تاريخ وسياسة

الثورة الأمريكية: تلقائية أم ممنهجة؟

تُدفَع المجتمعات نحو الثورة لأسبابٍ مختلفة، لا يمكن حصرها في سببٍ واحد… أسباب مختلفة، لكنه سبب واحد يكون بمثابة القشة التى قصمت ظهر البعير، يُحركها فئاتٌ مختلفة، يلتحم جميعهم لهدفٍ واحد.

 اختلفت جميع أسباب ثورات العالم، لكنها التقت في جذورها بالسعي نحو الحرية والديموقراطية، يطول ظهور ثمارها، كم يمكن أن يطولَ!

 هنا في التجربة الأمريكية نرى أن ثمارها لم تتضح إلا بعد أكثر من قرن..
مولد الثورة :
كان الجزء الشمالي من أراضي العالم الجديد خاضعًا للسيطرة البريطانية، وكان قانونها في حكم تلك المستعمرات، أن تكون موطنها إمدادها بالمواد الخام، وتكبيل المستوطنين بالضرائب؛ حتى لا يتمكنوا من منافستها صناعيًا.. فازدادت الضرائب على الصادرات للضعف وأصبحت بنسبة ٥٪ بعد أن كانت ٢.٥٪ ، واستمرت في الضغوط الاقتصادية.. فأصدرت “قانون المولاس” عام ١٧٣٣م يقضي بعدم المُتاجرة إلا مع التاج البريطاني والجزر التابعة له. فكان التجار هم أشد المُتضررين لذا فهم أول من نظموا مُعارضة للتاج البريطاني، وكانت تلك الضرائب المتزايدة المفروضة من البرلمان البريطاني دون موافقة المستوطنين هي السبب المباشر الذي أشعل فتيل الثورة.
 كان البعض الآخر من الأهالي يعملون بالمضاربة في الأراضي (إصلاح الأراضي ثم بيعها)، فأصدر البرلمان البريطاني قرارًا عام ١٧٦٣م نصَّ على: (أنَّ كل الأراضي المٌكتشفة حديثًا هي مِلكٌ للملك)، وكان ذلك بداية الخلاف الصريح بين المستوطنين والحكومة البريطانية.

يكون تأثير الدوافع الاقتصادية للتمرد هو الأقوى لكنه لا يكون وحده هو المحرك للثورة -وإن كان أهمها- ، كان للثورة دوافعها الدينية، فقد غرقت أوروبا لسنواتٍ طويلة في حروبٍ دينية والانشقاق المذهبي، فإذا ما  أُعلن عن اكتشاف أراضي جديدة، فرَّ المُهاجرون باحثين عن الحرية الدينية، لكن لحقتهم بريطانيا وأنشأت الكنيسة الأسقفية لفرض المذهب الانجليكاني (المذهب الديني في بريطانيا) وتابعت ذلك بفرض ضرائب على المستوطنين لصالح الكنيسة وعينت قساوسة لهم مصالح سياسية مع التاج البريطاني

.
أمَّا أشد ما ساهم في قيام الثورة، انتشار الأفكار التحريرية.. ففي الوقت الذي كان مفكرو أوروبا أمثال [جون لوك – چان چاك روسو – ڤولتير] يكتبون أفكارهم عن الحرية والإخاء والمساواة، بدأ المستوطنون مسعاهم في تطبيق تلك المصطلحات.


مراحل الثورة:
تسبق السنوات السابقة للثورة اضطرابات متفرقة وغير متصلة، وظهور جمعيات الفكر لدعم المُعارضين سرًا وعلنًا، وتكوَّنَ بذلك مرحلة الضغط الأولى والمباشرة على السلطة الحاكمة.

 تهيأت الأوضاع للثورة بظهور جمعية “أبناء الحرية” التى كانت كل قراراتها معارضة للتاج البريطاني..
وفي محاولة بريطانية لتهدئة الاضطرابات القائمة، تراجعت عن الضرائب المفروضة لكنها أبقت على ضريبة واحدة: ضريبة الشاي، فانفجرت الأوضاع مرةً أخرى، وشُكلت مقاطعة عامة للسلع البريطانية، قادت تلك المقاطعة إلي تصادم والتحام بين الطرفين.
بدأت الصدام المباشر، بتسلل مجموعة من المستوطنين على ظهر سفن بريطانية في مدينة بوسطن وأغرقوا صناديق الشاي وعرف ذلك بـ “حفلة شاي بوسطن“. واشتعلت الملاحم العسكرية بين الطرفين، كان الشاي السبب المباشر لها.
..
الطلقة الأولى: (تتدخل القوة(
جاء الرد البريطاني على حادثة الشاي، بإغلاق ميناء بوسطن -أهم موانئ العالم الجديد- إلى أن يدفع المستوطنون تعويضات الشاي الذي أغرقوه، واتُّخِذَت الإجراءات العدائية ضد ولاية “ماساتشوستس” فعقد المستوطنون مؤتمر (القاري الأول ١٧٧٤م) ، قرروا فيه مقاطعة البضائع البريطانية وفُرِضَ ذلك على جميع المستوطنات.
لم تستجب بريطانيا، وأعلنت أن جميع موارد العالم الجديد تخضع للتاج البريطاني، وقاموا بحل مجالس المستعمرات المنتخبة حديثًا، وأُعلنت ولاية “ماساتشوستس” في حالة عصيان.
لم يكن باستطاعة المستوطنين الوقوف جامدين أمام تلك القوانين الانتقامية، فعُقِدَ مؤتمر (القاري الثاني) وأعلن المؤتمر نفسه سلطة عُليا في البلاد، قرروا فيه رفع عريضة للملك الإنجليزي للمطالبة برفع الظلم، وأعلنوا أنَّ هدفهم تحقيق العدالة السياسية والاقتصادية.
كان الرد البريطاني بإرسال جنود للسيطرة على مخازن الأسلحة، فاعترضهم المستوطنون، فأطلق جنود بريطانيا الرصاصة الأولى للحرب!
والآن تحولت الثورة إلى حرب، ووقعت أولى المعارك فيما عُرفَت بمعركة بنكرهِل يونيو ١٧٧٥م وانتهت بنتيجة غير حاسمة. ثم تجدد القتال باحتلال الثوار مدينة بوسطن ١٧٧٦م، ورفعوا علم خاص بهم، وبذلك أعلنوا الاستقلال.


ثورة تلقائية أم ممنهجة؟
هل كانت ثورة استقلال منذ بدايتها؟ هل خُطِّطَ لها واُختِير قائدُها؟ أم أنها تمردات قادت لثورة؟…
عارض المستوطنون الضرائب المفروضة عليهم من دون موافقتهم، ونظَّموا الاحتجاجات حتى وصلوا إلى نقطة التهييج، لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنهم توقعوا أو خطَّطوا لقيام الثورة.
وفى المراحل الأولى للثورة يتبلور فيها التعارض بين القديم والجديد، أي ينقسم المجتمع ما بين مؤيد ومعارض، حتى أنه ينقسم المؤيدون أنفسهم: فريق يكتفي بتغيير الوضع الراهن، وآخر يرى اجتثاث الفساد والقضاء عليه بإزاحة الفئة الحاكمة.
وهنا، في الثورة الأمريكية.. بدايةً، لم يكن المستوطنون يرغبون بالانفصال عن التاج البريطاني، بل كانوا مؤيدين له، لكن القرارات البريطانية دفعتهم للمطالبة بالاستقلال.
ومع تلك التمردات والاضطرابات وحتى بعد اشتعال الحرب الثورية، لم يكن للثورة قائد، ولم يتم اختياره إلا في أواخر عام ١٧٧٤م، وكان اختيارهم لـ “چورچ واشنطن  والذي سيكون أول رئيس لأمريكا بعد استقلالها.


ميادين نجاح الثورة :
يُكلَّل نجاح الثورة قدر استطاعتها على اجتثاث النظام القائم بأكمله، وإحداث تغييرات جذرية في المجتمع، وهنا، لم تُغير الثورة السلطة الحاكمة وحسب، بل خلقت مجتمعًا أساسه حرية الفرد واستقلاله.
نجحت الثورة الأمريكية في كونها ثورة سياسية: استطاعت تحرير الفرد من القيود التي تُكبله، وخلقت قاعدة أساسية للديموقراطية وهي الإيمان بأهمية الفرد وكل الناس أحرار في الفكر والاجتماع والتعبير، وأقرت بالحرية الدينية.


ثورة اجتماعية: أزالت الطبقات وحاربت الأرستقراطية، وخلقت مجتمعًا مؤمنًا بالتقدم والتطور.
وقد واجه المجتمع الأمريكي مشكلات اقتصادية وتوفير الأموال للصناعات، تغلَّبَ عليها بظهور الصناعات المحلية.
أمَّا على الجانب الفكري والثقافي.. فلم تُنتج -في وقتها- أفكارًا  أعظم ممَّا نادى  به مفكرو فرنسا من قبل، كما أنَّها لم تعمل على نشر أفكارها ومبادئها – كما حدث في الثورة الفرنسية بعد ذلك- بل انغلقت واتخذت خطواتها المُمنهجة نحو بناء الإنسان.
وعلى جانب آخر، فقد هاجر المستوطنون وهم يحملون جنسيات مختلفة فقد أتوا من بريطانيا، والسويد، والدنمارك، وأسبانيا، وهولندا، وفنلندا، وألمانيا، وأيرلندا، واسكتلندا. وكان ذلك كافيًا لإنشاء مجتمع عرقي، إلَّا أنَّهم اندمجوا لتخرج منهم ثقافة واحدة: الثقافة الأمريكية، وكان إيمانهم وإدراكهم لمعاني مثل  “الحرية والديمقراطية” سببًا لخلق ذلك المجتمع.
وأسَّست سلطة حاكمة اُشتُرِطَ عليها أن تكون حكومتها ” من الشعب، بالشعب، للشعب” كما قال إبراهام لنكولن ١٨٦١-١٨٦٥م.

عقباتٌ قد تُطيح بالثورة :
-العنصرية:
بالتزامن مع اكتشاف أمريكا بدأت تجارة العبيد وجلبهم إلى العالم الجديد لاستصلاح الأراضي. ولكونهم عبيدًا فكانوا يعملون في ظروف قاسية بطعامٍ رخيص وبدون أجور وجلد بالسياط، وليس لهم حق التعليم، ووقع ٩٠٪ من الزنوج الموجودين بأمريكا كعبيد.
كان الجزء الشمالي من أمريكا أساسه الصناعة، والجزء الجنوبي أساسه الزراعة، لذا فحياتهم الاقتصادية قائمة على إصلاح الأراضي التي يقوم بها العبيد..
إن أبقت الولايات المتحدة على العبودية، ستكون قد أخلت بأهم شعارات الثورة من الحرية والمساواة. لذا فبمجرد أن استتب الأمر وانتهت الحروب البريطانية، شرعت الولايات في إلغائه عام ١٧٩٤م وحرَّمت استيراده، ولم تبق كثيرًا حتى حرَّمت الاتجار فيه، بل وأسَّست مستعمرة على ساحل أفريقيا الغربي لإرسال الرقيق المُحرَّرين.
تعارضت تلك الإجراءات مع الولايات الجنوبية، وصَرَّح مسؤولوها بأنَّ الرقَّ هو صرح الجمهورية، وبدأ كلًا من ولايات الشمال والجنوب تمارس ضغطها على الأخرى وهدَّد الجنوب بالانفصال!


-حرب أهلية:
وقد بلغ عدد الولايات المتحدة ٣٤ ولاية، وقُبيل تولي “إبراهام لينكولن” رئاسة الولايات (١٨٦١م-١٨٦٥م) وكان من أشد معارضي الرق، أعلنت ٧ ولايات جنوبية الانفصال عن الشمال في أبريل ١٨٦١م، واختاروا “جيفرسون ديفيس” زعيمًا لهم، لتشتعل الحرب الأكثر دموية في تاريخ الولايات، وكانت حرب في طرفيها الحرية ضد العبودية… وقف الشمال موقفًا صلبًا من أجل الحفاظ على الاتحاد الأمريكي، وعلى الرغم من تفوق الموارد الشمالية من حيث العدد والمؤن والجيش، إلَّا أنَّ الغرور الجنوبي صوَّر لهم أنهم مُنتصرون. وبدأت الحرب بمهاجمة الجنوب للشمال، وانهزم الشماليين، إلَّا أن سرعان ما جهز “لنكولن” جيشه وضرب الحصار على الشواطئ الجنوبية، واستمرت الحرب مدة أربع سنوات سجالًا بين الطرفين، لكن كان انهيار الجنوب أسرع بعد أن مُزِّقت وحدتهم، ولاذوا بالفرار بعد أن يئسوا القتال. وبحلول مايو١٨٦٥م استسلمت جميع القوات الجنوبية.
وبالرغم من أنَّ الحرب قد حُسِمَت للشماليين، إلَّا أن أحد أنصار تجارة الرق كان قد تمكن من قتل “لينكولن” وهو يشاهد عرضًا مسرحيًا في أبريل ١٨٦٤م.
خلَّفَت الحرب ما يقرب من ٧٠٠ ألف قتيل، لكنها تمكنت من المحافظة على الاتحاد الأمريكي حتى ولو بتدخل القوة العسكرية. وخلَّفت دولةً قوية، وحكومة اتحاد وطنية.

انتهت بذلك أسوء الإساءات سياسيًا، وأنهت الصراع الداخلي، واستمرت الفلسفة في الإصلاحات الأمريكية معتمدة على أساس التقدم وإيجاد مجتمع متكامل، وخلق من كل فرد مجتمع، وقد سعى دعاة الإنسانية إلى إزالة جميع الحواجز والعقبات التي تعوق التقدم البشري، لتخرج أمريكا بالوجه الذي نراه اليوم.