تاريخ وسياسة

الزعامة الشعبية وكيف غيرت نظام الحكم؟

كلما انتكست الأمة وغلي الحاكم واستبد بأمره، جاءه صوت المُنذر: “أن أهل البلد يعزلون ويخلعون من صار فيهم بالجور سواء كان واليًا أو خليفة أو سلطان”

هكذا كانت كلمات “عمر مكرم” ضد ظلم الوالي العثماني..

الغوث الغوث!

في عام ١٨٠٥م كانت الفوضى تضرب أرجاء القاهرة من جند العثمانين وقيامهم بالسلب والنهب وطردهم للأهالي من بيوتهم، أمرهم والي مصر” خورشيد باشا” (١٨٠٤م-١٨٠٥م) بالخروج  وترك البيوت لأصحابها لم يكترثوا، خاطبهم ثانية فامتنعوا.

استغاث الناس رجالاً ونساءً وهاجت الأوضاع وماجت، لكن لا ضير على أمةٍ صلحت فيها قيادات الزعامة الشعبية..

اتجه الناس إلي “الشيخ الشرقاوي” شيخ الأزهر آنذاك، والسيد “عمر مكرم” نقيب الأشراف، والذين بدورهم اتجهوا إلى “خورشيد باشا” وطالبوه باستقرار الأوضاع، وأمهلوه لفترة. وبفشله في إدارة الأزمة والقضاء عليها، اتجهت الزعامة إلى الجندي الألباني الذي جاء إلى مصر في حملة بأمر من السلطان العثماني “محمد علي” وأخبروه بمطالبهم: “لن نرضى إلا بك واليًا، وتكون واليًا علينا بشروطنا”

طالب الشعب من خورشيد باشا الرحيل، فقال: “إنّي مُولى من قبل السلطان ولا أُعزل من قبل الفلاحين “

ولأن في ساحة القتال تولد الأمم، فهبَّ الشعب لمسايرة الزمن، وقاد الثورة “عمر مكرم” فحاصروا قلعة الوالي وأقاموا المتاريس، و لازموا السهر في الشوارع، وباتوا يسرحون أحزابًا وطوائف، وحمل الشعب لواء الدفاع عن” محمد علي” الوالي الجديد الذي اختاروه بإرادتهم.

استمر خورشيد باشا في تمسكه بحكمه، لكن وبإجماع العلماء والزعماء اعتبروا أن “محمد علي” هو الوالي حتى ولو لم يأتي فرمان من السلطان بتوليته..

وبذلك بات في الحكم خِصمان، خصمًا رأى في الشعب رعاع فلاحين ورأى في نفسه مُولَّى من قبل السلطنة فخسر سلطته وحكمه، والآخر رأي في الشعب عُدته وقوته فوصل إلى ما طمحت إليه نفسه.

ونهاية الأمر؛ ما كان من الدولة العثمانية إلا أن رضخت لإرادة الشعب فأصدرت فرمان بعزل خورشيد باشا وتعيين “محمد علي” واليًا علي مصر ١٨٠٥م.

بوصول محمد علي إلى السلطة، تغير نظام الحكم المصري وانتهى بذلك النظام الذي كانت تتبعه الدولة العثمانية، بتغير واليها كل ثلاث سنوات، ليبدأ عصر “الأسرة العلوية” في مصر والذي امتد نحو قرن ونصف!

لماذا لم يتولى الحكم عمر مكرم ؟

كان عمر مكرم الأكثر شعبية في ذلك الوقت ولو اختار لنفسه الحكم لردد الشعب: قول نسمع، وأمر نُطع، وقد كتب عنه المؤرخون أنه “روح الثورة وعمادها”.

لكنه لم يرى في نفسه إلا ممثلاً لشعبه، وهدفه البقاء في صفوفهم وحماية مطالبهم، وأنه ليس طالبًا جاه أو سلطان، ولم يقدم جهدًا ليحصد منصب.

كانت الثورة ضد إجحاف وطغيان الوالي العثماني، ولم تكن ضد الخلافة العثمانية، وكان المصريين لم يروا لحكم العثمانيين بديلاً، فكانوا كغيرهم يؤمنون بالولاء والطاعة للخليفة، ولم يصدر من الخليفة ما يقودهم للثورة ضده، وإنما كانوا يبحثون عن والي يسير فيهم بالعدل ويكون ممثلاً للخلافة العثمانية، كما أن الوعي السياسي لم يكن قد نضج، ولم تتشكل الشخصية السياسة لديهم، لذا فالرأي عندي بأن اختيارهم قد وقع على ” محمد علي” بصفته جندي عثماني أرسلته الدولة العثمانية فى إحدى حملاتها كممثلاً لها، لم ينظروا لكونه ألباني يتولى الحكم عليهم! حيث لم يكن صراع العِرقيات سائد آنذاك، يكفيهم أنه مسلم ومن رعايا الخليفة.

تمهيد الطريق للحكم:

أجلست الزعامة الشعبية واليها الجديد على كرسي الولاية وابلغته سُدة الحكم، لم تنسحب ! بل ظلت بالميدان تُمهد وتُصلح وتُذيل العقبات والدسائس والمؤامرات..

ولعل أشد ما تخشى الشعوب، ضريبة تُفرض عليهم.. ولقد تمثلت أولى عقبات الوالي الجديد في حاجته إلى المال لقضاء رواتب الجند العثمانيين ليرحلوا من البلاد، فاجتمع “محمد علي” بالزعماء الذين كانوا بمثابة مجلس الأمة وحلقة الوصل بين الشعب والحاكم، وباتوا ليلتهم ينظرون في الأمر، حتى استقر بهم الرأي على جمع المال اللازم من الشعب، فضج الناس بذلك وخشوا أن تصير عادة، فالزموه بعهدٍ ألا يعود إليها ويلعن الله من يفعلها ثانية.

لم يهنئ” محمد علي” بالحكم، حيث أرسل السلطان العثمانى بعزل محمد علي من ولاية مصر فى ١٨٠٦م ، فاحتمى محمد علي بشعبه، وللمرة الثانية طغت إرادة الشعب على إرادة السلطان.

ثم لم تلبث أن وصلت حملة فريزر ١٨٠٧م في محاولة الإطاحة بـ”محمد علي”

لم يكن الجيش بالعاصمة آنذاك، حيث كان” محمد علي” بالصعيد يحارب المماليك، تُري ماذا يصنع الأهالي؟!

لم يكن من الأهالي إلا قلة قليلة مُجندة، فاجتمع الزعماء وبدأوا يدبرون الأموال اللازمة للتصدي للحملة، وتطوعوا للقتال مُختارين، وبذل كلاً منهم ما يستطيع، وأظهرت الحملة في الشعب رباطة جأش، وأثبتوا أن البلاد لم تكن يومًا لوالي أو سلطان وأن قوة الشعب ووحدته قادرة أن تكتب مجدًا وتصنع أمة، واستطاع أهالي رشيد في البداية هزيمة الإنجليز رغم أنه لم يكن موجودا بها سوى ٨٠٠ مقاتل!

وأما فضل “عمر مكرم” في تلك الحملة لم يكن ليخفى، فخرج للناس ونادهم بحمل السلاح وبناء الاستحكامات، واستطاع قيادة الشعب فى ظل غياب حاكمه.

وبعودة “محمد علي” إلى القاهرة، كانت الحملة قد فشلت، وأرسل قائدها يطلب التفاوض من أجل الجلاء.

إخفاق الزعامة الشعبية:

ظلت الزعامة تقضي على العقبات من أمام “محمد علي” إلى أن آن آوانها! فما إن استقام الطريق له حتى بدأ يقضي على كل من عاونه، وضاق ذرعًا من تدخل العلماء ورفع أمور الناس ومظالهم إليهم وبقائهم كرقيبٍ عليهم،  وفرض ضرائب جديدة وتنصل من عهوده وضرب الزعماء ببعضهم البعض، وكُتب على” عمر مكرم” بالنفي، وأخفقت الزعامة نهاية الأمر أمام سطو واليها الذي اختارته، لتبدأ حقبة جديدة كُممت فيها أفواه الأمة، لتستمر إلي ما يقرب من قرن من الزمان..

أما فشل الزعامة فيعزي السبب أنها استطاعت أن توطد جذورها وتغرس وتثبت دعائمها، إلا أنها لم ترى في الحكم وسيلة لخلق مجتمع ناهض، واكتفت بدورها بين صفوف الشعب!

ومن خلال ذلك نرى أن الزعامة الشعبية أو أصحاب الفكر التغيري دائما ما يكونون قلة قليلة، وأن الإصلاح لا يأتي من الشعب أجمع، وتغير المجتمعات لا يكون بين ليلة وضحاها، وأن التغيير والتقدم لا يكون بانتهاج سياسة العنف، وحقيقة لا يجب إغفالها؛ أن السلطة تُتخذ كـ “وسيلة” لخلق مجتمع ناهض متقدم، وما إذا اتخذت كـ “غاية” كان ذلك مؤشر للنفوذ والبطش.

 ونهاية الأمر يبقى نظام الحكم كما أتى به الشعب طالما بقيت الزعامة الشعبية بالميدان في وعيٍ ويقظة، فإذا ما أصابها إغفال وغفلة كان ذلك نذير بحكمٍ جبريًا سيُفرض عليها !

اترك تعليقا