رأي

الحضارة، مفهوم مُبسَّط لإدراك المعنى

في خِضَم الحديث عن الحضارة والتحضر كثيرًا ما يُساء استخدام مصطلح الحضارة وبالتالي ينقص المعنى وتبهت الصورة المفترض إدراكها، مما يسبب قصورًا شديدًا في الفهم والرؤية، ويصبح إطلاق الاصطلاح على النتاج الاقتصادي الغربي اختزالًا وإطلاقه على أطلال الأمم السابقة ابتذالًا، فالحضارة ليست أبدًا تقدمًا صناعيًّا أو تكنولوچيًّا أو مجرد موروث تاريخي نراه في بناءٍ عملاق أو حرب دامية، إذن ما هي الحضارة؟

لغويًّا، كلمة حضارة في العربية تُرد إلى أصلها “حضر” وهم سكان القرى والمدن ثم استخدمها ابن خلدون في وصفه وتصنيفه لتاريخ الأمم “حضارة” ومن هنا نبت المصطلح في علوم الاجتماع وعلوم الإنسان، و صار له مدى بالغ في فهم حياة البشر وتطور الدول ونتاج الإنسانية كما نرى الآن من واقعنا الحالي، ولكي ندرك ماهية الحضارة ربما أولًا يجب أن نتأمل أركانها الأصيلة والتي ارتكزت عليها كي تتبلور في مفهومها وكينونتها.

تركن الحضارة إلى ثلاثة عوامل أساسية:

أولًا الاستقرار، وهو وجود الإنسان العامل في أرض تعينه چيولچيتها وجغرافيتها على البقاء والمكوث في نفس الأرض لفترة من الزمن، يقدرها ابن خلدون بمئة وعشرين عامًا، فمثلًا لم يستطع الإنسان المكوث بأراضٍ جليدية أو شديدة التصحر ليقيم عليها الحضارة، مثل القطب الجنوبي والربع الخالي في شبه جزيرة العرب، لذا كان من المحتوم على الإنسان أن يستقر بمكان يجد به مقومات الحياة من أنهار أو أمطار وسهول واعتدال.

ثانيًا التعاون، ومن هنا يأتي الفعل الجماعي المشترك إما منظمًا أو شبه منظم، فالفرد وحده لا يستطيع صناعة حضارة، لكن المجموعة تستطيع تسيير أمورها في تأمين الغذاء مثل الصيد والزراعة وجمع الثمار والصناعة، أو في أمور الحماية مثل الحرب والدفاع عن الأرض أو حتى الاحتماء من الافتراس، أو في أمور الاجتماع مثل القبيلة والإمارة والدولة.
ثالثاً التوثيق، اللغة هي أصل القدرة البشرية على الاجتماع والتواصل، لكن كي تستطيع أي حضارة إثبات وجودها ونقل أدواتها ونتاجها إلى حضارات أخرى، كان عليها أن توثق وجودها، بعض الحضارات استطاعت الكتابة، وبعضها لجأ إلى الكلمة المنقولة لسانًا مما يتيح لورثتها المعرفة والاستمرار.
هذا التفاعل هو حراك اجتماعي، تكوّن نواتجه الحضارة، أي أن الحضارة هي نتاج الحراك الاجتماعي على مختلف أطواره، ولكل مجتمع أطواره، فالمجتمع المصري الفرعوني كانت أطواره على مستوى طبقته الحاكمة.. هي الولادة فالموت فالبعث والخلود، فصار له نتاجٌ إجتماعي يتمثل في أدبياته ومنشآته يتناول مختلف هذه الأطوار، يطرحها ويوثقها وينقلها لغيره، مجتمع البدو مثلًا كان يتمحور حول الولادة فالتنقل فالموت، وهكذا تصير أدبياته وأدواته تناقلًا لحياة الهجرة والموت في الحرب، حضارة أوروبا الغربية قيامًا من الثورة الصناعية كانت له أنماطه وأطواره التي أثرت في العالم أجمع وأنتجت مفاهيم عدة كالإشتراكية والليبرالية.

وانطلاقًا من المعرفة أن الحضارة ما هي إلا نتاج الاجتماع، صار علينا الآن أن ننظر إلى الأشياء والمفاهيم بصورة أشمل ونظرة أدق، كأن نرى في حياتنا اليوم أن أوروبا وأمريكا هي الحضارة ونحن –اللامنتمون إلى العالم الغربي– نقبع في بقايا حضاراتنا البائدة، من هنا نستطيع إدراك أن ما نملك من أدوات الحضارة الصناعية الغربية ليس طريقنا لإنشاء حضارتنا المستقبلية، بل علينا أن نفهم أولًا من نحن وبم نختلف وكيف نصير.. أي أنه من الواجب علينا أن نوظف اصطلاح الحضارة لصناعة الحضارة، ونقتبس عن مالك بن نبي في كتابه القضايا الكبرى..

 “الحضارة يجب أن تحدد من وجهة نظر وظيفية، فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده المساعدة الضرروية في أطوار نموه.”

“أي أننا حين ننظر للحضارة بصورة عملية فهي أن يترقي المجتمع من خلال استناد أفراده إلى مجموعهم”، ثم يكمل “فالمجتمع الغربي الراهن، لم يكن منذ بضعة قرون مضت سوى معطى مضمر في ذاتية مجتمع القرون الوسطى المسيحي” مؤكدًا على حتمية تطور الحضارات في فترة ليست بالطويلة إذا ما ساعد المجتمع أفراده نحو الترقي والإبداع، ويستخلص ابن نبي أنه: “إبداع شيء ما أو إنشاؤه أو اكتشافه لا يسبق الظروف العامة التي تصبح فيها العبقرية البشرية منتجة ضمن مساحة محددة، ولكنه يتلو هذه الظروف.
بالتالي قد نستطيع الآن إدراك الحضارة كمفهوم شامل، نتاج عبقرية بشرية لمجموعة من البشر أتاحوا لأنفسهم الظروف المناسبة للعبقرية، مؤكدين على أن احترام المجتمع للفرد ومساعدته هو الركيزة لصناعة الحضارة.