب تتر العمل سيد حجاب وبطولة يحيى الفخراني وصلاح السعدني وممدوح عبد العليم!

إنَّ ما يحدث في الدراما الآن وتسليط الضوء على الجريمة الغامضة والجنس، يجعل منها عملًا تجاريًّا جافًّا من تقديم أي معنى. إن مثل تلك الأعمال التي يقدمها محمد رمضان ويوسف الشريف ومي عز الدين وغيرهم تلقن الأجيال الصغيرة معرفة خاطئة عما يجب أن يفعله المرء لكي يواجه ظروفه وحياته ويتقبل نفسه كما هي لا كما يريدها الآخرون. إن مثل هذه الأعمال التي تبرر الجريمة بحكم أن من قام بها هو البطل، أن يجعلك تتعاطف مع القاتل لأن ظروفه قاسية فذلك يصنع من البطل ألف شخص آخر يريد أن يكونه، إن دور الممثل في الأساس هو أن يكون مثلًا وقدوة لمن يراه نجمًا عاليًا، ولذلك عليه أن يقدم ما يفيد الناس لا ما يغرس أقدامهم في الوحل!

ليت فريدة الآن تدرك أن مصر كانت ترفرف بالأعمال الدرامية التي كانت تجمعنا في ساعات الشتاء الليلية وسط العائلة لنشاهد مسلسلًا مثل العائلة، الشهد والدموع، بوابة الحلواني، أرابيسك، زيزينيا، الناس في كفر عسكر، الحب وأشياء أخرى، حصاد الشر، عصفور النار، ليالي الحلمية، الضوء الشارد، ذئاب الجبل، لن أعيش في جلباب أبي، السيرة العاشورية، الأصدقاء، كناريا وشركاه، حديث الصباح والمساء، السيرة الهلالية هلال سلامة أبو زيد، سوق العصر، الفجالة، أوبرا عايدة، المحروسة، الطارق، الكومي، القاهرة والناس، الليل وآخره، المال والبنون، المرسى والبحار، امرأة في زمن الحب، أميرة في عابدين، أماكن في القلب، النديم، الأيام، أوراق مصرية، وجع البعاد، جمهورية زفتى، خالتي صفية والدير، حلم الجنوبي، أبو العلا البشري…

حتى أننا حين كنا نقدم الكوميديا كانت هناك أعمال كالإلياذة تقدم الضحكة وبداخلها المعنى، فسترى في مقدمة مسلسل (أرابيسك) جملة في غاية الأهمية: “كوميديا شعبية لـ”، ونحن نعلم جيدًا أن أرابيسك قدَّم فكرة تاريخية عن مهنة ندر استخدامها، كما أنه يبحث في ذاكرة (حسن أرابيسك) عن الهوية المصرية، وكل ذلك في إيقاع كوميدي. ولدينا أيضًا مسلسل (جحا المصري) الذي يقدمه الفخراني عن الصراع على الحكم وكيف أن هناك سبلًا عديدة تجعل منا حكامًا عادلين وأيضًا في إطار كوميدي جميل، وأيضًا مسلسل (أنا وأنت وبابا في المشمش) وغيره من الأعمال التي تخبئ العسل في الضحكة…

وكما ترين يا فريدة فإن أغلب تلك الأعمال التي ذكرتها هي من إنتاج اتحاد الإذاعة والتلفزيون، أي أننا لم نقدم إلا القليل جدًّا منذ توقف التلفزيون المصري عن الإنتاج، وتم خصخصة الإنتاج في يد مجموعة من رجال الأعمال، ينتجون ما يرغبون فيه فقط، فظهرت المحاباة وتقديم الأقرب على الأفضل وتقديم الجسد من الممثلات للحصول على بطولة فيلم أو مسلسل ما! وهكذا تماماً كما يقول أمل دنقل: “من يملك العملة، يُمسك بالوجهين”.

الذي يجب أن تقوم به الدولة في هذه الآونة هو أن تعاود الإنتاج مرةً أخرى لتنافس الشركات المنتجة الرأسمالية التي تبحث عن أشياء أخرى منافية لما نريده، أن تقوم بعمل مسابقات للسيناريوهات واختيار الأفضل، أننا إذا أردنا أن نترك أثرًا ليغير شيئًا في الأجيال القادمة كالفكر الديني المتطرف، فعلينا الاهتمام بإنتاج أعمال تأخذ الأشياء في طريق آخر جديد، طريق يجدون فيه أنفسهم متخلصين من العداوات التي يغرسها الآباء بدوافعهم الدينية والاجتماعية، يجب أن تمد الدولة يدها لكل تلك الأجيال الآتية من خلف الجدران كي تلتقي بأنفسها بلا حقد أو كره أو رفض لكل ما هو خيّر وطيِّب وجميل. 

أحمد سرحان
أحمد سرحان
مترجم في مكتب ترجمة بالدقي