علوم

الشعرة بين الجنون والعبقرية: مرض الكبت النفسي المنخفض

هل تعرضت يومًا لمثل هذا الموقف؟ أن تقف في منتصف الطريق وتجد نفسك في محل الاختيار بين اتجاهين:

الأول يقودك ناحية الجنون الذي سيواصل طريقه معك حتى يستطيع إنهاء المهمة بنجاح وتكون النتيجة نهايتك الأبدية.

أما الثاني فيقودك إلى الناحية الأخرى، ناحية العبقرية التي تصيب عقلك بما يُدعى “الهوس” الذي سيجعلك في أعين من يرونك غريب الأطوار، لكنك أذكى ممن هم حولك، أسرع مما يدور في عقولهم!

ماذا تقصد؟

الحكاية تبدأ في التحرك مع مرض يُدعى “Low Latent Inhibition” أو الكبت النفسي المنخفض. من اللحظة الأولى التي تسمع هذه الكلمات لا تفهم منها شيئًا، لكنها تشير إلى حالة نفسية تتحرك بين الجنون والعبقرية، وكأن بينهم شعرة بسيطة، قرار يتخذه الشخص يستطيع قيادته إلى أحد الطريقين.. إما الجنون أو العبقرية! 

ما هو المرض؟

هو ليس مرضًا كبيرًا في بدايته، ليست حالة تؤذي الآخرين بقدر ما أنها تصيب شخصًا بعينه، شخصًا تم تركه وحيدًا فريدًا في المقابل مع هذه الحالة لكنها إن استمرت..

الكبت النفسي المنخفض:

يعتبر حالة من حالات المرض النفسي تعني بإثارة الحواس البشرية لأعلى الدرجات، تجعله يرى أدق التفاصيل، يرى ما لا يستطيع البشر رؤيته ويسمع أدق الكلمات.

مثلًا إذا نظرت لأحد أعمدة الإنارة، فإنك ترى ضوء يصدر منه لكن المصاب بهذا المرض يرى ما هو أكثر من ذلك، يرى طول العمود وكيف هو مثبت بالأرض بشكل مُحكَم، القوة التي يصدر بها الضوء، الفتيل المتواجد بداخل كشاف النور، المساحة التي يغطيها الكشاف بالشارع وهكذا.. 

عقولنا نحن عامة البشر تتجاهل بعض المعلومات حتى نستطيع أن نتفاعل مع ما يدور حولنا ونستطيع الحفاظ على عقولنا لكن عقولهم تنتبه للمؤثرات الخارجية في البيئة المحيطة. 

مميزاته وعيوبه:

هذه الحالة لها مميزات وعيوب وهي كالآتي:

المميزات:

أنت تلاحظ أكثر، ترى بوضوح أكثر، لديك دقة عالية في تقدير الأشياء، تستطيع كشف خدع الآخرين، التأقلم سهل وبسيط ولا يأخذ منك الوقت، عامل الذكاء والعبقرية متلازمان لديك، أن ترى ما لا يراه البشر العاديون.

أما عن عيوبه:

يلاحظ الآخرين أنك تقول أمورًا في غير موضعها، لا تستطيع التلائم مع الأصوات العالية، يتملكك العناد لأصعب الدرجات، لا تستمع لصوت غير صوت عقلك فقط ولو كنت مخطئًا.

ما النتيجة؟

إذا أصيب قليل الذكاء بهذا المرض فإنه يصاب بالجنون مباشرةً، لكن إذا كان المريض يمتلك ذكاء عالٍ فإنه يصبح عبقري مبتكر. 

التحكم في المعلومات التي يشعر بها العقل.. إذن الفكرة هنا تكمن في قدرتك على التحكم و لا شيء قبل التحكم، إذا استطعت التحكم في تدفق هذا الكم من المعلومات التي تدخل إلى رأسك فإنك ستتحول إلى عبقري لا يضاهيه أحد.

من ناحية أخرى إن لم تستطع التعامل مع هذه المعلومات فإنك ستواجه حالة من الجنون لعدم القدرة على التعامل مع هذا الصخب الزائد عن الحد داخل عقلك!

ما هو السبب؟

لعلنا نستطيع توقع أسباب حدوث هذا المرض: ببساطة العزلة والإهمال والإحساس بالظلم وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر، وقتها يبدأ العقل في رؤية معلومات زائدة عن الحد، يتأمل في تفاصيل لا ينتبه إليها الآخرين، وقتها يبدأ الشخص بعمل موسوعة من المعلومات الخاصة به والتي تعد القاموس الوحيد الذي يتعامل به مع الحياة بشكل عام.

علميًّا: يعتقد أحد العلماء أن سبب حدوث هذا المرض هو زيادة في الدوبامين -أحد النواقل العصبية في الرأس- وحدوث خلل في النواقل العصبية الأخرى مثل السيروتونين. هذا ما جعل الكبت النفسي المنخفض يتشابه مع أمراض نفسية أخرى ويحدث لبس لدى البعض أنه شبيه بمرض الانفصام!

كيف نعرف المريض؟

هناك حالة واحدة تجعلنا نعرف هذا المريض، نستطيع وقتها التعرف على حالته إن كان مصابًا أم لا، وهي أن نضعه تحت الملاحظة لمدة ونقوم بوضعه تحت المؤثرات المتوسطة، وقتها يقوم الشخص بوضع يديه على أذنه كي يستطيع  سماعها كما نفعل لأن الأصوات المتوسطة تعتبر بالنسبة له صوتًا صاخبًا.

هل هناك حالة ننظر إليها؟ 

ماذا؟ انتظر! في الأعلى رأيت صورة مايكل سكوفيلد، بطل مسلسل Prison Break! 

نعم بالضبط هو الحالة التي نقصدها، والتي تحدَّثت عنها طبيبته النفسية، الدكتور سارة تانكريدي -طبيبة السجن-. مايكل سكوفيلد أصيب بنفس الحالة ولأنه شخصية ذكية تحول الأمر معه إلى ناحية عبقرية، فقرر أن يرسم خريطة السجن على جسمه حتى يذهب وينفذ خطة هروبه مع أخيه واعتقد في قرارة نفسه أنه يتوجب عليه إنقاذ أخيه لأنه رأى نفسه المذنب الوحيد -الإحساس بالذنب- على الرغم من أن الموضوع لم يكن خطأ منه نهائيًّا! لكنه حمل على عاتقه مسئولية إنقاذ أخيه حتى فعلها وحقق لنفسه الارتضاء، رأيناه أكثر المنعزلين، لم يكن يتحدث كثيرًا، كانت تصرفاته غريبة للغاية، يسعى لعمل ما لا يتوقعه الآخرون، دائمًا مؤمن بحظوظه حتى وإن كان في قاع الفشل، سكوفيلد كان يخشى الأصوات العالية، يخشى أن يخذل أحباءه لأنه شعر بهم أكثر من المعتاد، أخذ على عاتقه مهمة كبيرة، وهي أنه المذنب الوحيد في كل ما يحدث لهم!

وهذه كانت الحالة الأوضح لمرض الكبت النفسي المنخفض.

هل يوجد علاج؟

للأسف لا يوجد علاج واضح لهذا المرض، لكن يمكن تناول بعض مضادات القلق لأنها تساعد المريض على الهدوء أكثر، لكن هذه العملية تتم باستشارة الطبيب فقط.

لكن يمكن التعامل المرض بإجراءات الوقاية:

يمكنك أن تشغل حياتك بكثير من الأمور مثل القراءة ورؤية الأفلام التي تقدم رسائل واضحة والاختلاط بالآخرين قدر الإمكان وكسر الروتين بشكل متواصل والابتعاد عن كل ما يدعو إلى الوحدة أو العزلة الزائدة عن الحد. 

تستطيع مواجهة المرض من البداية لأنه إن وصل إليك ستتعرض إلى مشكلة كبيرة وخطيرة!

المصادر:

1-   http://www.lowlatentinhibition.org/what-is-lli/     

2-  http://samantics.t/

3- Prison Break season 1 episode 9

4-http://www.enzolifesciences.com/science-center/technotes/2018/november/the-role-of-dopamine-as-a-neurotransmitter-in-the-human-brain/

5- https://www.healthline.com/health/dopamine-vs-serotonin#depression

محمد فتحي
محمد فتحي
محلل رياضي مصري ومدير قناة وصفحة الساحرة المستديرة. مهندس حاسبات وتحكم آلي.