صوت

تتآكل حياتي في غربتي

النهار لم يأتِ بعد..

لا أعلم كيف يطول الليل هكذا! بتُّ أتبعه وأسرى به حتى أرى الشروق يومًا، لكن كل ما أصل إليه هو الظلام، ويظل أعوامًا كثيرة يمر بي، يمر بداخلى أو أنغمس أنا بداخله حتى أصبحتُ أعتاده..

رسالاتٍ يكتبها قلبي وليس قلمي..

يا للشوق الذي جعل العقاد يكتب لمي زيادة قائلًا: “لا ينقصني من رؤيتك شيء، إني أراكِ في غدوك ورواحك.”

ذلك الشعور الذي يدوى القلب ويدنوها منه رغم بُعدها كذلك أنا…

زوجتي العزيزة

أراكِ كثيرًا، أعلم مدى حزنك ووحدتك، ولكن أنا مُحاطٌ بكِ من جميع الاتجاهات، أنتِ الوطن في غربتي، شمسي في ظلامي الدامس، وردتي وسط شوكٍ أحياهُ، أملي النابع من ألمي.. أتصلك رسالاتي؟ سلامي؟ أتعلمين أنني أتحدث إليكِ كثيرًا بل لا أتحدث إلا إليكِ.. كم ينازعني الاشتياق الآن؛ فستانك الجميل الذي تتنتظريني كي أراكِ به، ضحكاتك، لُطفك، دفء عيناكِ وهي تنظر لى، كلها أشياء لا تغيب عني بل أراها بعين قلبي دائمًا.. فأنا ممتلئٌ بكِ.. لست مغتربًا، جسدي فقط هو المُغترب، بل روحي تعرف مأواها جيدًا، وأنتِ مأواي…

صغـاري

كيف حالكم؟ كم عمركم الآن؟ هل اشتقتم لي! ضعوا أيديكم على قلوبكم، أنا هُنا بداخلكم، أتسمعون صوتي جيدًا؟

أحزن على افتقداني إلى تفاصيلكم، أستيقظ كل يومٍ أتفقّدكم بجانبي.. تمنيت أن أصنع لكِ الضفيرة التي تحبينها طفلتي العزيزة، وأن أسمع صوتك المتقطع حتى يستقيم، وأن ألاحظك ترددين الكلمات ورائي بنبرةٍ ساخرة.. وأنت يا قرة عيني كيف لعب الكرة بدوني؟ أردت كثيرًا التعرف على أصدقائك أو ربما صديقاتِك.. أريدكم أن تعلموا فقط أنني لم أترككم بإرادتي، بل وطني أراد ذلك!

لكن “ما هو الوطن”؟

ليس سؤالًا تجيب عنه وتمضي.

إنه حياتك وقضيتك معًا “قالها درويش في معاناته مع وطنه، حقًّا.. إنها الحياة والقضية..

وطـني!

سلامٌ عليك

لم أستطع أن أبدأ حديثي إلا بسلامي عليك، رغم حزني الشديد منك إلا أن هناك ما فى القلب من حبٍّ لك، تغرسه بداخلنا منذ ميلادنا ويظل يكبر يومًا بعد يوم، ولا أدرك ما السبب حقيقةً.. أهذا ينبع من حبك لنا؟ الأم التي تزرع الحب بداخل أبنائها فينبت الشوق والولع بهم حتى وإن قست عليهم.. غبار الحنين إليك يتلألأ أمامي الآن.. لا أدري مَن الذي خان! أنا أم أنت… ذهبت من فرط القسوة، ومُر الغياب يفعل ما يفعله بي كل ليلة، تنام براحةٍ بين أضلعي المنكسرة في ظلام الغُربة، يا إلهي كيف هذا! أشتاق لخطواتي في شوارعك، لأصوات الناس، كوب الشاي مع أصدقائي ليلًا ونحن نشاهد المباريات، وصوت ضحكاتنا يعلو مع الهدف ودموعنا تنساب مع الخسارة.. هل الوطن يُنعم من به بزيادة عمره ويعاقب من يخرج منه بالشيب سريعًا؟… هل أصدقائي بعمري الآن!

“وتذكرت كُل أصدقائي الذين حالت بيني وبينهم مشاغل الحياة، والذين تفرقوا بين المدن والدول والقارات ومع كُل منهم قطعة من نفسي وصباي وشبابي، كأني أوزوريس الذي مزق إله الشر جسمه ووزعه بين البلاد! وشعرت باللوم لهم جميعًا، ولنفسي أكثر.. لأننا استسلمنا جميعًا لمشاغل الحياة.. ولم نقاوم هذا الوحش الذي يلتهم ما بقي من أوراق العمر، ويصرفنا عن لقاءات الروح القديمة.”

عبد الوهاب مطاوع يصف ما أعيشه من فقدان ووحشة…

أصدقـائي

كم بَقِى منكم؟ كنا خمسة، كان الليل يمر سريعًا بنا وليس كما ليْلِي الآن، كانت اللحظة بمقدار عُمر، الآن عمري ما هو إلا لحظة أعيشها بمفردي، بداخل هذه الغرفة،  الجدران الأربعة هم مؤنسي ولكني أراكم، ترسمكم عيناي بكل ركنٍ بهم.. أعيش معكم التفاصيل، أتحدث كثيرًا وأضحك، أضحك حتى البكاء عندما أبحث عنكم ولا أجد سوى الذكريات التي أستجمعها كل ليلة..

صديقي الذي توفاه اللّه، الغُربة كوطننا قاسية! لم أستطع السلام الأخير ولا رؤية وجهك، أتحزن كثيرًا؟ أسمع صوت عتابك وأبكي، داخلي ينطق ولساني يعجز، أعلم أنك بحثت عني وأنت ذاهبٌ إلى قبرك ولم تجدنى بينهم، كنت تنتظرني أحملك ولكن حملتني الأيام بعيدًا عنك، يا صديقي، أعيش بالكثير من الآلام الآن، ولكن ألم فقدانك هو الأشد!

ضائعٌ.. أن تشعر أنك ضائعٌ على سريرٍ فى ظلمات غرفةٍ، والمصابيح تنير فقط بداخل عقلك لتسألك العديد من الأسئلة التي لا تستطيع الإجابة عنها، ولتنغّص عليك نومك بذكرياتٍ تمر أمام عينيك، وتحاوطك من كل اتجاه..

حين يقول بهاء طاهر: “أتكلم طوال الوقت، ولكن مع نفسى.. في رأسي حوارٌ لا ينقطع”، تسمع صوت قلبك وهو يئن ويسأل: أيطول الليل كثيرًا! ألم يأتِ النهار بعد؟!

فاطمة محمد
فاطمة محمد
طالبة بلأدب الإِنجليزى.